محمد راغب أوغلو

على الرغم من اختلاف أولويات الولايات المتحدة وتركيا في ليبيا، إلا أن القوتين الفاعلتين تجدان أرضية مشتركة من أجل بلد أكثر استقراراً.

عندما وصلت موجة الانتفاضات العربية التي اجتاحت تونس ومصر وسوريا أخيراً إلى ليبيا، انتهى حكم القذافي الذي دام أربعة عقود. وقد أوفى التدخل الذي قاده حلف الناتو عام 2011 بهذا الوعد، فأطاح بالنظام، لكنه لم يُخلِّف في مكانه ما يشبه دولة قائمة بوظائفها.

وما تلا ذلك كان فراغاً حدَّد ملامح ليبيا منذ ذلك الحين. فلمدة 15 عاماً، ظلَّ البلد منقسماً بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس، بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وبين الجيش الوطني الليبي بقيادة عائلة حفتر في الشرق.

عندما تدخَّلت تركيا عسكرياً في الأزمة الليبية، توقف هجوم خليفة حفتر على طرابلس، وأرسى هذا التدخل توازناً عسكرياً هشاً منذ ذلك الحين. غير أن الصورة تبدَّلت هذا العام بشكل ملحوظ. ففي أبريل/نيسان، وقَّع الأطراف المتصارعة مشتركاً أول ميزانية موحَّدة لليبيا منذ 13 عاماً.

ثم، في 18 يونيو/حزيران، برز اتفاق ثلاثي لتقاسم السلطة، تمت الوساطة فيه ليس عبر مسار الأمم المتحدة، بل مباشرة من واشنطن. وتُثير هذه التطورات ثلاثة أسئلة مترابطة:

ما الذي يحرِّك التحول في السياسة الأميركية تجاه ليبيا؟

وإلى أي مدى يعود ذلك إلى تداعيات الحرب مع إيران؟

وأين تقف تركيا فعلياً في هذه الصورة المتطوِّرة؟

حسابات واشنطن النفطية

يقع النفط في صميم السياسة الأميركية تجاه ليبيا، وإن كان لا يفسرها بالكامل. فالخطة التي يُنفِّذها مسعود بولس، كبير المستشارين لشؤون العرب والشرق الأوسط، وبالتزامن مستشار كبير لشؤون أفريقيا، تهدف إلى جمع الفصائل المتناحرة في البلاد تحت مظلة حكم واحدة، وذلك لسبب مباشر: فالحكومة المعترف بها دولياً موجودة في طرابلس، بينما تبقى حقول النفط ومحطات التصدير الأكثر أهمية تحت سيطرة حفتر.

وبدون اتفاق بين الطرفين، لا يمكن تحقيق استثمارات واسعة النطاق ولا استقرار دائم على نحو واقعي.

وما يُبنى إذن هو أقلَّ ما يكون مشروعاً ديمقراطياً على النمط الذي تستحضره واشنطن عادةً، وأكثر ما يكون صيغة لتقاسم السلطة بين عائلتَي الدبيبة وحفتر. علناً، يُقدَّم المشروع على أنه جامع؛ لكن عملياً، كانت الأولوية هي إقناع العائلتين بتقاسم السلطة التنفيذية رسمياً.

وهذا ما يفسر لماذا، حتى مع طرح جدول زمني للانتخابات في فبراير/شباط 2027، فإن جوهر الاتفاق يقوم على أمر أضيق: مجلس رئاسي جديد تحت قيادة صدام حفتر، يقترن بحكومة بقيادة الدبيبة، مع تقسيم القيادة العسكرية على أسس عائلية وجغرافية بدلاً من دمجها في مؤسسات موحَّدة.

سعت واشنطن لتحقيق هذا الهدف عبر ثلاثة مسارات بالتزامن. دبلوماسياً، بلغت عملية بدأت بلقاء سري في روما سبتمبر/أيلول الماضي ذروتها في اتفاق يونيو/حزيران. اقتصادياً، وقَّعت شركات الطاقة الأميركية والأوروبية عقود استكشاف وتطوير بمليارات الدولارات، وأبرزها اتفاق “واحة” البالغ 20 مليار دولار ولمدة 25 عاماً مع شركتي “توتال إنرجي” و”كونوكو فيليبس”.

عسكرياً، جمعت مناورات “فلينتلوك 2026” في سرت قوات من الشرق والغرب تحت قيادة موحَّدة للمرة الأولى، كإشارة رمزية إلى حد كبير.

غير أن الزخم السياسي وحده لم يجعل ليبيا جاذبة للاستثمار. فمؤسسة النفط الوطنية لا تزال دون ميزانية معتمدة، وتعرَّض الدينار لتخفيضات متكررة، وتهريب الوقود استنزف مليارات الدولارات في عام واحد، وتواصل البنية التحتية تدهورها.

نية واشنطن واضحة، لكن الأرض التي تبني عليها لا تزال غير مستقرة، وهذا بالضبط ما يخاطر بتجميد الاتفاق عند مستوى صفقة نخبوية بدلاً من أن ينضج إلى إصلاح مؤسسي حقيقي.

وقد كان المنتقدون الليبيون صريحين في هذا الشأن: إذ يرون أن المبادرة بُنيت حول شخصيات لا مؤسسات، وأن لا جماعات النساء ولا المجتمع المدني كان ممثَّلاً على طاولة روما.

عدم استقرار سوق النفط

لا يمكن فصل توقيت تجدُّد الاهتمام الأميركي بليبيا عن الحرب مع إيران. فقد أشعل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أزمة خطيرة حول مضيق هرمز، ذلك الممر الذي تمرُّ منه خمس الإمدادات النفطية العالمية.

وارتفعت الأسعار فوق 115 دولاراً للبرميل، واضطرت واشنطن إلى الإفراج عن نحو 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ضمن تخفيض منسَّق مع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، مما دفع الاحتياطيات إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل الثمانينيات.

على هذه الخلفية، أصبحت ليبيا جاذبة على وجه التحديد لأنها تقدِّم بديلاً لا يعتمد على هرمز: قربها من أوروبا، وخامها الخفيف الحلو الذي يناسب مصافي التكرير الأوروبية بشكل خاص.

وكما لاحظ المحللون مراراً، فإن معوق البلاد هو الحوكمة لا الجيولوجيا. فمع الاستقرار السياسي، يمكن أن يرتفع الإنتاج إلى ما يزيد كثيراً عن مليوني برميل يومياً، مما يوفِّر وسادة ضد المزيد من الاضطرابات في الخليج.

وتعمل حرب إيران، بهذا المعنى، كمسرِّع ومبرر علني لاهتمام سابق للصراع، مع أنه لا ينبغي المبالغة في حدوده. فالإنتاج الليبي لا يمكنه وحده إعادة تشكيل العرض العالمي بشكل حاسم؛ بل أثره الحقيقي يتم عبر توقعات السوق والثقة وليس عبر الحجم الخام.

رؤية تركيا الإقليمية

ترتكز مصلحة تركيا في ليبيا على منطق مختلف جوهرياً عن منطق واشنطن. فبالنسبة لأنقرة، لم تكن الأولوية النفط أبداً، بل استقرار ليبيا، والحفاظ على سلامتها الإقليمية، وتحقيق المطالب الشعبية، وفي مقدمتها الانتخابات الحرة والتمثيل الشرعي. وهذا التمايز يتضح أكثر عند مقارنته بمسار العقد الماضي في ملف ليبيا.

في عام 2019، بينما كان حفتر يحاصر طرابلس ويهدد باجتياح الحكومة المعترف بها دولياً، وقَّعت تركيا اتفاقية تعاون عسكري ومذكرة ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوحدة الوطنية، ثم تدخَّلت لإيقاف تقدمه في 2020.

وهذا التدخُّل لم يقتصر على إنقاذ طرابلس، بل أربك أيضاً النظام الجيوسياسي الذي كانت اليونان وفرنسا وغيرهما تحيكه في شرق المتوسط، حيث أن الاتفاق البحري التركي الليبي أبطل فعلياً أساسه القانوني والعملي.

وفي الفترة نفسها تقريباً، دعمت تركيا المطالب الثورية للشعب السوري، ومن خلال عملياتها العبر حدودية، فكَّكت محاولات حزب العمال الكردستاني لترسيخ هيكل شبه دولة في شمال سوريا، والتي بلغت ذروتها بسقوط نظام الأسد. كما أثَّرت أنقرة على الميزان الإقليمي في القوقاز من خلال دعمها لأذربيجان، ولعبت دوراً فاعلاً في كسر الحصار المفروض على قطر.

وبشكل إجمالي، حوَّلت هذه التحركات ملف ليبيا من مسرح كانت تركيا تعمل فيه في مواجهة ظروف غير مواتية، إلى مسرح أصبحت فيه الفاعل الحاسم على الأرض.

والنتيجة بالنسبة لواشنطن واضحة: لا يمكن تحقيق تسوية دائمة في ليبيا دون الأخذ في الاعتبار التوازن العسكري والسياسي الذي بنته تركيا فعلياً. ويبدو أن هذا الإدراك هو ما يدعم التحول الذي يتبلور في مسار بولس، والذي ليس محاولة لتهميش أنقرة، بل جهداً للعمل إلى جانبها.

اللقاء الأخير بين رئيس المخابرات التركي إبراهيم كالين واللواء صدام حفتر في بنغازي، ومشاركة وزير الخارجية هاكان فيدان في اجتماع القاهرة إلى جانب بولس، وزيارة البحرية التركية إلى بنغازي، وأول مناورات مشتركة تضم قوات من شطري ليبيا، كلها تشير إلى نتيجة واحدة: هذه ليست مؤشرات على تنافس، بل على فاعلين يعملون بشكل متزايد وفق النص نفسه.

التعاون الأميركي التركي في ليبيا

ما يستحق تأكيداً خاصاً هو أن واشنطن وأنقرة لا تديران مشروعين متعارضين في ليبيا. بل يبدو أن الولايات المتحدة توصلت، بعد أكثر من عقد من السياسات الهادفة إلى احتواء النفوذ التركي في المنطقة، إلى أن الاستراتيجية لم تُسفر عن النتائج التي كانت توعد بها، وأن ملف ليبيا لا يمكن ببساطة إدارته دون أنقرة. وهذا الإدراك يشير إلى أن التقارب الذي بدأ بشأن سوريا يجد تعبيراً موازياً له في ليبيا.

أولوية تركيا تبقى الاستقرار والسلامة الإقليمية وليس الهيدروكربونات؛ بينما تبقى أولوية واشنطن أمن الطاقة وشروط الاستثمار. لكن هذه لم تعد تعمل كأهداف متعارضة؛ بل أصبحت متكاملة. فليبيا المستقرة تخدم العاصمتين معاً، ويبدو أن واشنطن قبلت بأن تركيا هي الفاعل الأكثر تأهيلاً على الأرض للمساعدة في تحقيق ذلك.

المقارنة مع سوريا مفيدة. ففي كلتا الحالتين، تجد واشنطن نفسها مضطرَّة للتكيف مع تركيا القادرة على تشكيل النتائج بشكل مستقل، والتي فاجأت مراراً محاولات احتوائها. وما إذا كان هذا يترجم إلى شراكة ملموسة في ليبيا سيتوقف على كيفية سير مفاوضات حفتر والدبيبة، وما إذا كانت تركيا قادرة على أداء دورها في هذه العملية دون المساس بالأولويات التي حددت سياستها الليبية منذ البداية: الاستقرار، والوحدة، وتحقيق المطالب الشعبية المشروعة.

أما الآن، فإن ما يمكن ملاحظته هو تحوُّل من المواجهة إلى تفاهم عملي بين فاعلين يسعيان لأولويات مختلفة لكنهما يتقاربان، في الوقت الحالي، نحو الهدف نفسه: ليبيا مستقرة. ويبقى هذا المثال هو الاختبار الأوضح لما يمكن لهذا النموذج الناشئ من التعاون أن يقدِّمه فعلياً.

***

محمد راغب أوغلو – محاضر في جامعة ماردين آرتوقلو، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ومدير الدراسات التركية في مركز مخا.

_________________

مقالات مشابهة