عبدالله الكبير

تشير بعض التحليلات السياسية لمقاربة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترامب لحل الأزمة الليبية، أن مصدرها ليس بولس أو الإدارة الأمريكية، بل هي اتفاق تم داخل دائرة صغيرة في جناحي السلطة في ليبيا، وليقينهم باستحالة تسويقها و تمريرها بشكل مباشر، سواء عن طريق المؤسسات الرسمية، أو عبر حملات شعبية وإعلامية، عرضت على بولس ليتبناها ويطلقها كمبادرة أمريكية لتوحيد المؤسسات السيادية والسلطة التنفيذية، بأي صيغة مناسبة لا تشي بشكل مباشر أنها تقاسم للسلطة. 

كل الصفقات والتفاهمات السابقة بين حكومة الدبيبة ومعسكر عائلة حفتر جرت سرا برعاية أبوظبي، اتفقا على تغيير رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، بإعفاء مصطفى صنع الله وتكليف بن قدارة، ومرر الأخير عقد شركة أركنو للإستثمار في قطاع النفط، واقتطاع حصة من العائدات لمصلحة الطرفين، وتمت إزاحة محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير وتكليف ناجي عيسى بالتراضي بينهما.

لذلك فإن فرضية إعداد المقترح محليا ليقدمه بولس على أنه مبادرة أمريكية، وليست مقترحا من طرفي السلطة للاستحواذ على السلطة بشرعية دولية، يحمل بعض الوجاهة، ولكن تبني بولس لها والسعي لتسويقها، لم يخفف من حدة الإعتراض والرفض لها، ولا يتوقف الإعتراض عند مكونات وشخصيات سياسية وعسكرية على غرب ليبيا فحسب، فحتى داخل معسكر حفتر تبرز بعض التحفظات عند الأخوة حفتر، خشية على سلطاتهم ونفوذهم وتهميش أدوارهم، إذا ما صعد أحدهم في سلم السلطة، وتولى رئاسة المجلس الرئاسي كما تذهب الصفقة حسب التسريبات والتحركات. 

الكثير من الغموض يحيط بالصفقة، وهو بالتأكيد غموض مقصود لتجنب أي مؤثرات قد تساهم في عرقلتها أو تقويضها، ولكن رغم عدم الإفصاح عن الكثير من التفاصيل حول الاجتماعات السرية والمعلنة، فإن التعثر واضح وجولات التفاوض لا تتوقف، واستمرار الاختلافات حول توزيع الأدوار في السلطة التنفيذية المزمع تشكيلها، هو سيد الموقف حتى الآن، وقد انعكس هذا التعثر كما يبدو في اجتماعات لجنة 4+4، فبعد الإعلان عن حسم الجزء الأكبر من الخلافات، وقرب التوصل إلى اتفاق نهائي بحل كل نقاط الخلاف في مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، أعلنت البعثة بشكل موارب عن الاخفاق، واستمرار التشاور في اجتماع قادم خلال اغسطس المقبل. 

يعزز فرضية المنشأ المحلي للصفقة تصريحات بولس في لقاءاته بمصراتة، فعندما طلب منه تقديم نص المبادرة مكتوبا للإطلاع عليها، رد بأنه لاتوجد مبادرة جاهزة مكتوبة لمناقشتها، وإنما يريد الاستماع لأي مقترحات أو رؤى مناسبة للتشاور بشأنها، وقبل أيام قليلة صرح عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن مجلسه لم يستلم أي مبادرة من بولس. 

والحاصل أن بولس ألقى حجرا في المياه السياسية الليبية الراكدة منذ سنوات، دافعا كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، إلى تحسس كراسيهم ومصالحهم ونفوذهم، فتعددت وتنوعت اللقاءات والاتصالات، ولا يبدو أن ثمة ما يمضي من المبادرة أو الصفقة سوى الجانب العسكري الأمني، لأن بعض ما تم الاتفاق عليه يجري بالفعل تنفيذه، بتشكيل غرفة عمليات مشتركة ودمج قوات عسكرية برية وجوية من الشرق والغرب في سرت ومصراتة، ولكن الطريق مايزال طويلا والتحديات كبيرة، نظرا لاختلاف رؤية الجانبين في طبيعة دور القوات المسلحة ومهامها، السلطة العسكرية لعائلة حفتر في الشرق تستخدم فائض القوة في الهيمنة على كل القطاعات، وتقليص دور المجال المدني العام، بينما تؤكد القيادات العسكرية في الغرب على خضوع المؤسسة العسكرية إلى السلطة المدنية، باعتبارها إحدى أدوات هذه السلطة في عدة مهام مؤطرة بمواد محددة في الدستور. 

وبينما يتراجع زخم البدايات عن صفقة بولس، تضرب البعثة الأممية موعدا خلال شهر أغسطس لجولة جديدة للجنة 4+4، لمواصلة العمل على تحقيق توافق حول مفوضية الانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، من دون أمل كبير في إحراز أي تقدم ملموس.

استمرار حالة الانسداد، ومحاولة فرض حلول خارجية لا تلبي تطلعات الشعب، قد تؤدي إلى تفجير الاوضاع وتعميق الأزمة، خاصة مع حالة الغضب السائدة حاليا بسبب تردي الخدمات، وانقطاعات الكهرباء وسط موجة حر غير مسبوقة، كما أن استمرار الوضع الحالي غير مقبول ويمكن أن يفجر الموقف إذا لم تعالج أزمة قطاع الكهرباء وباقي الخدمات، وعودتها إلى مستوى مقبول يخفف قليلا من حالة الاحتقان.

_______________



 

مقالات مشابهة