قال الكاتب والمحلل السياسي الليبي أسامة كعبار إن مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع تركيا تمثل مكسبا استراتيجيا لأنقرة، لكنها تضع ليبيا أمام ضغوط دولية وتجاذبات إقليمية في ظل الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية.

ورأى أن الاتفاق، الذي وقع في ظروف استثنائية خلال الهجوم على العاصمة طرابلس عام 2019، لم يكن نتاج استراتيجية وطنية ليبية مستقلة، بل جاء في سياق مقايضة ارتبطت بالدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق الوطني آنذاك.

وفي مقابلة مع «عربي21»، اعتبر كعبار أن التحركات التركية في شرق ليبيا تعكس اتساع نفوذ أنقرة، مشيرا إلى أن مصادقة البرلمان على الاتفاق تزامنت مع تنافس إقليمي ودولي على الطاقة والممرات التجارية في شرق المتوسط.

وانتقد الموقف المصري من الاتفاق، ورأى أن الإمارات باتت صاحبة النفوذ الأبرز في شرق ليبيا، فيما حذر من أن تحول ليبيا إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية يهدد استقلال قرارها السيادي ويؤجل استفادتها من الموارد البحرية المحتملة.

وتوقع كعبار ألا تشهد المرحلة المقبلة خطوات استكشافية واسعة لتنفيذ الاتفاق، مرجحا أن تركز تركيا على تثبيت موقفها السياسي والقانوني في البحر المتوسط، فيما قد تنتظر ليبيا سنوات طويلة قبل تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة.

مكسب محتمل لليبيا

يرى كعبار أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا يحمل جوانب اقتصادية إيجابية لطرابلس، من خلال توسيع نطاق مياهها الاقتصادية وإضافة مساحات بحرية واسعة قد تحتوي على موارد وثروات، لكنه حذر من أن هذه المكاسب المحتملة تأتي في ظل ضغوط دولية وتوترات أمنية قد تدفع البلاد إلى مواجهات إقليمية لا تتحمل تبعاتها.

وأضاف كعبار، أن ليبيا دخلت مسار الاتفاق في ظروف سياسية وأمنية قاهرة، ولم يكن نتيجة خيار استراتيجي مدروس نابع من إرادة وطنية مستقلة. وأشار إلى أن الاتفاق وُقّع في أثناء الهجوم العسكري الذي شنه خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، عندما سعت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج إلى الاستعانة بقوى خارجية لوقف الهجوم الذي شاركت فيه أطراف أجنبية، بينها مجموعة فاغنر الروسية وقوات سودانية.

واعتبر أن الاتفاق جاء في إطار مقايضة بين تركيا وحكومة الوفاق، إذ قدمت أنقرة الدعم العسكري لمنع سقوط العاصمة طرابلس، مقابل توقيع اتفاق يمثل، وفق تقديره، نصرا استراتيجيا كبيرا لتركيا وحاجة حيوية لمصالحها الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.

وشدد كعبار على أن توسيع المساحات البحرية لا يعني بالضرورة قدرة ليبيا على الاستفادة الفعلية منها، لافتا إلى أن الموارد المحتملة لا تحقق عائدا ما لم تتوافر الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية اللازمة لاستثمارها.

وحذر من أن الاتفاق يضع ليبيا في قلب خلافات إقليمية ودولية تشمل تركيا واليونان والاحتلال الإسرائيلي والاتحاد الأوروبي، الذي أعلن معارضته لمصادقة مجلس النواب الليبي عليه، ما يضيف أعباء جديدة على دولة تعاني الانقسام وضعف المؤسسات.

انفتاح تركيا على شرق ليبيا

وفي قراءته للتحركات التركية الأخيرة في شرق ليبيا، دعا كعبار إلى التمييز بين الوضع القانوني لمجلس النواب الليبي والحكومة الموازية الموجودة في الشرق، موضحا أن البرلمان جسم تشريعي معترف به، بينما لا تحظى الحكومة الموازية بالاعتراف الدولي.

ولفت إلى أن الجهة التي صادقت على الاتفاق هي مجلس النواب، معتبرا أن ذلك يختلف قانونيا عن مسألة الاعتراف بالحكومة الموجودة في الشرق.

لكنه أقر بأن البرلمان يخضع لنفوذ خليفة حفتر، كما تعمل الحكومة الموازية تحت وصايته، مؤكدا ضرورة التمييز بين المؤسستين عند تقييم الوضع الدستوري والسياسي في البلاد.

وفي الوقت نفسه، رأى كعبار أن التدخل التركي عام 2020 ساهم في وقف المعارك المفتوحة والمواجهات الكبرى في ليبيا، معتبرا أن التوازن الذي فرضته أنقرة حدّ من احتمالات اجتياح المدن واستمرار الحرب الواسعة.

وأشار إلى أن الصراعات والخروقات بين الفصائل المسلحة لم تختف، لكنها لم تعد إلى مستوى المواجهات الكبرى التي هددت مناطق واسعة من البلاد. وأضاف أن ترسيخ خط سرت ـ الجفرة ساهم في تراجع المعارك المباشرة، ودفع أطرافا من الشرق والغرب إلى التواصل، بما في ذلك بعض القيادات والتشكيلات المسلحة.

ومع إقراره بما وصفه بالدور التركي في فرض التهدئة، أعرب كعبار عن قلقه من البعد الاستخباراتي للتحركات التركية، قائلا إن النشاط التركي لا يقتصر على الدبلوماسية التقليدية، بل يتضمن، وفق تقديره، تحركات استخباراتية دقيقة.

واستشهد بوجود رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين في شرق ليبيا بالتزامن مع مصادقة مجلس النواب على الاتفاق، معتبرا أن ذلك يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها أنقرة للملف الليبي.

وحذر من أن ليبيا باتت ساحة تتحرك فيها أجهزة استخبارات دولية، فيما أصبح قرارها السيادي رهينا بتوازنات خارجية. وأكد أن تحرك تركيا وفق مصالحها الوطنية أمر مشروع، لكنه انتقد غياب رؤية استراتيجية مماثلة لدى القيادة السياسية الليبية.

وقال إن القيادات الليبية تتعامل مع الأطراف الخارجية، في كثير من الأحيان، انطلاقا من حسابات النفوذ والمكاسب الشخصية والفئوية، بدلا من مصلحة وطنية عليا، مشيرا إلى أن البلاد لم تضع حتى الآن استراتيجية واضحة للتفاوض مع القوى الإقليمية والدولية على أساس التكافؤ وحماية المصالح الوطنية.

وخلص إلى أن ليبيا تحولت، وفق توصيفه، من طرف قادر على صياغة قراراته إلى ساحة تتأثر خياراتها بإرادات الآخرين.

كعبار ينتقد الموقف المصري

وانتقد كعبار اعتراض القاهرة على مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري، رغم تحسن العلاقات المصرية التركية ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.

وقال إن الموقف المصري يثير الاستغراب بالنظر إلى الوزن الجغرافي والسياسي والاقتصادي لمصر، معتبرا أن القاهرة كان بإمكانها التعامل مع الاتفاق من زاوية مصالحها الإقليمية، بدلا من الدخول في مواجهة سياسية مع تركيا بشأنه.

ورأى أن الخطاب الذي يتحدث عن وصول العلاقات المصرية التركية إلى مستويات متقدمة لا يعكس حقيقة التباينات القائمة على الأرض، وفق تقديره، مضيفا أن المواقف العملية تكشف عن استمرار خطوات مصرية تتعارض مع مصالح أنقرة، ولا تخدم، في رأيه، المصالح الوطنية المصرية أيضا.

واعتبر أن الموقف المصري يتقاطع مع توجهات إسرائيل واليونان الرامية إلى الحد من النفوذ التركي في البحر المتوسط، مشيرا إلى أن الخلاف يتجاوز حدود الاتفاق البحري، ليشمل التنافس على النفوذ والممرات البحرية والطاقة.

وأوضح أن تركيا تسعى إلى توسيع هامش حركتها الجغرافية والبحرية وتعزيز ما يعرف بعقيدة «الوطن الأزرق»، التي تعكس تصور أنقرة لمصالحها البحرية في البحر المتوسط ومناطق أخرى.

وفي المقابل، رأى كعبار أن الاعتراض المصري لا يستند، وفق قراءته، إلى اعتراض جوهري على الاتفاق من منظور القانون الدولي بقدر ما يرتبط بحسابات المنافسة الإقليمية. واعتبر أن مصر كان بإمكانها أداء دور أكبر في احتواء الخلافات وتعزيز الاستقرار، بدلا من الاصطفاف في مسار يزيد التوتر بين الأطراف.

الإمارات صاحبة النفوذ  بشرق ليبيا

وفي ما يتعلق بمستقبل العلاقات المصرية مع معسكر حفتر، استبعد كعبار أن يؤدي الخلاف بشأن الاتفاق إلى تراجع جوهري في تلك العلاقات، لكنه قال إن مصر ليست الطرف الأكثر نفوذا في شرق ليبيا، معتبرا أن الإمارات تؤدي الدور الأبرز هناك.

وأشار إلى ما وصفه بتقاطع المصالح الإماراتية والإسرائيلية في عدد من الملفات الإقليمية، لافتا إلى لقاءات واجتماعات في الإمارات شارك فيها صدام حفتر، وضمت مسؤولين وشخصيات إسرائيلية، وفق ما ذكره.

ورأى أن قدرة القاهرة على ممارسة ضغط حاسم على خليفة حفتر أو نجله صدام، الذي بات يؤدي دورا متزايدا في المشهد السياسي والعسكري بشرق ليبيا، أصبحت محدودة مقارنة بما كانت عليه سابقا.

واعتبر أن مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق مع تركيا تمثل نجاحا مهما لأنقرة في توسيع نفوذها داخل منطقة كانت تعد تقليديا أقرب إلى القاهرة، وشهدت في السابق خطابا معاديا لتركيا وصل إلى وصف وجودها بأنه امتداد للاستعمار العثماني.

لكنه أشار إلى أن هذا التحول لا يعني انتهاء نفوذ الأطراف الأخرى، بل يكشف عن تعقيد المشهد الليبي وتعدد مراكز التأثير فيه.

التنافس التركي الإسرائيلي يتجاوز الحدود البحرية

وربط كعبار الاعتراض الإسرائيلي على الاتفاق بالتنافس على النفوذ والطاقة والممرات التجارية في شرق المتوسط، معتبرا أن أي دعم إسرائيلي محتمل لليونان وقبرص في هذا السياق سيكون موجها أساسا ضد تركيا، التي وصفها بأنها الطرف الأكثر تأثيرا في الاتفاق ومساعي إعادة رسم خرائط المناطق الاقتصادية البحرية.

وقال إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى ترسيخ موقعه كمركزا للطاقة يربط موارد الخليج بالأسواق الأوروبية، مشيرا إلى مشروعات لنقل الغاز عبر شرق المتوسط، من بينها مشروع «إيست ميد» الذي يقوم على مسارات بحرية تمر عبر قبرص واليونان باتجاه أوروبا.

وفي المقابل، أوضح أن تركيا تعمل على تعزيز موقعها ممرا رئيسيا للطاقة والتجارة، عبر شبكات برية وبحرية تربطها بأذربيجان وإيران والصين وباكستان، بما يتيح لها الاندماج في مسارات تجارية أوسع، من بينها مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.

ولفت إلى وجود مشروعات أخرى للممرات التجارية، بينها المشروع الذي تدعمه الولايات المتحدة لربط الهند بالإمارات والأردن وإسرائيل وصولا إلى الموانئ الأوروبية، معتبرا أن هذه المبادرات تعكس تنافسا يتجاوز الحدود البحرية ليشمل طرق التجارة والطاقة ومواقع النفوذ الاستراتيجي.

ورأى أن اليونان تحاول توظيف مؤسسات الاتحاد الأوروبي للضغط على الاتفاق التركي الليبي، فيما اعتبر أن مصر تصطف ضمن محور إقليمي معارض لتوسع النفوذ التركي.

وحذر من أن ليبيا، المنقسمة سياسيا واقتصاديا، وجدت نفسها في قلب هذه التنافسات من دون امتلاك القدرة الكافية على التأثير في مسارها، لتتحمل تبعات الضغوط الخارجية بدلا من توظيف موقعها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية لتحقيق مكاسب مستقلة.

ليبيا بين التحالفات الإقليمية والتفاهمات الغامضة

وفي معرض مقارنته بين الملفين الليبي والسوري وتعاطي أنقرة وتل أبيب معهم٬ أبدى كعبار تحفظا على التشبيه المباشر بينهما، موضحا أن الصراع في سوريا يرتبط بدرجة كبيرة باعتبارات الأمن والحدود التركية، بينما يتصل الصراع في ليبيا وجنوب المتوسط، بصورة أوضح، بالتنافس الجيوسياسي على الطاقة ومساراتها والممرات التجارية.

وتحدث عن خرائط جيوسياسية متداولة قال إنها أثارت تساؤلات بشأن تصورات التحالفات ومناطق النفوذ في الشرق الأوسط، مشيرا إلى تصنيف مناطق نفوذ حفتر في شرق ليبيا ضمن مناطق صديقة لإسرائيل والإمارات، وفق قراءته لهذه الخرائط.

واعتبر أن مصادقة مجلس النواب الموجود في الشرق على اتفاق مع تركيا، بالتزامن مع هذا التصنيف، تطرح تساؤلات بشأن طبيعة العلاقات والتفاهمات التي تربط الأطراف المعنية.

وقال إن هذه المفارقة قد تعكس تعقيد التفاهمات السياسية والأمنية التي تجري خلف الأبواب المغلقة، لكنه لم يقدم أدلة تفصيلية تثبت طبيعة تلك التفاهمات أو مداها.

كما تطرق إلى اعتراض قوافل إغاثة شعبية كانت متجهة إلى غزة في شرق ليبيا ومنعها من العبور نحو مصر، معتبرا أن مثل هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن الامتدادات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية في المنطقة، ومدى ارتباطها بشبكة التحالفات القائمة.

ورأى أن الأمن القومي المصري يواجه تحديات على جبهات متعددة، تشمل سيناء وغزة شرقا، والوضع الليبي غربا، والأزمة السودانية جنوبا، إلى جانب تنامي العلاقات الإسرائيلية مع قبرص واليونان شمالا.

وأضاف أن التحالفات الإقليمية المتنامية تفرض تحديات على تركيا ودول عربية في الوقت نفسه، في ظل حالة الانقسام والصراعات الداخلية التي تشهدها المنطقة.

وأشار كذلك إلى تطورات جنوب اليمن، معتبرا أن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي تتقاطع مع التوجهات الإماراتية والإسرائيلية، وأن التقارب الأمني بين إسرائيل وقبرص واليونان، بما في ذلك التقارير المتعلقة بمنظومات الدفاع الجوي، يعكس مستوى متقدما من التعاون بين هذه الأطراف.

وحذر من أن تنامي نفوذ القوى الإقليمية في ساحات متعددة، بالتزامن مع الانقسامات العربية، يزيد هشاشة الوضع الإقليمي ويرفع مخاطر تحول الخلافات المحلية إلى أزمات أوسع تتداخل فيها المصالح الخارجية.

تنفيذ الاتفاق مؤجل

وفي تقييمه لمستقبل الاتفاق البحري، توقع كعبار ألا تشهد المرحلة القريبة خطوات استكشافية واسعة أو تنفيذا عمليا شاملا، مرجحا أن تركز تركيا على ترسيخ موقفها السياسي والقانوني في البحر المتوسط وتثبيت ما تعتبره حقوقا ومصالح بحرية في المحافل الدولية.

وقال إن أنقرة تسعى إلى تكريس سياسة الأمر الواقع، بحيث يصبح نطاقها البحري الذي تدافع عنه جزءا من التصورات المتداولة بشأن التوازنات القانونية والسياسية في المنطقة، ويغدو التعامل معه مستقبلا أكثر قبولا.

واستبعد أن تتجه تركيا في المرحلة الحالية إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الاتحاد الأوروبي أو إسرائيل، مشيرا إلى أنها قد تفضل تثبيت موقفها السياسي والقانوني قبل الانتقال إلى خطوات ميدانية يمكن أن تفتح باب التصعيد.

أما ليبيا، فرجح كعبار ألا تحقق استفادة عملية ملموسة من الاتفاق خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، معتبرا أن المرحلة الحالية ستظل مرتبطة بمعركة طويلة لتثبيت المواقف السياسية والقانونية، بينما تبقى المكاسب الاقتصادية رهنا بقدرة البلاد على تجاوز انقسامها الداخلي وتوفير الظروف الأمنية والسياسية اللازمة لاستثمار مواردها البحرية.

__________________

مقالات مشابهة