زايد هدية 

تكشف عن تحول في أدوات المواجهة يهدد بنقل الصراع إلى مستوى أكثر خطورة وأصعب على الاحتواء

***

طائرات صغيرة وكلفة محدودة وقدرة على الوصول إلى أهداف بملايين الدولارات، هكذا يطرح دخول مسيرات إلى صراعات المجموعات المسلحة في غرب ليبيا أسئلة عن مصادرها والجهات التي تمتلكها، وما إذا كانت الزاوية بداية لانتشار سلاح جديد في النزاعات المحلية؟

لم تعد أصوات الرصاص والقذائف وحدها ما يثير القلق في مدينة الزاوية الليبية كما جرت العادة في الأعوام الماضية، فمن سمائها جاء هذه المرة تهديد أصغر حجماً وأقل ضجيجاً، لكنه ربما يكون أكثر قدرة على تغيير قواعد الاشتباك في غرب البلاد، بعدما دخلت الطائرات المسيرة الصغيرة على خط المواجهات، واستخدمت في ضرب منشآت نفطية وكهربائية، لتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراع بين المجموعات المسلحة.

فخلال أيام قليلة تعرضت منشآت حيوية في الزاوية لسلسلة هجمات بطائرات مسيرة طاولت خزانات وقود ومرافق مرتبطة بمجمع الزاوية النفطي، قبل أن يمتد الاستهداف إلى قطاع الكهرباء، مما أدى إلى توقف عمليات المصفاة بصورة موقتة قبل استئنافها، وسط تحذيرات من إمكان إعلان حال القوة القاهرة في حال استمرار الهجمات.

وتكتسب هذه التطورات خطورتها من أهمية الزاوية نفسها، إذ تحتضن واحدة من أهم المنشآت النفطية في غرب ليبيا ومصفاة تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بحقل الشرارة الذي يعد من أكبر حقول البلاد، وبذلك فإن ضربة تنفذها طائرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها جزءاً ضئيلاً من قيمة المنشأة المستهدفة يمكن أن تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز المدينة ومجموعاتها المسلحة.

من الرشاش إلى الطائرة

وشهدت ليبيا منذ عام 2011 انتشاراً واسعاً للأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الجماعات المسلحة، وتحولت مدن غرب البلاد مراراً إلى ساحات لمعارك استخدمت خلالها المدفعية والأسلحة المضادة للطائرات والمدرعات.

لكن دخول مسيرات “إف بي في” إلى المواجهة المحلية يمثل تطوراً مختلفاً، ليس بسبب قدرتها التدميرية، بل لأنها تغير العلاقة بين المهاجم والهدف، فبدلاً من تحريك قوة مسلحة واقتحام موقع أو إطلاق قذائف من مناطق يمكن تحديدها، أصبح في الإمكان توجيه طائرة صغيرة نحو هدف محدد من مسافة آمنة نسبياً، مع تقليل احتمالات كشف الجهة التي أطلقتها.

وتكمن الخطورة الأكبر في أن هذه التكنولوجيا لم تعد حكراً على الجيوش، فطائرات “FPV” تعتمد في أصلها على تكنولوجيا مدنية متاحة تجارياً، ويمكن تعديل بعض أنواعها للاستخدام العسكري، مما جعلها خلال الأعوام الأخيرة واحدة من أبرز أدوات الحروب غير المتكافئة.

وفي أحداث الزاوية الأخيرة، تحدثت تقارير محلية عن استخدام طائرات انقضاضية في بعض الهجمات، فيما أكدت المصادر الرسمية وقوع هجمات بالطائرات المسيرة من دون إعلان نتائج تحقيق فني نهائي يحدد منشأ الطائرات أو الجهة التي شغلتها.

من أين جاءت؟

السؤال الملح الذي تطرحه هجمات الزاوية هو: كيف وصلت هذه القدرات إلى المجموعات المسلحة المحلية؟

الباحث والأكاديمي محمد العنيزي، يقول “لم تبدأ قصة الطائرات المسيرة في ليبيا من الزاوية، فقد دخلت البلاد منذ أعوام عصر حرب الطائرات من دون طيار، وبصورة أكثر وضوحاً خلال حرب طرابلس بين عامي 2019 و2020، عندما استخدمت طائرات تركية الصنع من طراز (بيرقدار) في غرب البلاد، مقابل استخدام طائرات أخرى في الجانب المقابل، ومنذ ذلك الحين أصبحت البنية التحتية للمسيرات جزءاً من المشهد العسكري الليبي.

وأفادت تقارير متخصصة خلال عام 2026 بوجود منشآت للتحكم وإيواء الطائرات المسيرة في مطاري معيتيقة ومصراتة، وقال فريق خبراء الأمم المتحدة إن منشآت من هذا النوع صممت لاستيعاب طائرات من دون طيار، في مؤشر إلى أن تكنولوجيا المسيرات لم تعد عنصراً طارئاً في المشهد العسكري الليبي”.

وأضاف “لكن من الضروري التمييز بين تلك الطائرات المسيرة الكبيرة وبين الطائرات المستخدمة في الهجمات التكتيكية، فالأخيرة أصغر وأرخص وأسهل في النقل والتجميع، ولا تحتاج إلى المطارات ومحطات التحكم المعقدة التي تحتاج إليها الطائرات العسكرية من فئة (بيرقدار)، ومن هنا تبرز مسارات محتملة عدة لوصولها إلى الجماعات المسلحة، مثل شراء مكونات مدنية من الأسواق الخارجية وتجميعها أو تعديلها محلياً، وانتقال المعرفة والخبرات التقنية بين التشكيلات المسلحة، أو وصول معدات جاهزة عبر شبكات الإمداد غير الرسمية التي ازدهرت في ليبيا خلال أعوام الانقسام”.

لكنه أشار إلى أن “تحديد أي من هذه المسارات هو الذي استخدم في الزاوية يحتاج إلى تحقيق فني في حطام الطائرات ومكوناتها وأرقامها التسلسلية، ولا تكفي الصور أو الاتهامات السياسية وحدها لإثبات مصدرها”.

إرث أعوام التسليح

ونوه العنيزي إلى أنه “على رغم أن ليبيا لا تزال خاضعة لحظر دولي على توريد السلاح فرضه مجلس الأمن منذ عام 2011، لكن تقارير دولية متعاقبة وثقت خلال أعوام الحرب وصول أسلحة ومعدات عسكرية إلى أطراف ليبية مختلفة، وبذلك فإن السؤال الذي تطرحه الزاوية يتجاوز هوية من ضغط على جهاز التحكم في الطائرة، إلى مصير ترسانة وتقنيات عسكرية تراكمت في ليبيا خلال أكثر من عقد من الحرب.

فالأسلحة التي تصل إلى بلد منقسم لا تبقى بالضرورة تحت سيطرة الطرف الذي حصل عليها أول مرة، والخبرات تنتقل والمقاتلون يغيرون ولاءاتهم والأسواق غير الرسمية تعيد توزيع المعدات، مما يجعل ضبط التكنولوجيا العسكرية أصعب مع مرور الوقت”.

من جانبه يرى الصحافي المختص في الشؤون الأمنية خالد البدري، أن “أخطر ما تكشف عنه الزاوية هو اختلال المعادلة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع، فالمهاجم لا يحتاج بالضرورة إلى صاروخ باهظ الثمن لتدمير منشأة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، يكفي أن تصل طائرة صغيرة محملة بعبوة إلى نقطة حساسة لتوقف منشأة كاملة، وتضاعف طبيعة الأهداف التي ضربت أخيراً في ليبيا من الخطر، فالبلاد تعتمد بصورة شبه كاملة على قطاع النفط في إيراداتها العامة، بينما تعاني شبكة الكهرباء أساساً مشكلات فنية ونقصاً في القدرة الإنتاجية والصيانة”.

وتابع “في الزاوية وحدها، قالت الشركة العامة للكهرباء إن محطة المدينة تفقد أكثر من 700 ميغاوات من قدرتها الإجمالية البالغة نحو 1300 ميغاوات، وأدى تدهور الوضع الأمني إلى توقف شركة (جي إي) الأميركية عن العمل داخل المحطة وسحب فرقها الفنية إلى حين توفير بيئة آمنة، وهنا لا تعود المسيرة سلاحاً ضد مجموعة مسلحة منافسة، بل تتحول إلى وسيلة تستطيع من خلالها الأطراف المتصارعة تعطيل خدمات عامة وإلحاق خسائر بالدولة واستخدام البنية التحتية ورقة ضغط في النزاع”.

وإذا اختلفت الآراء في شأن مصدر توريد الطائرات التي استهدفت مصفاة الزاوية في اليومين الماضيين فإنه لا خلاف تقريباً على أن هذه الهجمات تضع السلطات الليبية أمام اختبار أمني جديد، فحماية المنشآت الحيوية لم تعد تقتصر على نشر الحراس وإقامة الحواجز وتأمين محيط المواقع، وإنما تتطلب أنظمة للكشف المبكر عن الطائرات الصغيرة وقدرات للتشويش عليها واعتراضها، إلى جانب رقابة على تداول المكونات التي يمكن تحويلها إلى منصات هجومية.

وهكذا تكون الرسالة الأخطر التي جاءت من سماء الزاوية أن ليبيا لا تواجه مجرد سلاح جديد، بل تواجه تحولاً في طبيعة القوة نفسها، فالمسيرة الصغيرة التي يمكن حملها في سيارة وإطلاقها بعيداً من الهدف باتت تمنح جماعات مسلحة قدرة تدميرية كانت تحتاج قبل أعوام إلى طائرة حربية وقاعدة جوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات مشابهة