تقرير بحثي لمبادرة الهجرة المختلطة

المقدمة
تعتبر بنغلاديش إحدى أهم دول المنشأ في المشهد العالمي للهجرة، حيث يسعى الملايين من مواطنيها للحصول على فرص في الخارج بوسائل نظامية وغير نظامية على حد سواء. لطالما كانت العمالة في الخارج سمة مميزة لمسار التنمية في بنغلاديش، حيث تدعم دخول الأسر والنمو الوطني من خلال التحويلات المالية.
اليوم، تظل دول مجلس التعاون الخليجي وجنوب شرق آسيا الوجهات الرئيسية للعمال المهاجرين البنغلاديشيين. ومع ذلك، شكلت كل من ليبيا وإيطاليا جزءًا من هذا المشهد الأوسع للهجرة لعقود من الزمن. في السنوات الأخيرة، احتل المواطنون البنغلاديشيون باستمرار مرتبة متقدمة بين الجنسيات الأكثر وصولاً بشكل غير نظامي إلى إيطاليا، ولا سيما عبر طريق البحر الأبيض المتوسط المركزي.
على الرغم من أن هذا الممر لا يزال صغيرًا مقارنة بقنوات هجرة العمالة القائمة إلى الخليج وماليزيا، إلا أنه أصبح طريقًا متزايد الظهور والتنظيم نحو أوروبا. وقد أتاح هذا الاتجاه ظهور نظام هجين للهجرة في ليبيا، حيث تتعايش آليات الدخول والإقامة النظامية مع حركة العبور غير النظامية لاحقًا.
في ظل هذا النظام، يتمكن المهاجرون من دخول ليبيا عبر قنوات شبه نظامية، لكنهم يعتمدون بعد ذلك على شبكات التهريب للوصول إلى إيطاليا. وفي الوقت نفسه، تصاعدت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في بنغلاديش، التي تتسم بارتفاع معدلات البطالة، وغلاء المعيشة، ومحدودية تنويع سوق العمل المحلي.
بالتوازي مع ذلك، أثر خيبة الأمل من مسارات الهجرة النظامية إلى الخليج وماليزيا، التي كثيرًا ما تتسم بالديون والاستغلال وتقييد الحركة، على جاذبيتها. وقد خلقت هذه الديناميكيات المتداخلة أرضًا خصبة للسماسرة والوسطاء للترويج لطريق ليبيا–إيطاليا كبديل عملي ومرغوب. يُنظر إلى إيطاليا كوجهة حيث يمكن للمهاجرين أن يطمحوا ليس فقط إلى فرص اقتصادية أفضل، بل أيضًا إلى إحساس أكبر بالكرامة والأمن طويل الأجل.
عززت قصص التوفيق عبر حملات العفو السابقة، ولم شمل الأسرة، والحراك الاجتماعي داخل الجالية البنغلاديشية الكبيرة في إيطاليا صورتها كبلد حيث يمكن للعمل الجاد أن يؤدي في النهاية إلى الاستقرار والانتماء. بالنسبة للعديد من المهاجرين الطموحين، تمثل إيطاليا هروبًا من الأنظمة الاستغلالية للهجرة إلى الخليج، رغم نظاميتها، وتجسد إمكانية كسب العيش والتحول معًا.
نظرًا للعدد المتزايد من المهاجرين البنغلاديشيين القادمين إلى إيطاليا عبر ليبيا، يسعى هذا التقرير إلى دراسة الآليات التي تقوم عليها هذه الحركة وسد فجوة كبيرة في الأدلة. على الرغم من وضوح هذا الممر، لا يُعرف سوى القليل عن كيفية وصول المهاجرين البنغلاديشيين إلى إيطاليا، أو عن الجهات الفاعلة والعمليات التي تسهل رحلاتهم.
لذلك، تستكشف هذه الدراسة الدوافع، وتخطيط الرحلة، وشبكات التسهيل، والترتيبات المالية، ومخاطر الحماية التي تشكل نظام الهجرة المتطور هذا. من خلال رسم خرائط لهذه الأبعاد المترابطة عبر سياقات المنشأ والعبور والمقصد، يساهم التقرير في فهم أكثر شمولية لواحد من أكثر ممرات الهجرة تعقيدًا وقلة استكشافًا والذي يربط جنوب آسيا بوسط البحر المتوسط.
الملامح الشخصية للمهاجرين
يكشف هذا البحث أن الهجرة البنغلاديشية إلى ليبيا وعبرها ليست ظاهرة واحدة موحدة، بل هي طيف من التجارب التي تشكلها مستويات مختلفة من القدرة على الفعل، والمعلومات، والتعرض للمخاطر. تتنوع مسارات المهاجرين وفقًا لمدى وعي قراراتهم، ودرجة الخداع الذي يواجهونه، والظروف التي يصادفونها على طول الطريق.
يمكن تتبع هذه المسارات المتنوعة عبر سلسلة متصلة من الهشاشة، تتراوح بين:
(أ) هجرة منخفضة المخاطر أو مخططة، حيث يسافر الأفراد إلى ليبيا عبر قنوات منظمة نسبيًا بوثائق سارية ونوايا واضحة للعمل هناك؛
(ب) هجرة متوسطة المخاطر أو قائمة على الخداع، حيث تدفع المعلومات المضللة والضغوط المالية المهاجرين إلى الوقوع في دائرة عدم الانتظام؛
(ج) وأخيرًا إلى تجارب عالية المخاطر أو قائمة على الاستغلال، حيث يتعرض الأفراد للاتجار والسخرة.
أ. هجرة منخفضة المخاطر
مهاجر عامل مخطّط له في ليبيا
تمثل هذه الفئة المجموعة الأقل هشاشة ضمن طيف الهجرة البنغلاديشية إلى ليبيا. يسافر هؤلاء المهاجرون من بنغلاديش بقصد العمل بشكل قانوني في ليبيا، غالبًا عبر قنوات عمل شبه نظامية أو نظامية، وبدون خطط للانتقال لاحقًا إلى أوروبا. تتميز رحلاتهم بأنها منظمة نسبيًا وأفضل تمويلًا، مما يعكس درجة أعلى من القدرة على الفعل واتخاذ القرارات المستنيرة مقارنة بالفئات الأخرى في هذه الدراسة.
تاريخيًا، مكّنت برامج تنقل العمالة بين حكومتي بنغلاديش وليبيا من التوظيف الرسمي ونشر العمال، موجّهة الوافدين بشكل أساسي إلى غرب ليبيا، حيث تتواجد الحكومة المعترف بها دوليًا وإدارتها للعمالة. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، دخل عدد متزايد من العمال البنغلاديشيين عبر شرق ليبيا، تجذبهم أنشطة إعادة الإعمار تحت إشراف الجيش الوطني الليبي، والتي ولّدت طلبًا على العمالة الأجنبية ونظامًا بديلاً للدخول.
وفقًا لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، في عام 2024، أفاد 11% فقط من المهاجرين البنغلاديشيين في ليبيا باستخدامهم ميسري هجرة للوصول إلى البلاد. وأفادت الغالبية بأنهم يحملون جوازات سفر وتصاريح عمل سارية، مما يشير إلى الدخول عبر قنوات نظامية نسبيًا. من بين العاملين، أفاد 87% بأن لديهم عقود عمل دائمة أو محددة المدة، وهي نسبة أعلى من المعدل العام لجميع المهاجرين في ليبيا (78%). تشير هذه النتائج إلى وجود مجموعتين متميزتين من البنغلاديشيين في ليبيا:
- مجموعة تهاجر للعمل وتبقى (تلتقطها إحصائيات مصفوفة تتبع النزوح)،
- ومجموعة أخرى تعبر ليبيا بهدف الانتقال غير النظامي إلى إيطاليا (على الأرجح لا تلتقطها المصفوفة).
بينما تواجه هذه المجموعة مخاطر أقل من غيرها في الطيف، من المهم إدراك أن خطر الاستغلال، وسرقة الأجور، والاختطاف، وسوء الظروف المعيشية لا تزال شائعة. ما يميز هذه الفئة ليس غياب الهشاشة، بل القدر النسبي من القدرة على التنبؤ والاستقرار في تجربة هجرتهم مقارنة بأولئك الذين يدخلون ليبيا بشكل غير نظامي أو يتعرضون للخداع على طول الطريق.
تميل رحلاتهم إلى أن تكون ذات تمويل ذاتي (من خلال مدخرات العائلة أو قروض متواضعة) ومعزولة إلى حد كبير عن شبكات التهريب عالية المخاطر التي تهيمن على ممر ليبيا–إيطاليا.
ومع ذلك، وكما توضح الفئات اللاحقة، حتى الهجرة المخططة والموثقة يمكن أن تتدهور تحت ضغوط البيئة الأمنية المتقلبة وفجوات الحوكمة في ليبيا. العديد من المهاجرين الذين دخلوا ليبيا في البداية عبر قنوات نظامية وجدوا أنفسهم عالقين في نهاية المطاف في دورات من الإساءة أو الابتزاز، مما دفعهم إلى المغادرة في نهاية المطاف. يتم استكشاف هذه التجارب بشكل أعمق في فئة “العائد / الهارب” التي تختتم هذا الطيف.
طامح إلى إيطاليا
تتكون هذه الفئة بشكل أساسي من الشباب الذين يسافرون من بنغلاديش إلى ليبيا بهدف صريح هو الوصول إلى إيطاليا. إنهم يمثلون الطرف الأكثر حركية ضمن فئة المخاطر المنخفضة: مهاجرون تتكشف رحلاتهم إلى حد كبير وفقًا للخطة، حتى داخل بيئة شديدة التقلب والخطورة بطبيعتها.
منذ عام 2022، دخل معظمهم عبر شرق ليبيا، مستفيدين من نظام الدخول والتأشيرات المفتوح نسبيًا الذي ظهر تحت إشراف الجيش الوطني الليبي، كما هو مفصل في الأقسام اللاحقة.
في مسح مراقبة التدفقات لسنة 2024 الذي أجرته مصفوفة تتبع النزوح (الفرع الأوروبي)، تمت مقابلة المستجيبين البنغلاديشيين بشكل أساسي في إيطاليا، مما يعكس وجودهم القوي بين الوافدين على طريق وسط البحر المتوسط وطريق غرب البلقان–إيطاليا.
يُظهر الملف الخاص ببنغلاديش نمطًا ديموغرافيًا ثابتًا للغاية: جميع المستجيبين كانوا من الرجال، وكان ما يقرب من ثلاثة أرباعهم تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا. أفاد العديد منهم بأن لديهم تعليم ثانوي أدنى وعمل سابق قبل المغادرة، حيث عمل معظمهم في قطاعات مثل الزراعة والبناء. هيمنت الدوافع الاقتصادية على قرارات هجرتهم، حيث ذكرها حوالي ثلاثة أرباع المستجيبين البنغلاديشيين (76-78%).
يؤكد تركيز المقابلات مع البنغلاديشيين في إيطاليا، إلى جانب ملامح من تمت مقابلتهم هناك، على الدور المركزي لإيطاليا كنقطة وصول رئيسية ووجهة نهائية بين المهاجرين البنغلاديشيين الذين شملهم مسح مراقبة التدفقات لعام 2024.
تعزز المقابلات التي أجريت لهذه الدراسة هذه الأنماط وتظهر أن الأغلبية جاءت من هياكل أسرية متماسكة حيث كانت قرارات الهجرة جماعية. كان الآباء أو الأقارب الذكور الأكبر سنًا هم من يتفاوضون عادةً مع السماسرة ويمولون الرحلة. وبالتالي، لم تكن الهجرة عملاً فرديًا من المجازفة بل مشروعًا عائليًا لتأمين الاستقرار طويل الأجل.
على عكس الهجرة إلى الخليج، التي هي مؤقتة ودورية، يُنظر إلى التحرك نحو أوروبا على أنه دائم. هؤلاء المهاجرون بشكل عام متعلمون بما يكفي ليطمحوا إلى فرص أفضل في الخارج لكنهم يفتقرون إلى المؤهلات اللازمة للوصول إلى قنوات الهجرة النظامية.
في حين تعتبر رحلاتهم الأكثر سلاسة ضمن هذا الطيف، إلا أنها بعيدة كل البعد عن كونها خالية من المخاطر. حتى أولئك الذين يتحركون بسرعة عبر ليبيا يجب عليهم اجتياز مناطق تسيطر عليها مجموعات مسلحة، ونقاط تفتيش متكررة، وابتزاز واسع النطاق.
عبورهم من شرق ليبيا إلى غربها يعرضهم لنفس شبكات الإكراه وابتزاز الأموال التي تحبس الآخرين لفترات أطول بكثير. تظل عمليات عبورهم إلى إيطاليا، والتي تكون عادةً بحرًا من الساحل الغربي، شديدة الخطورة.
ومع ذلك، مقارنة بالفئات الأخرى، فإنهم يواجهون اضطرابات غير متوقعة أقل واحتمالية وصول أعلى. بهذا المعنى، يجسد “الطامح إلى إيطاليا” التكرار الأكثر “نجاحًا” لنظام شديد المخاطر، حيث يؤدي الحظ النسبي والتوقيت والعلاقات إلى تقليل المخاطر على طول الطريق، دون القضاء عليها أبدًا.
ب. متوسط المخاطر
الرحلة القائمة على الخداع
تقع هذه الفئة في منتصف طيف الهشاشة، وتمثل المهاجرين الذين انطلقوا بنوايا مماثلة لنظرائهم الأقل تعرضًا للمخاطر، لكن ظروفهم تدهورت بسبب المعلومات المضللة، أو الضغوط المالية غير المتوقعة، أو تغير الظروف على طول الطريق. غالبًا ما يغادر هؤلاء الأفراد بنغلاديش مع خطط للعمل في ليبيا أو العبور عبرها، لكنهم يجدون أنفسهم عالقين في دوامات من عدم اليقين والاستغلال.
يتمثل الفارق الرئيسي بين هذه الفئة والفئة “منخفضة المخاطر” في درجة السيطرة على مسار الرحلة. بينما يحتفظ المهاجرون المخطط لهم بقدر من الاستقلالية ويظلون قريبين من مساراتهم المقصودة نسبيًا، يواجه أفراد فئة “الرحلة القائمة على الخداع” انقطاعات مفاجئة: وعود عمل تتبخر عند الوصول، أو رسوم غير متوقعة يفرضها السماسرة أو الميليشيات، أو فترات احتجاز تطيل وجودهم في ليبيا بشكل كبير.
في بعض الحالات، يتم تضليل المهاجرين عمدًا من قبل السماسرة في بنغلاديش الذين يبالغون في فرص العمل في ليبيا أو يخفون المخاطر المرتبطة بالعبور إلى إيطاليا.
وفي حالات أخرى، تنشأ الطبيعة المتوسطة المخاطر للرحلة من نقص المعلومات بدلاً من الخداع الصريح – حيث يسافر الأفراد بناءً على معرفة غير كاملة بما سيواجهونه. عند الوصول إلى ليبيا، قد يجد هؤلاء المهاجرون أنفسهم عالقين في وظائف منخفضة الأجر، أو ظروف معيشية قاسية، أو غير قادرين على تحقيق الدخل الكافي لتمويل المرحلة التالية من رحلتهم.
يمكن أن تستمر فترات العبور لشهور أو حتى سنوات، حيث يصبح المهاجرون عالقين في حالة من الانتظار، وغالبًا ما يتراكم عليهم الديون لأسرهم أو للمقرضين في الوطن. خلال هذه الفترة، يتعرضون لدرجات متفاوتة من الاستغلال في سوق العمل غير الرسمي في ليبيا، حيث يعملون في قطاعات مثل البناء أو الزراعة بأجور متدنية ودون أي حماية قانونية.
تتميز هذه الفئة أيضًا بعلاقة أكثر تعقيدًا مع وسطاء التهريب. بينما يتفاوطون في البداية مع السماسرة في بنغلاديش، يصبحون معتمدين بشكل متزايد على شبكة من الوسطاء والمهربين وأصحاب الملاذات الآمنة في ليبيا الذين يتحكمون في الوصول إلى الساحل والمراكب المتجهة إلى إيطاليا.
هذه العلاقة قائمة على الاستغلال بطبيعتها، حيث يتم فرض أسعار باهظة مقابل خدمات ذات جودة غير مضمونة، ويكون المهاجرون عرضة للابتزاز في كل نقطة تفتيش ومرحلة عبور. ما يميز هذه الفئة عن الفئة “عالية المخاطر” هو أن الاستغلال، رغم كونه منهجيًا، نادرًا ما يرقى إلى مستوى الاتجار المباشر أو الاحتجاز لفترات طويلة في مراكز الاحتجاز الرسمية.
ومع ذلك، فإن التراكم البطيء للديون والإجهاد البدني والصدمات النفسية يجعل هذه الفئة هشة بشكل خاص، وغالبًا ما يصل أفرادها إلى إيطاليا وقد استنفدوا مواردهم المالية والجسدية والنفسية.
_____________