كيرستن كنيب

لأول مرة، يشارك ممثلون من كلا طرفي الانقسام السياسي في ليبيا في مناورة “فلينتلوك” العسكرية متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة. فهل يمثل هذا بارقة أمل مشروطة لإعادة التوحيد؟
يتدرب جنود من نحو 30 دولة على مكافحة الإرهاب، وممارسة التعاون الدولي، والسعي لتعزيز الاستقرار الهش في المنطقة، ضمن مناورة “فلينتلوك” العسكرية المشتركة بقيادة الولايات المتحدة. تجري التدريبات في ليبيا وساحل العاج حتى نهاية أبريل/نيسان.
وبالنسبة لليبيا، المنقسمة بين إدارتي شرق وغرب بعد سنوات من الحرب الأهلية، فإن مشاركة ممثلين من كلا الشطرين في التمرين لأول مرة تحمل دلالة بالغة الأهمية.
تقارب مرئي
قالت هاجر علي، عالمة السياسة في معهد “غيغا” الألماني للأبحاث (مقرّه هامبورغ)، لموقع دويتشه فيله: “على العموم، تمثل هذه خطوة سياسية لافتة حقاً”. وأضافت أن “فلينتلوك” جزء من تنسيقية تدريبات عسكرية راسخة بقيادة أمريكية، لكن الموقع والمشاركين يحدثان فرقاً هذه المرة.
وأشارت إلى أن “إجراء التمرين في ليبيا لأول مرة ومشاركة كلا المعسكرين المتنافسين يشكلان سمة خاصة”، مذكرة بأنه يندرج بوضوح ضمن الجهود طويلة الأجل لتوحيد القوات المسلحة المجزأة منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
ويوافقه الرأي مايكل باور، رئيس مكتب مؤسسة كونراد أديناور في تونس، قائلاً: “المصافحة العلنية بين المعسكرين المتنافسين تمثل علامة نادرة ومرئية على التقارب”. وأضاف لموقع DW أن هذا يثبت إمكانية التعاون، على الأقل على المستوى العملياتي، وإن كان لا يزال تحت وساطة خارجية، خاصة من الولايات المتحدة.
دولة مختلة وظيفياً
هذا التقارب الحذر تحت الضغط الأمريكي يشمل دولة لا تزال بالكاد تعمل كدولة. فوفقاً لمؤشر “برتلسمان” للتحول 2026 الصادر حديثاً: “تفتقر البلاد إلى هيكل حكومي موحد وفعال، مع فصل واضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية”.
بمعنى آخر، تتوزع السلطة السياسية والاقتصادية بين حكومات متنافسة وجماعات مسلحة وفاعلين إقليميين آخرين، مما ينتج بيئة سياسية مجزأة تعيق إرساء حكم ديمقراطي فعال.
منذ عام 2014، ليبيا منقسمة بين حكومتين متنافستين: في الغرب، حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس؛ وفي الشرق، حكومة الاستقرار الوطني في طبروق، المدعومة من الجنرال خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي.
على هذه الخلفية، يبقى أي شكل من أشكال التعاون لافتاً، والتمرين العسكري ليس المثال الوحيد. فمؤخراً، ولأول مرة منذ سنوات، تم اعتماد ميزانية وطنية موحدة. يرى خبير شمال أفريقيا باور في ذلك “علامة ملموسة على التقارب المؤسسي”، لكنه يحذر من التوقعات غير الواقعية.
وترى هاجر علي أيضاً أن هذه مجرد خطوة ممكنة في مسار أطول. وقالت: “الميزانية الموحدة قد تساعد في إعادة توازن هياكل السلطة الاقتصادية، خاصة تجاه فاعلين مؤثرين مثل الجنرال خليفة حفتر الذي يحكم شرق البلاد وشبكته المتغلغلة بعمق في البنى الاقتصادية الليبية”. وأضافت أنه على الأقل، تمثل محاولة لتركيز النفوذ السياسي والاقتصادي بشكل أقوى.
عوامل أخرى مؤثرة
يؤكد المحللان أن الدوافع الكامنة وراء التمرين العسكري بقيادة أمريكية تمتد إلى ما هو أبعد من ليبيا، لتركّز على مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بأكملها، والانتشار المتزايد للأسلحة هناك (نتيجة للحرب في السودان مثلاً)، وجهود دحر النفوذ الروسي. وتشير هاجر علي بشكل خاص إلى الوجود الروسي في شرق ليبيا، قائلة: “الولايات المتحدة تحديداً تسعى بوضوح لمواجهة هذا بقوة”.
وبسبب موقعها الجغرافي في شمال أفريقيا ومواردها النفطية، أصبحت ليبيا مسرحاً للتنافس الاستراتيجي الدولي بشكل متزايد. وقد ذكر معهد الشرق الأوسط (مقره واشنطن) مؤخراً: “إنتاج ليبيا من النفط، المستقر حالياً بترتيبات غير رسمية لكنه هيكلياً هش، بات أكثر أهمية من المعتاد”.
قد يشكل هذا فرصة لليبيا، لكن الديناميكيات السياسية الداخلية تظل غير قابلة للتوقع، كما أن الأسئلة الجوهرية حول توزيع السلطة والموارد لا تزال محل نزاع بين مراكز القوى المتنافسة. ويقول تحليل المعهد: “من غير المرجح أن يُحسم موضوع الخلافة في ليبيا عبر آليات قانونية رسمية فقط”. ومن غير المرجح أن تحدث علامات التعاون المعزولة فرقاً كبيراً في معالجة هذه المشكلة البنيوية.
توترات اقتصادية
قدّر صندوق النقد الدولي في دراسة حديثة: “المسار المالي الحالي لليبيا غير مستدام. العجز المالي الكبير المتواصل يزيد الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية والتضخم”. ويشكل ارتفاع الإنفاق العام والتضخم وضغوط العملة ضغطاً على السكان ويفاقم التوترات الاجتماعية. وقد طالما اعتبرت الإصلاحات ضرورة ملحة، لكنها تظل صعبة التنفيذ سياسياً.
وبالرغم من مؤشرات التعاون الأخيرة، يرى المحلل مايكل باوير فرصة ضئيلة في المستقبل القريب لإحراز تقدم جوهري بين الأطراف المتصارعة وقادتها. وقال لموقع DW: “الانقسام يمنحهم إمكانية الوصول إلى الموارد ويضمن نفوذهم”. وأضاف خبير شؤون ليبيا: “محاولات التعاون المحدودة حتى الآن لم تكن أكثر من تعاون يراه الطرفان مفيداً لهما”.
بالنسبة لليبيين، هذا يعني أن التعاون في التدريبات العسكرية والميزانية الوطنية قد يكون خطوة أولى. لكن ما دام الفاعلون السياسيون الرئيسيون يواصلون جني الأرباح من انقسام ليبيا والحفاظ على هياكل قوتهم، فمن المرجح أن تبقى ليبيا القوية والموحدة مجرد وهم.
***
كيرستن كنيب – محرر سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط
________________