سهام معط الله

في مشهد معقَّد تتشابك فيه خيوط المؤامرة، توالت على ليبيا خلال ساعات معدودة ضربات موجعة استهدفت أعمدة الدولة الثلاثة: النفط، والأمن، والمال. إنّها لحظة فارقة تتعرَّض فيها البلاد لاختبار حقيقي، في وقت كانت تُبشِّر فيه بمستقبل واعد بعد سنوات من الجمود السياسي والاقتصادي، وتحديداً بعد أن عوَّلت عليها مصر وأوروبا بديلاً استراتيجياً لإمدادات الخليج النفطية عقب إغلاق مضيق هرمز. ففي تزامن غريب، ضُربت أكبر مصفاة نفطية ليبية بطائرات مسيَّرة مجهولة، واغتيل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الليبية في عقر داره، وقدَّم محافظ البنك المركزي الليبي استقالته لأسباب يلفّها الغموض.

ثلاث ضربات في آن واحد، كفيلة بأن تهزّ أيّ دولة، لكن الأغرب أنّها جاءت في توقيت دقيق، بالتزامن مع نقاشات حول مشروع استراتيجي عملاق يربط شرق ليبيا مباشرة بالسواحل المصرية. إنّه مشهد يكشف عن خيوط خفيّة تشير أصابع الاتِّهام فيها إلى جهات خبيثة تسعى بكل قوّة لإبقاء ليبيا في دائرة الفوضى المفتوحة، وكسر أيّ محاولة للنهوض الاقتصادي الليبي- المصري المشترك.

بدأت العملية في مدينة الزاوية الواقعة غربي ليبيا، حيث تحوَّلت مصفاة الزاوية للنفط إلى هدف لطائرات مسيَّرة مجهولة في هجوم متعدِّد المراحل. فبعد استهداف خزان النافتا ومنشأة تحلية المياه، جاءت الضربة الأعنف يوم العاشر من أغسطس/ آب الجاري، حين اصطدمت طائرة مسيَّرة بخزّان بنزين تابع لشركة البريقة يحتوي على نحو 4.5 ملايين ليتر من البنزين، ما أشعل نيراناً هائلة أدّت إلى انهيار الخزّان بالكامل. ولم تتردد المؤسّسة الوطنية للنفط، التابعة للدولة، في إعلان حالة الطوارئ القصوى، محذِّرة من أنّ استمرار هذه الهجمات يهدِّد قطاعاً حيوياً هو الطاقة الذي يشكِّل العمود الفقري للاقتصاد الليبي والإيرادات الدولارية.

فمصفاة الزاوية، التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 120 ألف برميل يومياً، تعتبر حالياً أكبر المصافي العاملة في البلاد، ويأتي هذا الاعتداء عليها في وقت تسجِّل فيه ليبيا أعلى مستويات الإنتاج النفطي منذ عام 2013 بنحو 1.44 مليون برميل يومياً. إنّه نجاح تحاول أيادٍ خفيّة تخريبه وإجهاضه، خصوصاً أن لا جهة تتبنّى الهجوم حتى الآن، ما يزيد من غموض المشهد ويعزِّز فرضية وجود أجندة خفيّة وراء هذه العمليات التخريبية، كأنّما هي رسائل واضحة بأنّ أيّ نهضة نفطية في المنطقة لن تمرّ دون ثمن. 

وتحديداً في قلب مدينة بنغازي التي تُعدّ معقلاً للقيادة العسكرية في الشرق، وقعت الصدمة الثانية التي حملت طابعاً أكثر جرأة واستهدافاً للأمن الوطني. ففي منطقة الهواري، قُتل مدير جهاز الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة اللواء فوزي المنصوري، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته بجوار منزله. وهنا يكمن السؤال الصادم: كيف تمكّن الجناة من اغتيال شخص من المفترض أن يتمتَّع بأعلى مستويات الحماية الأمنية؟

في الواقع، يكشف هذا الخرق الأمني الفادح عن وجود أيادٍ قادرة على الوصول إلى قمّة الهرم العسكري في أهمّ معاقل النفوذ. وإذا كانت الاستخبارات العسكرية هي عين الدولة وأذنها، فإنّ اغتيال قائدها يشبه إصابتها بالعمى في لحظة هي بأمسّ الحاجة إلى الرؤية الواضحة، خصوصاً مع التعقيدات السياسية والأمنية الراهنة، حيث تبقى هويّة الفاعل طيّ الكتمان، وكأنّها جزء من لعبة أكبر تهدف إلى تدمير الثقة وإشعال الفتن الداخلية. 

مصفاة الزاوية التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 120 ألف برميل يومياً تم الاعتداء عليها في وقت تسجِّل فيه ليبيا أعلى مستويات الإنتاج النفطي منذ عام 2013

وفي تطوُّر لا يقلّ خطورة، انتقلت الضربة الثالثة من هجمات الطائرات المسيَّرة والاغتيالات إلى الغرف المغلقة لأهمّ المؤسّسات المالية في ليبيا، حيث فاجأ ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، الأوساط السياسية بتقديم استقالته لكلّ من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مكتفياً بالتصريح بحساسية الدوافع التي لا يمكن البوح بها. حملت هذه الاستقالة غموضاً لم يسبق له مثيل، فقد ضربت رأس المال والمالية العامة للدولة الليبية في وقت عصيب، فالمحافظ ناجي عيسى لم يكن شخصاً عادياً، بل كان ثمرة تسوية نادرة وصعبة للغاية بين حكومتي الشرق والغرب، بعد أزمة مريرة حول السيطرة على البنك المركزي وتبعيته، وصلت إلى حدّ تعطيل الإنتاج النفطي وشلّ الصادرات.

في الواقع، تخطِّط الأيادي الخفية المتسبِّبة برحيل المحافظ ناجي عيسى لتفجير التوافق الهشّ الذي جرى التوصُّل إليه بشقّ الأنفس، ونسف أي جهد للوحدة المالية والسياسية، في وقت يتطلَّب فيه الاستقرار الاقتصادي بالبلاد أعلى درجات التنسيق بين مختلف الأطراف الليبية. وإذا كانت هذه الأحداث الثلاثة تشكِّل مأساة بحدّ ذاتها، فإنّ أبعادها الخطيرة تتَّضح عندما نربطها بحدث آخر لم يحظ بزخم إعلامي كبير، وتحديداً المشروع العملاق الذي كان على وشك رؤية النور. ففي التوقيت نفسه تقريباً، وتحديداً يوم العاشر من أغسطس الجاري، أجرى الجانبان المصري والليبي مباحثات مكثّفة حول مشروع حيويّ يتمثّل بإنشاء خطّ أنابيب نفطي بين مدينة طبرق الليبية ومدينة الإسكندرية المصرية لتغذية مصافي التكرير المصرية المطلّة على البحر المتوسّط بكلفة تتجاوز مليار دولار.

يهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى نقل الخام الليبي إلى المصافي المصرية، ما يخلق تحالفاً اقتصادياً رابحاً للطرفين؛ فمصر تحصل على مصدر بديل وآمن للطاقة يعوِّضها عن اضطرابات إمدادات الخليج الناجمة عن أزمات الملاحة في ظلّ الحرب المستعرة بين أميركا وإيران، فيما ترفع ليبيا القيمة المضافة لنفطها من خلال تكريره وتصنيع مشتقّاته وتصديرها بأسعار أعلى، بدلاً من بيعه خاماً. لذلك، يصبح واضحاً للقاصي والداني أنّ خطّ الأنابيب الجديد شريان حياة واعد ومشروع يعيد هندسة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويخلق مصالح مشتركة تجعل استقرار ليبيا ضرورة ملحّة لمصر والعكس، وهو ما لا يُرضي بالطبع من يحرصون على بقاء المنطقة في حالة صراع دائم.

هنا تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً وإثارة للقلق، وهي الأسئلة ذاتها التي تربط كل هذه الأحداث المتناثرة في خيط واحد: من المستفيد الحقيقي من استمرار عدم الاستقرار واستدامة الصراع بليبيا؟ ومن الذي لا يصبّ في مصلحته قيام تعاون ليبي-مصري مثمر يقلِّص الاعتماد على طرق الإمداد التقليدية المحفوفة بالمخاطر؟ ومن الذي يحرص على إبقاء مصر في دائرة البحث الدائم عن مصادر الطاقة بعيداً عن جارتها الغربية الغنية باحتياطيات النفط؟
خلاصة القول: ما حدث في ليبيا ليس مجرّد حوادث منفصلة، بل مخطّط متكامل الأركان يستهدف إجهاض أيّ فرصة للتقارب المصري-الليبي والاستقرار والنمو المشترك. لقد أكَّدت هذه الضربات المتزامنة وجود أيادٍ خفيّة تمتلك قدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدِّمة وتسعى لإبقاء المنطقة في مستنقعٍ من الصراع والفوضى.

_______________

مقالات مشابهة