المهدي هندي

في لحظة تتكاثر فيها الضغوط الدولية وتتزاحم فيها المبادرات السياسية على المشهد الليبي المتقلّب، دفعت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (واشنطن) بقراءة نقدية جريئة، تطالب فيها بإعادة النظر في المقاربة التي تتبناها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
التحليل لم يكتفِ بمجرد تسجيل الملاحظات، بل ذهب أبعد من ذلك ليقول بوضوح إن سلطات الأمر الواقع تحوّلت إلى شريك أساسي في إدامة الأزمة، مستفيدة من مسارات تقاسم السلطة التي تحولت إلى بوابة واسعة للتعطيل والمماطلة.
وتقترح الورقة أن يتوقف المجتمع الدولي عن التعاطي مع «التوافق» كشرطٍ يشل كل خطوة، ويعيد تعريفه كهدف يُبنى عبر مسار مختلف تمامًا، عنوانه الإصلاح الحقيقي لا تدوير الوجوه ذاتها.
تشير كارنيغي إلى أن الجداول الزمنية التي فُرضت على الأطراف الليبية لم تكن سوى مواعيد شكلية بلا قدرة على التنفيذ، فأسهمت في تقويض شرعية الحكومات الموقتة.
والحل – من وجهة نظرها – ليس في الإسراع، بل في نهج تدريجي متماسك، يُبنى على ثقة متبادلة وإصلاح مؤسسي فعلي، مع وجود مراجعات دورية تمنع الأطراف من استغلال الوقت كأداة لكسب النفوذ لا لبناء الدولة.
من ناحية أخرى تدعو الورقة إلى فهم «النضج السياسي» ليس كمرحلة صامتة من الترقّب، بل كعملية شاملة لإعادة ترتيب البيت الليبي من الداخل: توسيع المشاركة، فتح الأبواب أمام المجتمع المدني، وكسر احتكار القرار السياسي.
وتُلمِح إلى أن الملفات القضائية الدولية قد تكون إحدى الأدوات القادرة على دفع النخب إلى التنازل، ليس حبًّا في التوافق، بل خشية من تبعات المساءلة.
ترى كارنيغي أن البعثة الأممية يجب أن تُمسك بزمام المبادرة، وأن تتحول من مجرد وسيط إلى منسّق يضبط إيقاع الأطراف الإقليمية، ويربط دعمها بتحقيق خطوات سياسية قابلة للقياس، لا بصفقات آنية تُستبدل فيها المصلحة الليبية بحسابات ضيقة.
وعلى الرغم من إطلاق البعثة الأممية أخيرًا مبادرة «الحوار المهيكل»، إلا أن طريقها يبدو غير معبّد:
• غياب الشفافية في اختيار المشاركين أثار مخاوف من إعادة إنتاج المشهد نفسه.
• رفض الجبهة الشرقية جعل المبادرة تولد وسط عاصفة سياسية لا تقل ضجيجًا عما سبقها.
• والخشية الأكبر أن يتحول الحوار إلى جسر لإطالة عمر البعثة بدلًا من إحداث اختراق حقيقي.
إنّ ما تحتاجه ليبيا اليوم لا يشبه ما جُرّب بالأمس ولا ما انهار من قبله. فالأزمة لم تعد أزمة نصوص واتفاقات، بل أزمة إرادة ومساءلة وغياب مشروع وطني جامع.
وإذا كانت كارنيغي قد رفعت صوتها محذّرة، فإن رسالتها تبدو أقرب إلى نداءٍ أخير:
لن ينهض المسار الليبي إلا حين تتغيّر فلسفة التدخل الأممي من إدارة الوقت إلى صناعة المعنى، ومن إرضاء السلطات القائمة إلى خدمة الدولة، ومن تدوير الحوارات إلى صناعة طريق واضح نحو المستقبل.
وليست بلادنا بحاجة إلى خريطة طريق جديدة بقدر حاجتها إلى إرادة صادقة تقر بأن البلاد تستحق أكثر من تسويات موقتة ومكاسب صغيرة.
فالأسئلة الكبرى ما زالت تنتظر إجابات كبيرة:
هل يمكن للسلطات القائمة أن تتحمّل مسؤولية اللحظة؟
وهل يستطيع المجتمع الدولي أن يتعامل مع ليبيا كدولة لا كساحة؟
وإلى أن تتشكّل هذه الإجابات، سيظل المسار الليبي مهددًا… لا لأن الحل بعيد، بل لأن الإرادة التي تحمله لم تصل بعد إلى النضج الذي تصفه كارنيغي، ولا إلى الشجاعة التي تحتاجها البلاد لتبدأ من جديد.
____________
