تأليف: د. علي العيساوي

منذ فترة والنقاش يجري في بلدنا الحبيب، حول العديد من القضايا و كثير ا ما يتصاعد النقاش والجدل إلى حد الانقسام، وكان من أهم هذه المواضيع قضا التهميش والمركزية، والحقوق الاقتصادية لليبيين في مناطقهم المختلفة، وهو ما أفضى إلى ظهور الدعوة إلى النظام الفيدرالي الذي كان سائد ا خلال فترة المملكة في بداية الاستقلال، والذي تعمل به كثير من الدول، وقد أدى هذا الجدل والاختلاف بالمجلس الانتقالي إلى تعديل الإعلان الدستوري بتشكيل لجنة صياغة الدستور على غرار لجنة الستين التي ش كلت في عهد المملكة بعشرين عضو ا من الغرب وعشرين عضو ا من الشرق وعشرين عضو ا من الجنوب، وذلك لحل الخلاف إلا أن الجدل حول الحقوق الاقتصادية واللامركزية لم ينته.

للإطلاع على الكتاب

وفي نقاشي مع الكثير من الأخوة حول الموضوع كنت دائم ا أقول: بأن هذه المواضيع ينبغي ألا تتحول إلى مواد للخلاف والانقسام لسبب بسيط، وهو أن هذه المواضيع يمكن دسترتها في الدستور بالطريقة التي يقبلها الليبيون، وتشكل لهم ضمانة دستورية لحقوقهم كما حدث في دول كثيرة أخرى. فليبيا ليست بدع ا من الدول فما تمر به قد مرت به دول أخرى، بل وأن مشاكل هذه الدول كانت أكبر وأعقد من ليبيا بكثير.

فالهند مثلا بها أعراق وديانات ولغات لا حصر لها، ناهيك عن الاتجاهات الفكرية والإيديولوجية و كذلك ماليزيا، وقد استطاعت هذه الدول تجاوز مشاكلها العويصة وانطلقت إلى الأمام وحققت نجاحات تنموية معتبرة دوليا ، هذا ناهيك عن الدول الأخرى المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية، وسويسرا التي تتمتع فيها ولاياتها ومقاطعاتها باستقلال شبه كامل في جميع الأمور المحلية تقريبا ، إلا أنها استطاعت أن تتوافق معا على نظام دستوري تنطلق به للأمام.

من هنا اقترح على العديد من الإخوة أن أصيغ مقترحا عله يساهم في حل موضوع الحكم المحلي ويضمن الحقوق لليبيين في الموارد الطبيعية والتنمية، انطلاقا من تجارب الدول وخاصة الهند بحكم عملي فيها، وقد وجدت أن الفكرة مناسبة لعلي أساهم في التوفيق والإصلاح بين الناس، فكما قال – تعالى  -:}لَا خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ  نَجْوَاهُمْ إِلَا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلَاح بَيْنَ النَاسِ ) {…النساء  (114: خاصة وإنه الآن لا تجد في الشأن الليبي إلا مسعر حرب ، أو موقظ فتنة ، أو بطانات سوء ، لا تدل على خير إلا – ما رحم ربي – وقليل ما هم وللأسف.

وعليه فقد باشر ت بالموضوع في ضيق من الوقت وعجلة من أمري، مخافة أن يفوت الآوان ويصبح العمل لا قيمة له، فليبيا الآن تحتاج إلى مشاريع عمل، أحدها هو مشروع الحكم المحلي، وليس إلى استقطابات ومناكفات لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد قسمت العمل إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: يتناول تجارب الدول الأربع )الهند وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا(، ويتناول أنظمة الحكم في هذه البلدان، فلا يمكن فهم الحكم المحلي دون التطرق إلى نظام الحكم للبلد ككل ومستوياته، ومن ثم يتناول السلطات التنفيذية والتشريعية واختصاصاتها بشكل أكثر تفصيلا من السلطة القضائية، وتقسيم السلطات والصلاحيات المالية بين السلطات المحلية والمركزية التي تعتبر العمود الفقري لنجاح الحكم المحلي.

المبحث الثاني: يتناول بالتحليل تجارب هذه الدول وما تتمايز به بينها، وأبرز الجوانب التي اختصت بها كل دولة في موضوع الحكم المحلي، والتفاوت بينها في قوة السلطات المحلية ومدى استقلالها.

المبحث الثالث: فيتناول دسترة الحكم المحلي في ليبيا، حيث يتناول نبذة تاريخية عن تطور الهيكل المحلي منذ عام 1969 م، ثم بعد ذلك يتناول نظام اللامركزية الدستورية المقترح لليبيا، والجدير بالذكر أننا لم نقم بالتوسع في التنظير للنموذج المقترح ضمن المبحث الثالث، مفترضين أن في قراءة ما سبقه من مباحث ما يفي بالغرض، وهذا يجعل قراءة كل المباحث مهمة لفهم الجزء الأخير منه، وهو المبحث الثالث، ويختم المبحث بالنصوص الدستورية المقترحة لموضوع الحكم المحلي مرفقة بقوائم اختصاصات الحكومة المركزية، واختصاصات الحكم المحلي والاختصاصات المشتركة بينهما، وهي قوائم عادة ما ترفق بالدستور للفصل بين الاختصاصات المحلية والمركزية، وتحديد المشترك منها.

وهنا يجدر بالذكر أننا لا ندعي أن هذه القوائم كاملة ونهائية، فهي تحتاج إلى مراجعة وكتابة بشكل دقيق عند التطبيق العملي وصياغة الدستور، وإنما هي استرشادية استقيت من النموذجين الهندي والماليزي اللذين يتبعان نظام القوائم للفصل بين الاختصاصات، ويتضمن هذا المبحث أيضا على تصور مهم حول آلية تنسيق وتنفيذ التنمية بين المركز والسلطات المحلية، لضمان عدم الازدواج والتعارض بين السياسات المحلية والمركزية.

وهذا العمل هو محاولة متواضعة، للمشاركة في تقديم حل مقبول لموضوع الحكم المحلي في ليبيا، ونتمنى من لجنة الدستور أن تأخذه بعين الاعتبار، وهو عرضة للنقاش والتعديل والرفض والقبول من الليبيين واللجنة، ولا ندعي له الكمال شأنه كشأن أي عمل بشري يعتريه النقص والتقصير، كما يقول البيت:

  لكل شيء إذا ما تم نقصان    فلاَ يغر بطيب العيش إنسان

خاصة وإنه أ عد على عجل، وهنا يحضرني أيضا قول عماد الدين الأصفهاني :

إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن ، ولو زيد كذا لكان ي ستحسن، و لو ق د م هذا لكان أفضل، و لو تُرك هذا لكان أجمل، و هذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر “.

وهنا لا يفوتنا أن نشكر كل من ساعدنا في هذا العمل، حيث )من لا يشكر الناس لا يشكر الله ( وأول من أتقدم إليهم بالشكر بعد الله – تعالى – أسرتي التي اقتطعت وقتا ثمينا من حقها لأتم هذا العمل، وأشكر كذلك صديقي الهندي المحامي.

كورانا وابنته المحامية سانجنا، وكذلك المحامية يوليا، والمحامية سادنا، وأيضا د. سيف المختص بالقانون الدستوري على النقاشات واللقاءات المثمرة معهم، والمواد التي زودوني بها بالأخص عن الهند، كما أشكر كلا من: د. أنور الفيتوري سفيرنا الحالي في ماليزيا، على المواد التي زودني بها عن الدستور الماليزي، هو والدكتور أبوبكر المنصوري سفيرنا السابق في ماليزيا، الذي زودني بتعليقات مهمة عن الحكم المحلي هناك، وكذلك أشكر الدكتور علي أبوسدرة على تعليقاته المهمة بشان الحكم المحلى، وزميلي جلال الهادي بيرام على المساعدة القيمة، التي قدمها لي خلال إعداد هذا العمل.

______________

للإطلاع على الكتاب

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *