
في الوجهة الإماراتية، كشفت وثائق عقوبات أمريكية عن شركات مرتبطة بتجارة الذهب السوداني وتمويل مليشيا الدعم السريع.
ففي 7 يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على حميدتي وشركات وأفراد مرتبطين بشبكات تمويل مليشياته، في مقدمتهم أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، رجل الأعمال السوداني مالك ومدير مجموعة “كابيتال تاب القابضة”، وهي شركة مقرها الإمارات قالت الوزارة إنها قدمت أموالًا ومعدات عسكرية للدعم السريع.
تضمنت العقوبات شركة “الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات”، المعروفة باسم “AZ Gold”، وهي شركة إماراتية يديرها أبو ذر، قالت الخزانة الأمريكية إنها اشترت ذهبًا من السودان ونقلته إلى دبي، ورجحت أن عمليات الشراء كانت لمصلحة الدعم السريع.
وكشفت الوزارة أن القوني حمدان دقلو، شقيق حميدتي والمسؤول عن مشتريات القوات، كان قادرًا على الوصول إلى حساب الشركة المصرفي في الإمارات، الذي احتوى على ملايين الدولارات.
وشملت الشبكة شركة “الجيل القادم للتجارة العامة”، التي يشارك أبو ذر في ملكيتها وإدارتها، وكان عبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق حميدتي ونائب قائد الدعم السريع، مساهمًا أقلية فيها سابقًا.
وامتلكت الشركة حصة في مؤسسة “الخليج” المالية، التي كانت خاضعة لسيطرة المليشيا واستخدمتها في تمويل عملياتها، وفق الخزانة الأمريكية. وترتبط هذه الشبكات ببنية اقتصادية أقدم أنشأتها عائلة دقلو حول مجموعة “الجنيد” العاملة في تعدين الذهب ومعالجة مخلفاته.
وبحسب دراسة تشاتام هاوس، توصل حميدتي خلال المرحلة الانتقالية بين عامي 2019 و2021 إلى اتفاق مع الحكومة المدنية للتنازل عن حقوق امتياز المجموعة في جبل عامر، مقابل مدفوعات حكومية بلغت 250 مليون دولار وإعفاءات من رسوم وضرائب مرتبطة بعمليات أخرى، ما أتاح للمجموعة توسيع أنشطتها في قطاع الذهب.
وفي 16 يوليو/تموز 2026، وسعت بريطانيا العقوبات المرتبطة باقتصاد الحرب، مستهدفة 11 شخصًا وكيانًا ضمن شبكات التمويل والمشتريات والتجارة المرتبطة بالجيش السوداني والدعم السريع.
شملت العقوبات أبو ذر وشركة “بروديجوس لخدمات الإشراف على إدارة العقارات”، ومازن فضل الله وأحمد هاشم، اللذين تشتبه لندن في ارتباطهما بمشتريات الدعم السريع، وشركتي “ناتويست للخدمات اللوجستية” و”عون للوساطة التجارية”، المتهمتين بالمساعدة في تنظيم الإمدادات والمعاملات المالية.
وامتدت العقوبات البريطانية إلى أحمد عبد الله، الذي ربطته الحكومة بمشتريات الجيش السوداني ومنظومة الصناعات الدفاعية، وشركة “بورتكس التجارية المحدودة” المسجلة في هونغ كونغ، إلى جانب ثلاث شركات تعدين سودانية مملوكة للدولة، هي “أم درمان للتعدين” و”أرياب للتعدين” و”سودامين”.
واشتبهت لندن في استخدام عائدات أنشطة هذه الشركات لدعم أطراف القتال، وربطت “سودامين” بشبكات عائدات الذهب المرتبطة بالطرفين، بما في ذلك صلات سابقة مع مجموعة “الجنيد”.
وأدى تغير العلاقات السودانية الإماراتية خلال الحرب إلى تحول في وجهات صادرات الذهب الرسمية، مع تراجع الشحنات المتجهة مباشرة إلى الإمارات وصعود مصر وجهةً رئيسية خلال عام 2025، وفق بيانات للبنك السودان المركزي نشرت مطلع أبريل/نيسان 2026. وجاء هذا التحول بالتزامن مع اضطراب خطوط النقل المباشر وتنامي دور الوسطاء والأسواق المجاورة في تجارة الذهب السوداني.
تغيرت وجهات التصدير الرسمية للذهب السوداني خلال 2025، مع استمرار فجوة واسعة بين الإنتاج والصادرات المسجلة
ويفسر الفارق بين الأسعار والرسوم جانبًا من جاذبية السوق المصرية، إذ قدّر سليمان وبلدو أن نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر كان يتجه إلى مصر عبر التجارة غير الرسمية والتهريب خلال الفترة التي تناولتها دراستهما.
وأشار الباحثان إلى أن سعر غرام الذهب من عيار 21 بلغ نحو 85 دولارًا في مصر خلال أكتوبر/تشرين الأول 2024، مقابل 55 إلى 60 دولارًا في السودان، فضلًا عن استخدام عائدات المعدن لشراء الوقود والمواد الغذائية ومدخلات التعدين ونقلها مجددًا إلى السودان.
وبلغت قيمة صادرات الذهب السوداني المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 نحو 2.292 مليار دولار، بحسب ما أعلنته الشركة السودانية للموارد المعدنية في 6 أكتوبر/تشرين الأول، فيما بلغت الإيرادات الحكومية المحصلة 1.886 تريليون جنيه سوداني، متجاوزة المستهدف بنسبة 31%.
وتبرز هذه العائدات الأهمية المالية للقطاع في ظل استمرار التهريب والتجارة غير الرسمية في مناطق إنتاج متعددة.
وفي 13 يوليو/تموز 2026، أقر الاتحاد الأوروبي حظرًا على شراء الذهب ذي المنشأ السوداني أو استيراده أو نقله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل الذهب الذي خرج من السودان بعد 15 يوليو/تموز ومر بدولة ثالثة قبل وصوله إلى الاتحاد.
وشملت الإجراءات حظر توريد الزئبق وسيانيد الصوديوم المستخدمين في استخلاص الذهب إلى السودان، في محاولة لتقييد مصادر الدخل والمدخلات المرتبطة باقتصاد الحرب.
ورغم اتساع شبكات التمويل والتجارة التي كشفتها العقوبات الدولية، تبقى صلة المشترين النهائيين بمناجم المثلث بحاجة إلى سجلات شحن ومعاملات تجارية محددة، خصوصًا مع استمرار تشغيل شركة معالجة مخلفات الذهب المرتبطة بالدعم السريع دون الكشف عن اسمها أو مقدار العائدات التي تحصل عليها القوات من الإنتاج.
صراع النفوذ في المثلث.. كيف غيّرت الحرب السودانية موازين السيطرة؟
أعادت الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان ومليشيا الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023 تشكيل الأهمية العسكرية للممرات الصحراوية بين دارفور وجنوب شرق ليبيا، بعدما تحولت إلى طرق لنقل المقاتلين والسلاح والوقود والمركبات، بالتوازي مع تجارة الذهب والبضائع.
أصبح المثلث الحدودي أحد مواقع التنافس على تأمين هذه الإمدادات والتحكم بحركتها، مع تنامي القلق المصري من اقتراب مليشيا الدعم السريع من حدودها.
محطات رئيسية ترصد انتقال السيطرة وتوسع عمليات الإمداد والتحركات العسكرية حول المثلث
وبدأت المواجهات التي انتهت بسقوط المثلث بتقارير عن دخول قوة موالية لحفتر نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي السودانية قرب جبل أركنو يوم 6 يونيو/حزيران 2025، ووقوع اشتباكات أسفرت، بحسب الرواية السودانية، عن مقتل جنديين ليبيين وأسر آخرين.
وبعد أربعة أيام، اتهم الجيش السوداني قوات حفتر بالمشاركة مع الدعم السريع في مهاجمة مواقعه، بينما رفضت القيادة العسكرية الليبية الاتهامات، متهمة مجموعات متحالفة مع الجيش السوداني بمهاجمة دورياتها.
وفي 24 مارس/آذار 2026، كشف التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، تفاصيل الدور الذي أدته كتيبة “سبل السلام” في تسهيل عمليات الدعم السريع عبر جنوب ليبيا.
خلص الخبراء إلى أن الكتيبة، بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني، عززت سيطرتها على خطوط إمداد القوات خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2025 إلى مطلع 2026، بموافقة ضمنية من القيادة العسكرية التابعة لحفتر، مستفيدة من علاقاتها المحلية داخل الكفرة وصلاتها بمجموعات من التبو.
ووثق التقرير توفير الكتيبة مقاتلين ومرافقة عسكرية ووقودًا وقطع غيار للمركبات خلال عمليات الهجوم على المثلث، ما ساعد مليشيا الدعم السريع على التقدم نحو العوينات، قبل توسعها في الممر الرابط بين المنطقة وكرب التوم داخل السودان، والسيطرة على معسكر عسكري هناك خلال النصف الثاني من يونيو/حزيران 2025.
وربط الخبراء التحول نحو طريق العوينات بمحاولات الجيش السوداني اعتراض الإمدادات القادمة من ليبيا عبر المثلث الحدودي السوداني الليبي التشادي منذ يوليو/تموز 2024، ما دفع الدعم السريع إلى استخدام مسارات بديلة.
وكشف التقرير استخدام منشآت في محيط الكفرة لنقل مقاتلين كولومبيين ومعدات ومركبات عسكرية باتجاه السودان، وامتداد عمليات استهداف الإمدادات إلى الأراضي الليبية، حيث تعرضت شحنات ومقاتلون أجانب مرتبطون بالدعم السريع لضربات جوية سودانية خلال أواخر 2025.
واستمرت أهمية المثلث في الحسابات العسكرية خلال 2026، إذ نقل “دارفور 24” يوم 15 مايو/أيار عن مصدر في الجيش السوداني اكتمال استعدادات برية وجوية لاستعادة المنطقة وقاعدة العطرون في صحراء شمال دارفور، بمساندة القوة المشتركة.
في المقابل، تحدث مصدر من الدعم السريع عن نشر أكثر من 400 مركبة قتالية وتعزيز المواقع بمنظومات تشويش، فيما أفاد معدّنون بفرض قيود على الحركة ومطالبتهم بمغادرة بعض المواقع.
وبقيت سيطرة المليشيا على الجانب السوداني من المثلث آخر وضع ميداني موثق حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026، في ظل غياب تأكيد لاستعادة الجيش المنطقة.
وأثار تمدد الدعم السريع عند الحدود المصرية مخاوف القاهرة بشأن أمنها القومي ووحدة السودان، خصوصًا بعد سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني الرئيسية في دارفور، خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفي 18 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أعلنت الرئاسة المصرية، عقب استقبال رئيس النظام عبد الفتاح السيسي للبرهان، أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته ومنع إنشاء كيانات موازية يمثل خطوطًا حمراء تمس الأمن القومي المصري، مؤكدة احتفاظ القاهرة بحق اتخاذ الإجراءات التي يتيحها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لحماية هذه المصالح.
وترافق هذا الموقف مع تعزيز القدرات العسكرية المصرية قرب الحدود، إذ كشف تحقيق نشر في 2 فبراير/شباط 2026 عن صور أقمار صناعية وفرتها شركة “فانتور” الأمريكية المتخصصة في تقنيات الفضاء، تُظهر وجود طائرات مسيّرة من طراز “بيرقدار أقنجي” تركية الصنع في مطار شرق العوينات المصري، الذي يقع على مسافة تقارب 60 كيلومترًا من الحدود السودانية، وشهد أعمال توسعة وتجديد خلال 2025.
وأفاد مسؤولان أمنيان مصريان، طلبا عدم كشف هويتيهما أن القاهرة زودت مطارين جنوب البلاد بمعدات عسكرية لحماية الحدود وتنفيذ ضربات تتعلق بالأمن القومي، فيما نقل التحقيق معلومات عن ضربة نُسبت إلى الطيران المصري استهدفت قافلة للدعم السريع قرب المثلث في 9 يناير/كانون الثاني 2026.
وجاءت هذه التحركات مع ارتفاع أهمية طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتقدم الدعم السريع في المناطق القريبة من الحدود المصرية. وفي الوقت نفسه، حافظت القاهرة على علاقاتها الوثيقة بحفتر، الذي ترتبط بقواته كتيبة “سبل السلام”.
ففي 30 يونيو/حزيران 2025، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على سقوط المثلث، استقبل السيسي حفتر في مدينة العلمين بحضور نجلي الأخير خالد وصدام ومدير المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، وبحث معه التنسيق الأمني واستقرار ليبيا، قبل أن يستقبل البرهان مساء اليوم نفسه لمناقشة تطورات السودان والتعاون الثنائي.
استمرت اللقاءات خلال العام التالي، إذ استقبل السيسي حفتر مجددًا في 19 أغسطس/آب 2026 بحضور نجليه خالد، رئيس أركان قواته، وبلقاسم، رئيس صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي.
وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول، استضاف السيسي البرهان بمدينة العلمين الجديدة ضمن قمة رباعية ضمت أيضًا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي والصومالي حسن شيخ محمود، وصدر عنها “إعلان العلمين” الذي أكد احترام سيادة الدول ووحدتها ورفض دعم المرتزقة والكيانات الموازية.
وتثير هذه العلاقات تساؤلات بشأن تأثير التنسيق المصري مع حفتر على حركة الإمدادات عبر الكفرة، بعدما وثق خبراء الأمم المتحدة دور تشكيلات تابعة له في دعم عمليات الدعم السريع، بينما ترتبط القاهرة بشراكة وثيقة مع الجيش السوداني وتعمل على تأمين حدودها الجنوبية والغربية.
ويمتد التنافس على الثروات إلى مناطق أخرى من الحدود السودانية المصرية، حيث أعلن الجيش المصري في 22 يونيو/حزيران 2026 تنفيذ حملة أمنية في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية استهدفت شبكات التنقيب غير المرخص عن الذهب والتهريب والهجرة غير النظامية.
وأسفرت الحملة وفق بيان الجيش عن توقيف 223 شخصًا، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، وضبط معدات تعدين ومركبات وأسلحة، بالتزامن مع شكاوى منقبين سودانيين من الاعتقالات والترحيل والغارات على مواقع التعدين.
وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرضت مواقع للتنقيب عن الذهب في منطقة جبل العقيدات قرب سوق الأنصاري على الحدود السودانية المصرية لغارات جوية، أعلنت شبكة أطباء السودان، وهي تجمع مهني طبي، مقتل 13 منقبًا وإصابة 28 آخرين فيها، بينما قدرت مجموعة “محامو الطوارئ”، وهي منظمة حقوقية سودانية، عدد القتلى بنحو 72 واتهمت الطيران المصري بتنفيذ الهجوم.
وفي شهادات نقلتها صحيفة “سودان تربيون” يوم 11 أكتوبر، قدّر ثلاثة ناجين حصيلة القتلى بأكثر من 200، وسط صعوبة انتشال الجثث ونقل المصابين، وبقاء الأعداد وهوية الطائرات المنفذة موضع تحقيق.
وتقع مناجم العقيدات، وفق شهادات ميدانية نشرتها “سودان تربيون”، في نطاق مختلف من الحدود السودانية المصرية، بعيدًا عن مثلث العوينات عند الحدود الليبية، وكانت المنطقة قد شهدت غارات سابقة خلال يونيو/حزيران 2026 اتهم منقبون القوات المصرية بتنفيذها.
وتعكس هذه الحوادث تصاعد التوتر المرتبط بمناجم الذهب وضبط الحدود، بالتزامن مع استمرار الصراع على طرق التجارة والإمداد الممتدة من المثلث نحو الكفرة ودارفور، حيث تتحكم القوى المسلحة في الوصول إلى المناجم وحركة الإنتاج ونقله إلى الأسواق الخارجية.
________________