د. جازية شعيتير

الجزء الثالث

  1. مدى كفاية الأجهزة الرقابية المحلية

تتعدد الجهات الرقابية المعنية بمكافحة الفساد ومن بينها:

  • مركز الرقابة على الأدوية والأغذية، ومصلحة الضرائب، ومصلحة الجمارك الليبية، وهيئة الرقابة الإدارية المنظمة بقانون 20 لسنة 2013.
  • وحدة المعلومات المالية بإدارة الرقابة على المصارف والنقد التابعة للمصرف المركزي ووحداتها الفرعية التابعة لها بالمصارف العاملة في الدولة والمنشأة بموجب القرار رقم 40 لسنة 2002، تتولَّى رصد ومُتابعة كافَّة العمليات والصفقات التي يُجريها المصرف أو المُؤسَّسة المالية، أو المُتعاملون مع المصرف أو المُؤسَّسة المالية، والتي يُشتبه في علاقتها بصفقات غير مشروعة أو عمليات غسل أموال، أو العمليات المُتعلِّقة بإيداع أموال مجهولة المصدر أو تحويلها كما تتولَّى هذه الوحدات الفرعية الإبلاغ عن المعلومات أو البيانات التي تتَّصل بهذه العمليات إلى وحدة المعلومات الماليـة بمصـرف ليبيا المركزي. كما تعد اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمنشأة بموجب المادة 13 من القانون رقم 2 لسنة 2005 بشأن مكافحة غسل الأموال أداة رقابية.
  • ديوان المحاسبة المعاد تنظيمه بالقانون رقم 19 لسنة 2013 والمعدل بالقانون رقم 24 لسنة 2013، ولعل من المهم أن نذكر بأن القانون في المادة الثالثة منه، لا يمنح ديوان المحاسبة سلطة الرقابة على القطاع الخاص إلا إذا كانت الدولة تساهم في رأس مال الشركة بنسبة 25% على الأقل أو أن تكون الشركة قد أخذت قرضًا من الدولة واشترط في عقد القرض إخضاعها لديوان المحاسبة، كما أن القانون لا يجيز لديوان المحاسبة الرقابة على مجلس النواب، وذلك حسب بيان رسمي للديوان مدينة البيضاء بتاريخ : 17 أكتوبر 2018، بل إنه يسلب منه كل اختصاصات التحقيق، فنص القانون يلزمه في المادة 27 منه بإحالة الواقعة للرقابة الإدارية أو النيابة العامة، إذا ما تبين مخالفة إدارية أو جنائية، وقد حدث ذلك حيث بلغ إجمالي ما أحيل لهيئة الرقابة الإدارية (239) قضية، في حين بلغ إجمالي ما أحيل للنيابة العامة (42) قضية وهناك عدد (25) قضية قيد الإحالة لسلطات التحقيق.

ولعل ما يجدر التنويه به في قانون رقم (11) لسنة 2014 بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد هو نصه في المادة 26 منه على عدم تساقط جرائم الفساد بالتقادم، ونصه في المادة 22 منه على حماية الشهود والخبراء والمبلغين عن جرائم الفساد، ومنحه موظفي الهيئة صفة مأموري الضبط القضائي في المادة 5 منه وتأكيد صلاحياتهم بالاطلاع على الدفاتر المشتبه به، كما لهم الحصول على المعلومات والاستعانة بالخبراء، ولهم حق الاطلاع على كافة المستندات حتى لو كانت سرية، ولهم حق استدعاء من يرون لزومًا لسماع أقواله.

  • هيئة مكافحة الفساد، المنصوص عليها في قانون 63 لسنة 2012 ألغي بقانون 11 لسنة 2014 المنشئ للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وقد أوقفت عن العمل بموجب قرار رقم (119) لسنة 2017 بشأن إيقاف بعض الموظفين بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، عن العمل، احتياطيًا لمصلحة التحقيق.

ولعل من المؤسف القول بأن هيئات مكافحة الفساد منذ إنشائها في 2012 قد صرفت لها ميزانيات كثيرة، وقد اتهم الكثير منها بالفساد، ولم تتمكن من تحقيق أي إنجاز مفيد في أي ميدان من ميادين مكافحة الفساد؛ حيث اتهمت الهيئة الأولى بالفساد الذي شاب إجراءات تشكيلها، فقد شكلت بالمخالفة للقانون وبدون أداء القسم الدستوري أمام السلطة التشريعية، وكذلك بتعيين موظفين بقرارات باطلة ومخالفة للقانون وصرف الميزانية المعتمدة التي تقدر بخمسة وأربعين مليون دينار، وتبديدها بدون وجه حق، وقد أمر القائم بأعمال النائب العام بتجميد حساب الهيئة لحين معالجة الموضوع تشريعيا حفاظا علي المال العام ، أما التشكيل الجديد للهيئة فهو أيضًا لم يسلم من شبهة الفساد، فقد شكلت عن طريق رئيس مجلس النواب الليبي بإصداره قرارا فرديا رقم (65) لسنة 2014 بإعادة تسمية رئيس هيئة مكافحة الفساد وأعضائها المنشأة بقانون رقم (63) لسنة 2012 ـ الملغى بحكم القانون رقم 11 لسنة 2014 بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ـ مما دعا جمعية الشفافية الليبية (منظمة مدنية تأسست في 2011) إلى الطعن في القرار أمام القضاء الإداري بدعوى مقيدة بالسجل العام تحت رقم (217/2015)، وحكمت المحكمة يوم الاثنين الموافق 24 إبريل لعام 2017 ببطلان وإلغاء قرار رئيس مجلس النواب الليبي رقم 65 لسنة 2014 بشأن تسمية رئيس هيئة مكافحة الفساد وأعضائها، في حين اتهمت التشكيلة الأخيرة للهيئة بأنها تستند إلى قرار من رئيس حكومة الوفاق وهو قرار منعدم لصدوره من غير ذي صفة فقرارها لم يصدر عن السلطة التشريعية في البلاد (مجلس النواب، المؤتمر الوطني) وهذا مخالف للقانون رقم 11 لسنة 2014 بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، مما دعا جمعية الشفافية الليبية للتصدي مرة أخرى والتوجه للقضاء، وبناء على ذلك أصدرت إدارة القانون في طرابلس فتوى تؤكد فيها شغور منصب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منذ صدور القانون رقم 11 لسنة 2014 واختصاص السلطة التشريعية وحدها بالتعيين وبأن السيد نعمان محفوظ الشيخ “رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مغتصبٌ للسلطة،.وبذلك يستبين وأد هذا الكيان الذي كان من المأمول تصديه للفساد الليبي.

ومما يعرقل المواجهة الفاعلة إجرائيًا انعدام التعاون بين الجهات المعنية، فعلى سبيل المثال يؤكد رئيس وحدة المعلومات المالية في مصرف ليبيا المركزي بأن عملهم يذهب هباء منثورًا؛ لأنهم يكتبون مجرد تقارير لا فاعلية لها وهذه التقارير ليست أدلة؛ لأنهم ليسوا مأموري ضبط قضائي، فهذه التقارير تحال إلى النائب العام، على أساس أن الوحدة غرضها مساعدة الجهات القضائية، ولكن ما يحدث في الواقع أن القوانين المختصة نصت على التصالح، وحين يعرض التصالح على النائب العام يأمر بألا وجه لإقامة الدعوى.

ومن هنا قد نقترح على المشرع ضم كل هذه الجهات الرقابية في جهة رقابية واحدة أو على الأقل تكون هناك جهة رقابية مركزية تتبعها كل الجهات الرقابية النوعية، فمركزية الرقابة تضمن مركزية الخطط ومركزية المعلومات ووحدة الإجراءات، مما يساعد على مكافحة الفساد

وفيما يتعلق بجهات التحقيق والمحاكمة، فقد اتخذ المشرع الليبي سياستين مختلفتين؛ فتارة جعل مكتب الادعاء الشعبي مختصًا دون غيره بالتحقيق والتصرف في بعض جرائم الفساد، ومحكمة الشعب تختص دون غيرها بالفصل في الدعاوى الناشئة عن بعض جرائم الفساد، وذلك وفقًا لما يقرره قانون التطهير (المواد 28 و29 منه) وتارة أخرى أوكل الاختصاص للنيابة العامة والقضاء العادي، كما في القوانين الأخرى مثل قانون العقوبات وقانون الجرائم الاقتصادية، وقد أعاق ذلك تراكم الخبرات القضائي في مجال مكافحة الفساد.

ولعل من الملاحظ أن النيابة العامة والقضاء العادي ليستا بالكفاءة والكفاية اللازمة سواء من حيث قلة الخبرة المالية والاقتصادية أو من حيث التراكم القضائي، ولذلك قد يكون من الجيد أن تطرح المسألة للمشاركة المجتمعية وللمختصين من القانونيين والحقوقيين لمناقشة مدى جدوى ونجاعة إيجاد نيابة مختصة (نيابة جرائم الفساد أو نيابة جرائم الأموال العامة) وقضاء متخصص (دوائر للبث في قضايا الفساد في محاكم الاستئناف).

2.9.3 قرارات ولوائح

على الرغم من أن المال الفاسد ألقى بظلاله على ولادة الحكومة بمزاعم عن عمليات عرض “رشاوي” وتلقيها أو رفضها بين أروقة الحوار السياسي؛ فإن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة استهلت عملها، بقرارات متلاحقة عدَّها خبراء اقتصاد ضرورية لملاحقة الفساد ووقف إهدار المال العام ضمن إجراءات لإصلاح الاقتصاد.

منها قرار نص على إيقاف حسابات الشركات العامة والصناديق الاستثمارية. وصرحت رئاسة الحكومة بأن هذا القرار قد جاء “حرصًا من حكومة الوحدة الوطنية على الحفاظ على المال العام ومن أجل تلافي أية شبهات للفساد والتصرف في أموال الدولة بدون وجه حق”.

ومنها قرار حل اللجنة العليا لمجابهة وباء كورونا، التي جرى تشكيلها من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق السابقة، وتشكيل لجنة جديدة.

3- شمولية السياسات

3.1 السياسات التشريعية لمواجهة الفساد

3.1.1 السياسات الدستورية

يلزم الدولة الليبية أن تعتنق النظام الديمقراطي وآلياته كافة؛ لأن الاستبداد سبب للفساد والمؤشرات العالمية تؤكد أن نسبة الديمقراطية وأدواتها تقلل من الفساد، كما يلزم تبني التوجه الاقتصادي الحر القائم على تنوع الاقتصاد والشراكة الحقيقية الفاعلة بين القطاع الخاص والعام. ومن الجيد اعتماد التوجه القائم في مشروع الدستور 2017 فيما يتعلق بمكافحة الفساد، كما يجدر تضمين الدستور حظرا على المشرع الليبي عن منح الحصانات التشريعية بأنواعها: الطلب والإذن وغيرهما مما يعد قيودًا على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية عن جرائم الفساد، سواء ارتكبت من موظفي الخدمة العامة المعينين أو المنتخبين من كبار المسؤولين ومن بينهم رئيس السلطة التنفيذية وأعضاء الحكومة والمجالس التشريعية وأعضاء السلطة القضائية.

كما يجب ألا يغيب عن المشرع الدستوري أن بعض القواعد الدستورية تؤكد ريعية الدولة وترسخ للمركزية الإدارية، بل إن بعضها يرسخ ثقافة حق المواطن في العمل بما يؤسس لبيئة ملائمة لصور من الفساد قد لا تكفي في مواجهته تلك القواعد الدستورية المعلنة عن مكافحته وتبني النزاهة والشفافية والتنافسية والرقابة وغير ذلك.

3.1.2 السياسات القانونية

يلزم الدولة الليبية أن تفي بالتزاماتها المترتبة على مصادقتها على اتفاقية مكافحة الفساد بالقانون رقم (10) لسنة 2005 بشأن التصديق على المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المبرمة بين الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى والدول الأخرى وفي نطاق المنظمات الإقليمية والدولية وتدخل تعديلات جوهرية على منظومتها التشريعية بالخصوص.

يلزم المشرع الليبي تعديلًا يقضي بمد سريان القانون الجنائي الليبي على جرائم الرشوة الدولية التي تقع من الموظفين العموميين الأجانب أو موظفي المؤسسات الدولية إضرارًا بمصالح ليبيا أو بمصالح أحد المواطنين الليبيين، ومد الولاية القضائية الليبية لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم عند وقوعها في الخارج، يلزم النص صراحة على تجريم رشوة الشخص الاعتباري، يلزم النص على سريان نص تجريم الرشوة على أفعال التابعين للقطاع الخاص.

ومن الجيد التوسع في العقوبات المالية دون العقوبات السالبة للحرية؛ لأنها أنجع من حيث معاملتها للجاني بعكس المقصود من الجريمة، إلا وهو إثراء الذمة المالية له عقوبة الرشوة، ويجب أن تكون غرامة نسبية مثلًا 30% من قيمة الرشوة، ومن جهة أخرى نرى في الجزاءات التبعية خاصة نشر الحكم وسيلة رادعة للجاني ولغيره ممن تسول له نفسه الاعتداء على الأموال العامة للدولة.

ويلزم التدخل التشريعي السريع لحظر كل تلك الصور الخارجة عن دائرة التجريم، ومنها تجريم تعارض المصالح، وتجريم التلاعب بالدعم الحكومي الذي يحصل عليه البعض لتقديم سلع أو خدمات، ويستحوذون من خلاله على أموال الدولة، ومن أمثلة ذلك: الاعتمادات والسلع والوقود وغيرها.

وضم شتات كل النصوص المتعلقة بصور جرائم الفساد الواردة في قوانين متفرقة في تشريع عام تحت مسمى قانون مكافحة الفساد.

ومن التدابير الردعية أن يعلم الجاني أن جريمته لن تسقط بالتقادم أو العفو، ولذلك نشيد بموقف قانون العفو 6 لسنة 2015 الصادر عن مجلس النواب حيث استثنى جرائم الفساد من العفو العام.

ومن الأهمية أن يعامل ملف الفساد بوصفه أحد الانتهاكات الحقوقية التي تندرج تحت إطار العدل- الانتقالي ولذلك نؤكد أن قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013 حين نص على ركيزة الإصلاح المؤسسي كان يجدر به الإشارة إلى مكافحة الفساد؛ لأن محاربة الفساد آلية من آليات العدالة الانتقالية، ويدعم هذا المطلب التشريعي إجماع الليبيين على ضرورة إبعاد من تثبت مساهمته في فساد سياسي أو مالي أو إداري.

يلزم اعتماد مبدأ الشفافية في جهات العمل ومؤسسات الدولة، وهنا يجب التركيز على وجوب إصدار قانون يضمن حق الحصول على المعلومة ليترجم الوعي الدستوري المعبر عنه في مشروع الدستور الليبي 2017 حيث نص في المادة 46 منه على أن تضع الدولة التدابير اللازمة للشفافية وتضمن تلقي المعلومات ونقلها وتبادلها والاطلاع عليها، ومن الجدير أن نذكر بأن الشفافية تنصرف فيما يتعلق بالتشريعات لوضوحها وموضوعيتها واستقرارها ومرونتها وتطورها تبعًا لتغيرات الظروف المحيطة بها السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو التكنولوجية.

كما ندعو المشرع الجنائي إلى تضمين نصوصه العقابية نص يجرم اغتيال الشخصية، ويلزم المشرع الليبي إيجاد نظام لحماية الشهود والمبلغين عن الفساد، كما يلزمه تجريم الاعتداء عليهم ومواجهته بجزاء حقيق بجناية جسيمة سواء الاعتداء عليهم بأي وسيلة بما فيها التهديد والترهيب، والإعفاء من العقاب لمن تورط في الفساد ثم بلغ عنه، وكذلك توفير مكافآت لبعض الشهود.

ومن جهة أخرى يُفترض أن يكون العمل في مسارين متكاملين متلازمين: المعاملة الجزائية للفساد علاجية ووقائية؛ وذلك بوصفه وسيلة لمنع العنف الإرهابي ولمنع استمرار الانقسام المؤسسي. والبرنامج الإصلاحي لمؤسسات الدولة بعد توحيدها والقضاء على العنف وعلى مظاهر التسلح خارج إطار المؤسسة العسكرية يُعد عاملًا حاسمًا في القضاء على الفساد.

على المشرع الجنائي إجراء مفاضلة عملية فيما يتعلق بتدابير مواجهة الفساد بين اتخاذ جزاءات لعدم إفلات الجناة من العقاب تحقيقًا للردع الخاص والعام ولكنها مهدرة لفوائد مالية واقتصادية للدولة الليبية في مقابل الإجراء الجنائي العملي المفيد المتمثل في التصالح مع الجاني مقابل رد الأموال المنهوبة.

3.2 السياسات التنفيذية لمواجهة الفساد

بالإمكان تصور حزمة من السياسات التنفيذية المساعدة على مكافحة الفساد، مناطها إرادة سياسية تضع رؤية واستراتيجية بشأن مكافحة الفساد. ومن صورها؛

  • توحيد مؤسسات الدولة الليبية لا سيما السيادية والمالية
  • العمل على الإصلاح الماليداخل المؤسسات المالية والشركات يكون من خلال تفعيل دور الجمعيات العمومية ومجالس الإدارة والجهات والمكاتب الرقابية
  • تحسين السياسات الإدارية وتحديث الجهاز الإداري وزيادة دخول الموظفين، وتحقيق العدالة الاجتماعية
  • إعمال معايير الجودةوتقويم الأداء في مؤسسات الدولة
  • نشرالدولة التحويلات التي تقدمها الدولة والاعتمادات وإيرادات النفط من خلال المؤسسة الوطنية للنفط ونشر كل المعاملات التعاقدية الاستثمارية بشأن الإعمار والتعمير التابعة للدولة ولكل المنظمات التي تعمل لدعم مؤسسات الدولة “البلديات، الجامعات.. الخ”،
  • إصلاح الجمارك وتحسين نظام الضرائبومنح التقدير الشخصي لجابي الضرائب ومحاولة تبسيط إجراءاتها، وضبط التعاقدات والإفصاح عن الممتلكات.

وكل ما سبق من سياسات يجب أن يسري حتى على القطاع الخاص، ولعل رفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية واستبدال دعم نقدي به لمن يستحقه سيمثل سياسة فعالة في الحد من صور كثيرة للفساد.

وعلى المستوى الإداري لا بد من:

  • دراسة اللوائح والأنظمة والقرارات لإدخال التعديلات المناسبة عليها
  • تصميم الإجراءات الإدارية المبسطة والمنجزة لمعاملات المواطنين
  • إدخال الميكنة وصولًا للإدارات الإلكترونية
  • تعزيز النزاهة والأمانة والمسؤولية بين الموظفين العموميين
  • احترام الملاك الوظيفي في المؤسسات الإدارية
  • العمل على تطبيق مدونات أو معايير سلوكية من أجل الأداء الصحيح والمشرف والسليم للوظائف العمومية، ولها أن تسترشد في ذلك بالمدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميين المعتمدة منذ 1996
  • فرض الرقابة على كبار الموظفين والوزراء والبرلمانيين ومطالبتهم بتقارير دورية عن ممتلكاتهم وما تحت أيديهم من عُهد
  • تفعيل الأجهزة الرقابية الداخلية (مراجع “مراقب” داخلي) والخارجية (مفتش) على المؤسسات الإدارية والمالية
  • دراسة رواتب العاملين وأجورهم بالدولة وإجراء تعديلات لازمة على درجات الرواتب بما يتناسب مع مستويات المعيشة وظروف السوق من أجل تحقيق الحياة الكريمة للموظفين.
  • الجزاء الإيجابي من خلال الثواب والمكافأة للموظف النزيه تدعيمًا لفكرة التشجيع على النزاهة على المستوى الفردي والجمعي. وهذا الجزاء قد يكون على شكل حوافز أو باختياره الموظف المثالي في مسابقة دورية
  • وضع قيود على الهدايا وغيرها من المزايا.
  • تنظيم دورات تأهيلية للموظفين في كافة الجهات للتعريف بأهمية الشفافية وماهيتها والعمل على تطبيقها لتصبح أحد المبادئ الأساسية لنجاح العمل الإداري في مختلف المجالات تعزيزا للنزاهة.
  • التأكيد الدولي على اشتراط الشفافية والخضوع للمساءلة لتقديم أي خطط استراتيجية للدعم أو الشراكة مع الدولة الليبية يعزز سعي الدولة الليبية لتطبيقها.

3.3 السياسات الرقابية لمواجهة الفساد

لضمان تحقيق الضوابط المفروضة على السلطة السياسية يلزم إعادة هيكلة وتفعيل المؤسسات الرقابية والقضائية، كما يجب ضمان استقلاليتها وحرية قراراها من أنواع الإكراه المادي والمعنوي، مع ضرورة تطبيق الأحكام الإجرائية والموضوعية الخاصة بمكافحة غسل الأموال، ولعل في التركيز على كل من: هيئة مكافحة الفساد، والرقابة الإدارية، ديوان المحاسبة، لجان متابعة الهيئات الرقابية في المؤسسة التشريعية؛ من حيث الكادر البشري في هذه المؤسسات، بتأهيل الموجودين والحرص على اختيار الموظفين ذوي المؤهلات وذوي الكفاية العالية والأخلاق الكريمة، ومن الجيد أن تكون رواتبهم وحوافزهم مميزة سدا لذريعة الحاجة التي قد تفتح باب الارتشاء بصوره كافة. ومن المهم تأكيد ضرورة أن تُوضع لوائح مالية أو إدارية تنظيمية لهيئة مكافحة الفساد.

خلق آليات وتطويرها للإبلاغ عن الفساد ومنها خطوط ساخنة محمية لتلقي البلاغات بدون السؤال عن هوية المبلغ، على أن يعلن عنها بصورة واضحة للجمهور في وسائل الإعلام المختلفة.

تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وتمكينها من القيام بواجباتها انطلاقًا من شراكة حقيقية وفاعلة مع الجهات الحكومية، بحيث تتاح لها كافة المعلومات التي تعينها على النهوض بمسؤولياتها تحقيقًا للمصلحة العامة إدراكًا من الدولة لأهمية دورها الحيوي في ترسيخ مبدأ الشفافية من خلال ممارستها لمهامها الرقابية السابقة أو اللاحقة، وإشراكها في رسم السياسات وتنفيذ الخطط ووضع البرامج والفعاليات الرامية إلى مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاحات المالية والإدارية، وتدريبها على رصد حالات الفساد وكيفية التصدي المدني له. ولعل من العملي أن يُسمح لمؤسسات المجتمع المدني بأن تقدم شكوى وتكون صاحبة مصلحة في التبليغ عن الفساد تفعيلا لدورها في المتابعة بل يمكنها أن تتابع إجراءات وتدابير استرداد الأموال والعائدات الناجمة عن جرائم الفساد، ومن جهة أخرى يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تضطلع بدور مهم في نشر هذه الثقافة بين أوساط المجتمع اضطلاعًا فعالًا من خلال تصميم برامج خاصة لتوضيح مضامين الفساد؛ مظاهره ومخاطره وآثاره وكيفية الوقاية منه ومكافحته، كما يمكنها تصميم برامج خاصة لآليات تلقي التقارير والبلاغات والشكاوى المتعلقة بجرائم الفساد.

3.4 سياسات التعاون الدولي

من المبادرات الدولية التي تعين الدول على مكافحة الفساد: الاعتراف بحجية الأحكام والأوامر القضائية الصادرة من دول بينها اتفاقية تعاون قضائي أو وفقًا لقواعد المعاملة بالمثل، النص القانوني على التبادل الدولي للمعلومات بشأن جرائم الفساد، وتضمين المنظومة القانونية ما يسهل المساعدة القضائية بأنواعها المختلفة. ولعل أهمها الإنابة القضائية كآليات للتعاون الدولي، حيث يجب التركيز على مصادرة متحصلات الفساد التي تهرب عبر الحدود واستردادها، مما يتطلب التعاون الدولي الفعال. ومن المهم جدا تطوير مفهوم الولاية القضائية ذات المعيار الدولي ولا سيما مع تطور وسائل الاتصالات الحديثة وتعقدها كالإنترنت وآلية التحويلات المصرفية الفورية، بحيث يشمل جرائم الفساد الممنهج وبحيث لا تحدها حصانة مسؤولي الدول، مع ضرورة إعداد قاعدة بيانات مركزية على المستوى الإقليمي والدولي لرصد تمظهرات ظاهرة الفساد. ولعل من المفيد أن تقوم لجان مراجعة دولية أو مختلطة بمراجعة كل الأعمال والإجراءات الإدارية والمالية التي جرت في فترة الانقسام المؤسسي.

3.5 السياسات العامة في مواجهة الفساد

وحيث إن علة تجريم الفساد المصلحة العامة، التي من أهم تجلياتها: نزاهة الموظفين العموميين، فهذا يفصح عن أن العلاج لن يكون بالقانون الجنائي فقط بل يلزم رؤية شاملة لظاهرة الفساد:

  • تبدأ بمعالجة اختلالات المنظومة القيمية للمجتمع الليبي وخلق ثقافة أساسها الوضوح والإفصاح وحرية التعبير والمساءلة، وخلق بيئة أكثر تحديًا للفساد، لذلك كان من الضروري ترسيخ مبدأ الشفافية وتعزيزه بوصفه من أهم الوسائل لمكافحة الفساد، والوسيلة الناجحة لتطبيق هذا المبدأ هي التوعية والتثقيف عبر وسائل الإعلام وعبر المناهج الدراسية وكافة وسائل التثقيف المجتمعية. والشفافية ليست غاية بذاتها بقدر ما هي وسيلة تساعد على عملية المحاسبة والرقابة مما يحقق غاية النزاهة. الشفافية حق أصيل للمواطن تلتزم به الدولة تجاهه، وهي دلالة على رشد الحكم وديمقراطية الدولة.
  • ولعل من المهم أن نؤكد أن التعليم من سبل التنشئة الجديرة بتصحيح الانحراف في القيم الاجتماعية والفردية بحيث تعود الأمانة إحدى الفضائل السامية الجديرة بالتقدير والثناء وتعود العفة المادية والمعنوية ديدنا للأفراد والجماعات، ويحل على الفساد مقت عام واشمئزاز لدى الوسط الاجتماعي الليبي بحيث يقيم رذيلة تستوجب العار والذم، كما أن للتعليم دورًا في نشر الوعي بين المواطنين بحقوقهم الأصيلة في الخدمة مجانًا بدون الوقوع فريسة ابتزاز الموظفين والاضطرار إلى رشوتهم.
  • من المفيد تضمين خطب الجمعة وخطب المناسبات الدينية الدعوة إلى نزاهة العمل الإداري؛ لكونه وظيفة اجتماعية لخدمة المجتمع والحفاظ على المال العام، ويحبذ إصدار فتاوى دينية تحرم مظاهر الفساد بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى، وتفضح أساليبه وتنبه لآثاره المدمرة للدولة والمجتمع، وذلك بغية تقوية الوازع الديني لدى المواطنين آلية الحماية المتبقية في غياب الواعز القانوني.
  • وحين ندعو إلى أهمية وسائل الإعلام في كشف الفساد والفاسدين، فذلك لأن عمل الصحافة الاستقصائية خاصة والإعلام بصورة عامة إذا مورس بمهنية واحتراف واستند إلى وثائق مدعمة وبيانات وأدلة سيكون وسيلة رقابية وآلية ضغط، ولذلك يلزم أن تضمن الدولة الحرية والاستقلال لوسائل الإعلام وتضمن سلامة العاملين فيه من أنواع الإكراه المادي والمعنوي، مع وجوب توكيد ضرورة إلزام العاملين في السلطة الرابعة بميثاق أخلاقيات المهنة من خلال نقاباتهم المسؤولة عن مدى نزاهتهم وصدقيتهم.
  • وأخيرًا لا يفوتنا تأكيد أهمية المراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية، من حيث وجوب توجيه الدراسات والأعمال البحثية والنشاطات الأكاديمية لدراسة ظاهرة الفساد ولتقديم رؤية شاملة لمكافحته ووضع خطة استراتيجية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد لمواجهته وللوقاية منه.

***

جازية شعيتير ـ أستاذ القانون الجنائي بجامعة بنغازي

_________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *