صلاح الهوني

ليبيا لم تعد تُرى فقط باعتبارها أزمة داخلية تحتاج إلى حل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية للمتوسط.

المشكلة الليبية لم تعد في سفينة أجنبية تصل إلى ميناء ليبي، ولا في أن طائرة استطلاع تراقب من الجو حركة سفن تعبر المتوسط. المشكلة الأعمق أن مثل هذه المشاهد أصبحت قابلة للحدوث في ليبيا من دون أن تبدو استثنائية. سفن روسية تصل إلى طبرق محملة، بحسب صور الأقمار الصناعية وتحليلات مصادر مفتوحة، بآليات مدرعة ومعدات لوجستية، وطائرة دورية إيطالية تتعقب القافلة في البحر، ثم طائرة استطلاع أميركية تحلق قبالة الساحل الشرقي الليبي.

وبينما تراقب القوى الكبرى بعضها بعضاً، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو: أين يقف القرار الليبي في كل هذه المعادلة؟

في منتصف أيلول/سبتمبر، أظهرت صور أقمار صناعية سفينة الشحن الروسية “أناستاسيا” داخل ميناء طبرق، وسفينة أخرى عند مدخل الميناء، فيما ظهرت سفينة الإنزال “ألكسندر شابالين” في عرض البحر. وكانت القافلة قد رُصدت في وسط المتوسط بواسطة طائرة دورية بحرية إيطالية قبل أن تتوقف السفن عن بث بيانات نظام التعريف الآلي بصورة علنية.

وبعد ذلك بيوم، رُصدت طائرة الاستطلاع الأميركية «Artemis II» وهي تنفذ طلعات قبالة الساحل الشرقي الليبي. وتشير التحليلات المنشورة إلى أن الشحنة تضمنت شاحنات لوجستية وآليات مدرعة، لكن لا توجد حتى الآن معلومات رسمية كاملة تشرح الغرض النهائي منها أو طبيعة الترتيبات التي أحاطت بوصولها.

قد يبدو هذا، في الحساب العسكري البحت، مجرد حركة إمداد. لكن طبرق ليست مجرد ميناء شرقي، وليبيا ليست مجرد بلد يعاني انقساماً سياسياً. ليبيا تقع في المكان الذي تتقاطع فيه أوروبا مع شمال أفريقيا، والمتوسط مع الساحل الأفريقي، والطاقة مع الهجرة، والموانئ مع طرق التجارة، والأمن الأوروبي مع صراعات الشرق الأوسط وأفريقيا. ولهذا فإن كل قوة خارجية تنظر إلى ليبيا من زاوية مختلفة، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: البلد أكبر من أزمته الداخلية، وموقعه الاستراتيجي يجعل فراغه السياسي قابلاً للتحول إلى فرصة جيوسياسية.

روسيا تنظر إلى ليبيا بوصفها إحدى حلقات حضورها المتوسطي والأفريقي. وأوروبا تراها بوابة جنوبية لا يمكن فصل أمنها عن أمن المتوسط. وإيطاليا، بحكم القرب الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية والطاقة والهجرة، تتعامل معها باعتبارها جزءاً مباشراً من حساباتها الإستراتيجية. أما الولايات المتحدة فتراقب أي محاولة لبناء موطئ قدم روسي دائم على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ولهذا فإن السفن الروسية التي وصلت إلى طبرق لا يمكن فصلها عن تحرك روسي أوسع في المنطقة. ففي مطلع سبتمبر وصلت قافلة روسية أخرى إلى ميناء طرطوس السوري، في مهمة إمداد أعقبت اتفاقاً جديداً بين موسكو ودمشق سمح باستمرار وجود روسي عسكري في سوريا ضمن ترتيبات مختلفة عن المرحلة السابقة.

وبحسب “رويترز”، كانت تلك أول مهمة إعادة إمداد روسية إلى المنشآت الساحلية السورية منذ الاتفاق الجديد، بما يشير إلى أن موسكو تعمل على الحفاظ على قدرتها اللوجستية في شرق المتوسط بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا.

من هذه الزاوية تصبح ليبيا جزءاً من جغرافيا أوسع. فموسكو لا تحتاج بالضرورة إلى تحويل كل موقع إلى قاعدة عسكرية ضخمة كي تستفيد منه. يكفي أحياناً أن تمتلك نقاط ارتكاز، وموانئ يمكن استخدامها، ومطارات قريبة، وشركاء محليين، وشبكة لوجستية تسمح لها بالحركة بين المتوسط والساحل. وهذا تحديداً ما يجعل ليبيا ذات قيمة بالنسبة إلى إستراتيجية روسية تبحث عن المرونة أكثر مما تبحث عن السيطرة المباشرة.

لكن الخطأ سيكون في قراءة الوجود الروسي باعتباره نتيجة رغبة روسية وحدها. فالروس يدخلون من أبواب يفتحها الآخرون، والباب الليبي الأكبر لم تفتحه موسكو، وإنما فتحه الانقسام الليبي نفسه.

منذ 2011، لم تفشل ليبيا في بناء دولة موحدة فحسب، بل فشلت أيضاً في احتكار الدولة لأدوات القوة والقرار الخارجي. وحين تتعدد الحكومات، وتتوزع المؤسسات، وتتنازع السلطات على الشرعية، وتبقى المؤسسة العسكرية منقسمة، يصبح الخارج قادراً على التعامل مع أجزاء من الدولة بدلاً من التعامل مع دولة واحدة. وهذه هي الحلقة الأخطر في الأزمة.

فالدولة القوية تستطيع أن تستقبل روسيا وأميركا وإيطاليا وتركيا وغيرها، وأن تتعامل معها جميعاً من موقع المصلحة الوطنية. أما الدولة المنقسمة فتجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع القوى الخارجية من خلال مراكز القوة المحلية. وفي هذه الحالة تتحول العلاقة من شراكة بين دول إلى علاقة بين قوة خارجية وطرف محلي يحتاج إلى الدعم. هنا تفقد السيادة معناها تدريجياً، من دون أن تختفي قانونياً.

قد تبقى ليبيا عضواً في الأمم المتحدة، وقد تبقى الحدود والراية والمؤسسات قائمة، لكن السيادة لا تقاس بالرموز وحدها. السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قرارها، وأن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة لسلطة وطنية واحدة، وأن تكون الموانئ والمطارات والموارد العامة جزءاً من منظومة قرار واحدة، وأن تكون الاتفاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية قابلة للمساءلة أمام مؤسسات الدولة، لا نتاج تفاهمات متفرقة بين قوى محلية وشركاء خارجيين. وهنا بالضبط تصبح طبرق أكثر من مجرد ميناء.

فالميناء الذي تستقبل فيه دولة ما سفناً أجنبية هو في الأصل جزء من سيادة الدولة. وإذا كان استخدامه العسكري أو اللوجستي يتم ضمن قرار وطني واضح، فإن الأمر يمكن أن يكون جزءاً من علاقات الدولة الطبيعية. أما حين لا تكون هناك سلطة وطنية موحدة تستطيع أن تشرح للشعب ما الذي يحدث، ولماذا يحدث، وما حدود الاتفاق، ومن يتحمل مسؤوليته، فإن الميناء يتحول إلى رمز لأزمة الدولة نفسها.

المشكلة ليست في روسيا وحدها، ولذلك فإن اختزال المسألة في “الخطر الروسي” سيكون تبسيطاً شديداً. ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية حضوراً وتدخلاً من قوى متعددة، وكانت تركيا طرفاً عسكرياً مباشراً في الصراع، فيما احتفظت دول غربية بوجود أمني وتدريبي، واستمرت دول إقليمية ودولية في بناء علاقات مع أطراف ليبية مختلفة. وكل طرف يبرر وجوده بمصالحه أو باتفاقاته أو بمخاوفه الأمنية.

لكن النتيجة التي ينبغي أن تهم الليبيين واحدة: كلما ازداد عدد اللاعبين الخارجيين الذين يستطيعون بناء علاقات مباشرة مع مراكز القوة المحلية، ازدادت صعوبة بناء قرار وطني واحد.

البلد الذي يمتلك النفط والموانئ والموقع الاستراتيجي لا يستطيع تحويل هذه العناصر إلى قوة تفاوضية حقيقية لأنه لم يحسم بعد سؤال من يتحدث باسم الدولة. الثروة التي كان يمكن أن تمنح ليبيا استقلالاً أكبر في القرار أصبحت في بعض الأحيان سبباً إضافياً لتنافس الخارج عليها.

والموقع الجغرافي الذي كان يمكن أن يجعل ليبيا جسراً بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط أصبح أيضاً سبباً لجعلها نقطة اهتمام دائمة للأجهزة العسكرية والاستخباراتية والقوى البحرية.

ولذلك فإن السيادة ليست خطاباً وطنياً يُرفع عندما تصل سفينة روسية، ثم يُنسى عندما تصل سفينة أو طائرة تابعة لقوة أخرى. السيادة مفهوم واحد، وإما أن تكون الدولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصلحة وطنية موحدة، أو أنها تظل معرضة لأن تتحول إلى ساحة لتوازنات الآخرين.

حتى أوروبا نفسها بدأت تتعامل مع المسألة الليبية من منظور أكثر ارتباطاً بأمنها المباشر. إيطاليا تراقب النشاط الروسي في المتوسط، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن ليبيا دولة حيوية لمصالحها الإستراتيجية، خصوصاً في ملفات الطاقة والهجرة والأمن والبنية التحتية. وفي 10 سبتمبر، تزامناً مع التحركات الروسية في المتوسط، زار رئيس أركان الدفاع الإيطالي طرابلس، حيث بحث تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الجانب الليبي.

هذا التزامن يحمل دلالة مهمة. فليبيا لم تعد تُرى فقط باعتبارها أزمة داخلية تحتاج إلى حل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية للمتوسط. وهذا يعني أن القوى الخارجية ستواصل الاهتمام بها طالما بقيت الأزمة مفتوحة.

والأكثر إثارة للانتباه أن إيطاليا نفسها تواجه في هذه المرحلة ضغوطاً أمنية بحرية متزايدة. فقد أعلنت روما أخيراً استعدادها لتعزيز حضورها البحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تتزايد فيه المخاطر على طرق التجارة والطاقة. وهذا يوضح أن المتوسط لم يعد منطقة منفصلة عن بقية الأزمات البحرية، بل أصبح جزءاً من شبكة أمنية مترابطة تمتد من البحر الأسود إلى المتوسط والبحر الأحمر والساحل الأفريقي. في مثل هذا العالم، تصبح ليبيا ذات قيمة استراتيجية أكبر، لا أقل.

لكن القيمة الجيوسياسية يمكن أن تتحول إلى نعمة أو نقمة. الدولة الموحدة تستفيد من موقعها لأنها تستطيع التفاوض مع الآخرين على أساس المصالح. أما الدولة المنقسمة فيصبح موقعها عبئاً عليها، لأن الآخرين يتنافسون على ملء الفراغ.

وهذا هو جوهر الأزمة الليبية: ليس أن العالم يتدخل في ليبيا فقط، بل أن ليبيا لم تنجح حتى الآن في بناء المؤسسات التي تجعل التدخل الخارجي مكلفاً سياسياً وغير ضروري استراتيجياً.

لا يمكن إغلاق الأبواب أمام العالم. ليبيا ليست جزيرة معزولة، ولا تستطيع ولا ينبغي لها أن تعيش خارج شبكة العلاقات الدولية. المطلوب ليس طرد الجميع، وإنما تغيير طبيعة العلاقة معهم. الفرق كبير بين أن تستقبل ليبيا استثماراً روسياً أو أوروبياً أو تركياً ضمن استراتيجية وطنية معلنة، وبين أن تصبح أراضيها وموانئها ومؤسساتها جزءاً من حسابات أمنية لا يعرف المواطن الليبي حدودها.

السيادة لا تعني العزلة، كما أن الاستقلال لا يعني رفض الشراكات. الدولة ذات السيادة هي التي تستطيع أن تقول نعم أو لا، وأن تفاوض، وأن تضع شروطها، وأن تعرف ماذا تحصل وماذا تقدم، وأن تجعل الاتفاقات الخارجية امتداداً لسياسة وطنية لا بديلاً عنها.

إذا أرادت ليبيا أن تتعامل مع الوجود الروسي وغيره من أشكال التدخل الخارجي، فإن الطريق لا يبدأ من البحر، بل من الداخل. يبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وإنهاء ازدواجية القرار، وإعادة بناء علاقة واضحة بين السلطة والثروة، ووضع إطار قانوني وشفاف لأي اتفاق أمني أو عسكري أو اقتصادي مع دولة أجنبية.

المشكلة الليبية لم تعد في سفينة أجنبية تصل إلى ميناء ليبي، ولا في أن طائرة استطلاع تراقب من الجو حركة سفن تعبر المتوسط. المشكلة الأعمق أن مثل هذه المشاهد أصبحت قابلة للحدوث في ليبيا من دون أن تبدو استثنائية. سفن روسية تصل إلى طبرق محملة، بحسب صور الأقمار الصناعية وتحليلات مصادر مفتوحة، بآليات مدرعة ومعدات لوجستية، وطائرة دورية إيطالية تتعقب القافلة في البحر، ثم طائرة استطلاع أميركية تحلق قبالة الساحل الشرقي الليبي. وبينما تراقب القوى الكبرى بعضها بعضاً، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو: أين يقف القرار الليبي في كل هذه المعادلة؟

في منتصف أيلول/سبتمبر، أظهرت صور أقمار صناعية سفينة الشحن الروسية “أناستاسيا” داخل ميناء طبرق، وسفينة أخرى عند مدخل الميناء، فيما ظهرت سفينة الإنزال “ألكسندر شابالين” في عرض البحر.

وكانت القافلة قد رُصدت في وسط المتوسط بواسطة طائرة دورية بحرية إيطالية قبل أن تتوقف السفن عن بث بيانات نظام التعريف الآلي بصورة علنية. وبعد ذلك بيوم، رُصدت طائرة الاستطلاع الأميركية «Artemis II» وهي تنفذ طلعات قبالة الساحل الشرقي الليبي. وتشير التحليلات المنشورة إلى أن الشحنة تضمنت شاحنات لوجستية وآليات مدرعة، لكن لا توجد حتى الآن معلومات رسمية كاملة تشرح الغرض النهائي منها أو طبيعة الترتيبات التي أحاطت بوصولها.

قد يبدو هذا، في الحساب العسكري البحت، مجرد حركة إمداد. لكن طبرق ليست مجرد ميناء شرقي، وليبيا ليست مجرد بلد يعاني انقساماً سياسياً. ليبيا تقع في المكان الذي تتقاطع فيه أوروبا مع شمال أفريقيا، والمتوسط مع الساحل الأفريقي، والطاقة مع الهجرة، والموانئ مع طرق التجارة، والأمن الأوروبي مع صراعات الشرق الأوسط وأفريقيا.

ولهذا فإن كل قوة خارجية تنظر إلى ليبيا من زاوية مختلفة، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: البلد أكبر من أزمته الداخلية، وموقعه الاستراتيجي يجعل فراغه السياسي قابلاً للتحول إلى فرصة جيوسياسية.

روسيا تنظر إلى ليبيا بوصفها إحدى حلقات حضورها المتوسطي والأفريقي. وأوروبا تراها بوابة جنوبية لا يمكن فصل أمنها عن أمن المتوسط. وإيطاليا، بحكم القرب الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية والطاقة والهجرة، تتعامل معها باعتبارها جزءاً مباشراً من حساباتها الإستراتيجية. أما الولايات المتحدة فتراقب أي محاولة لبناء موطئ قدم روسي دائم على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ولهذا فإن السفن الروسية التي وصلت إلى طبرق لا يمكن فصلها عن تحرك روسي أوسع في المنطقة. ففي مطلع سبتمبر وصلت قافلة روسية أخرى إلى ميناء طرطوس السوري، في مهمة إمداد أعقبت اتفاقاً جديداً بين موسكو ودمشق سمح باستمرار وجود روسي عسكري في سوريا ضمن ترتيبات مختلفة عن المرحلة السابقة.

وبحسب “رويترز”، كانت تلك أول مهمة إعادة إمداد روسية إلى المنشآت الساحلية السورية منذ الاتفاق الجديد، بما يشير إلى أن موسكو تعمل على الحفاظ على قدرتها اللوجستية في شرق المتوسط بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا.

من هذه الزاوية تصبح ليبيا جزءاً من جغرافيا أوسع. فموسكو لا تحتاج بالضرورة إلى تحويل كل موقع إلى قاعدة عسكرية ضخمة كي تستفيد منه. يكفي أحياناً أن تمتلك نقاط ارتكاز، وموانئ يمكن استخدامها، ومطارات قريبة، وشركاء محليين، وشبكة لوجستية تسمح لها بالحركة بين المتوسط والساحل. وهذا تحديداً ما يجعل ليبيا ذات قيمة بالنسبة إلى إستراتيجية روسية تبحث عن المرونة أكثر مما تبحث عن السيطرة المباشرة.

لكن الخطأ سيكون في قراءة الوجود الروسي باعتباره نتيجة رغبة روسية وحدها. فالروس يدخلون من أبواب يفتحها الآخرون، والباب الليبي الأكبر لم تفتحه موسكو، وإنما فتحه الانقسام الليبي نفسه.

منذ 2011، لم تفشل ليبيا في بناء دولة موحدة فحسب، بل فشلت أيضاً في احتكار الدولة لأدوات القوة والقرار الخارجي. وحين تتعدد الحكومات، وتتوزع المؤسسات، وتتنازع السلطات على الشرعية، وتبقى المؤسسة العسكرية منقسمة، يصبح الخارج قادراً على التعامل مع أجزاء من الدولة بدلاً من التعامل مع دولة واحدة.

وهذه هي الحلقة الأخطر في الأزمة.

فالدولة القوية تستطيع أن تستقبل روسيا وأميركا وإيطاليا وتركيا وغيرها، وأن تتعامل معها جميعاً من موقع المصلحة الوطنية. أما الدولة المنقسمة فتجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع القوى الخارجية من خلال مراكز القوة المحلية. وفي هذه الحالة تتحول العلاقة من شراكة بين دول إلى علاقة بين قوة خارجية وطرف محلي يحتاج إلى الدعم.

هنا تفقد السيادة معناها تدريجياً، من دون أن تختفي قانونياً.

قد تبقى ليبيا عضواً في الأمم المتحدة، وقد تبقى الحدود والراية والمؤسسات قائمة، لكن السيادة لا تقاس بالرموز وحدها. السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قرارها، وأن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة لسلطة وطنية واحدة، وأن تكون الموانئ والمطارات والموارد العامة جزءاً من منظومة قرار واحدة، وأن تكون الاتفاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية قابلة للمساءلة أمام مؤسسات الدولة، لا نتاج تفاهمات متفرقة بين قوى محلية وشركاء خارجيين.

وهنا بالضبط تصبح طبرق أكثر من مجرد ميناء.

فالميناء الذي تستقبل فيه دولة ما سفناً أجنبية هو في الأصل جزء من سيادة الدولة. وإذا كان استخدامه العسكري أو اللوجستي يتم ضمن قرار وطني واضح، فإن الأمر يمكن أن يكون جزءاً من علاقات الدولة الطبيعية. أما حين لا تكون هناك سلطة وطنية موحدة تستطيع أن تشرح للشعب ما الذي يحدث، ولماذا يحدث، وما حدود الاتفاق، ومن يتحمل مسؤوليته، فإن الميناء يتحول إلى رمز لأزمة الدولة نفسها.

المشكلة ليست في روسيا وحدها، ولذلك فإن اختزال المسألة في “الخطر الروسي” سيكون تبسيطاً شديداً. ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية حضوراً وتدخلاً من قوى متعددة، وكانت تركيا طرفاً عسكرياً مباشراً في الصراع، فيما احتفظت دول غربية بوجود أمني وتدريبي، واستمرت دول إقليمية ودولية في بناء علاقات مع أطراف ليبية مختلفة. وكل طرف يبرر وجوده بمصالحه أو باتفاقاته أو بمخاوفه الأمنية.

لكن النتيجة التي ينبغي أن تهم الليبيين واحدة: كلما ازداد عدد اللاعبين الخارجيين الذين يستطيعون بناء علاقات مباشرة مع مراكز القوة المحلية، ازدادت صعوبة بناء قرار وطني واحد.

البلد الذي يمتلك النفط والموانئ والموقع الاستراتيجي لا يستطيع تحويل هذه العناصر إلى قوة تفاوضية حقيقية لأنه لم يحسم بعد سؤال من يتحدث باسم الدولة. الثروة التي كان يمكن أن تمنح ليبيا استقلالاً أكبر في القرار أصبحت في بعض الأحيان سبباً إضافياً لتنافس الخارج عليها. والموقع الجغرافي الذي كان يمكن أن يجعل ليبيا جسراً بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط أصبح أيضاً سبباً لجعلها نقطة اهتمام دائمة للأجهزة العسكرية والاستخباراتية والقوى البحرية.

ولذلك فإن السيادة ليست خطاباً وطنياً يُرفع عندما تصل سفينة روسية، ثم يُنسى عندما تصل سفينة أو طائرة تابعة لقوة أخرى. السيادة مفهوم واحد، وإما أن تكون الدولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصلحة وطنية موحدة، أو أنها تظل معرضة لأن تتحول إلى ساحة لتوازنات الآخرين.

حتى أوروبا نفسها بدأت تتعامل مع المسألة الليبية من منظور أكثر ارتباطاً بأمنها المباشر. إيطاليا تراقب النشاط الروسي في المتوسط، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن ليبيا دولة حيوية لمصالحها الإستراتيجية، خصوصاً في ملفات الطاقة والهجرة والأمن والبنية التحتية. وفي 10 سبتمبر، تزامناً مع التحركات الروسية في المتوسط، زار رئيس أركان الدفاع الإيطالي طرابلس، حيث بحث تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الجانب الليبي.

هذا التزامن يحمل دلالة مهمة. فليبيا لم تعد تُرى فقط باعتبارها أزمة داخلية تحتاج إلى حل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية للمتوسط. وهذا يعني أن القوى الخارجية ستواصل الاهتمام بها طالما بقيت الأزمة مفتوحة.

والأكثر إثارة للانتباه أن إيطاليا نفسها تواجه في هذه المرحلة ضغوطاً أمنية بحرية متزايدة. فقد أعلنت روما أخيراً استعدادها لتعزيز حضورها البحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تتزايد فيه المخاطر على طرق التجارة والطاقة. وهذا يوضح أن المتوسط لم يعد منطقة منفصلة عن بقية الأزمات البحرية، بل أصبح جزءاً من شبكة أمنية مترابطة تمتد من البحر الأسود إلى المتوسط والبحر الأحمر والساحل الأفريقي.

في مثل هذا العالم، تصبح ليبيا ذات قيمة استراتيجية أكبر، لا أقل.

لكن القيمة الجيوسياسية يمكن أن تتحول إلى نعمة أو نقمة. الدولة الموحدة تستفيد من موقعها لأنها تستطيع التفاوض مع الآخرين على أساس المصالح. أما الدولة المنقسمة فيصبح موقعها عبئاً عليها، لأن الآخرين يتنافسون على ملء الفراغ.

وهذا هو جوهر الأزمة الليبية: ليس أن العالم يتدخل في ليبيا فقط، بل أن ليبيا لم تنجح حتى الآن في بناء المؤسسات التي تجعل التدخل الخارجي مكلفاً سياسياً وغير ضروري استراتيجياً.

لا يمكن إغلاق الأبواب أمام العالم. ليبيا ليست جزيرة معزولة، ولا تستطيع ولا ينبغي لها أن تعيش خارج شبكة العلاقات الدولية. المطلوب ليس طرد الجميع، وإنما تغيير طبيعة العلاقة معهم. الفرق كبير بين أن تستقبل ليبيا استثماراً روسياً أو أوروبياً أو تركياً ضمن استراتيجية وطنية معلنة، وبين أن تصبح أراضيها وموانئها ومؤسساتها جزءاً من حسابات أمنية لا يعرف المواطن الليبي حدودها.

السيادة لا تعني العزلة، كما أن الاستقلال لا يعني رفض الشراكات. الدولة ذات السيادة هي التي تستطيع أن تقول نعم أو لا، وأن تفاوض، وأن تضع شروطها، وأن تعرف ماذا تحصل وماذا تقدم، وأن تجعل الاتفاقات الخارجية امتداداً لسياسة وطنية لا بديلاً عنها.

إذا أرادت ليبيا أن تتعامل مع الوجود الروسي وغيره من أشكال التدخل الخارجي، فإن الطريق لا يبدأ من البحر، بل من الداخل. يبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وإنهاء ازدواجية القرار، وإعادة بناء علاقة واضحة بين السلطة والثروة، ووضع إطار قانوني وشفاف لأي اتفاق أمني أو عسكري أو اقتصادي مع دولة أجنبية.

_________________

مقالات مشابهة