
تتوالى شراكات ليبيا مع كبرى شركات الطاقة، وتنتظر أن تجني ثمار أكبر مناقصة تطرحها منذ نحو عقدين من الزمن يوم 11 فبراير الجاري، وسط آمال عديدة بأن تعزز إيرادات نفطية تمثل أكثر من 90% من موازنة البلاد رغم تحديات توترات أمنية أحدثها اغتيال سيف الإسلام القذافي قبل أيام.
حجم التفاؤل الذي يبديه خبراء اقتصاد وطاقة واستراتيجيات في حديث لـ«إرم بزنس» أكبر من مسار تشاؤمي تفرضه التحديات والمخاطر، متوقعين ضخ نحو 20 مليار دولار وزيادة كبيرة في الإنتاج ونقلة غير مسبوقة في تاريخ القطاع، وسط مخاوف أن يجمد اتساع أي توترات أمنية وسياسية أي استثمارات كبرى ينتظر أن تترجمها شراكات ومناقصة 11 فبراير في أرقام إيجابية لاقتصاد البلد الذي تشهد عملته المحلية تراجعاً لافتاً في نحو عام أمام الدولار.
وبحسب بيانات رسمية، سجل قطاع النفط الليبي خلال عام 2025 أعلى معدل إنتاج يومي منذ أكثر من 12 عاماً، بلغ نحو 1.374 مليون برميل يومياً، مع إدخال حقول جديدة إلى الخدمة.
وتقدر احتياطيات ليبيا شبه الرسمية بنحو 48.8 مليار برميل نفط و1.4 تريليون متر مكعب من الغاز، فيما يشكل النفط قرابة 96% من الصادرات ونحو 98% من إيرادات خزينة الدولة، وسط اضطرابات متكررة منذ العقد الماضي جراء انقسام سياسي بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب.
شراكات ومناقصة مرتقبة
وأواخر يناير الماضي، اختتمت «قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد 2026» أعمالها في طرابلس، بمشاركة 62 شركة دولية، بينها 19 شركة فرنسية، و17 شركة أميركية، و16 شركة من المملكة المتحدة، إضافة إلى 6 شركات إيطالية و4 شركات تركية.
وأبرز مخرجات القمة تمثلت في توقيع اتفاق تطوير طويل المدى لمدة 25 عاماً ضمن شركة «الواحة للنفط»، بالشراكة مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، وفق ما ذكره رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عبر منصة «إكس».
وبحسب البيانات الرسمية، يتوقع أن تحقق هذه المشاريع صافي إيرادات للدولة الليبية تتجاوز 376 مليار دولار على مدى فترة الاتفاق، من دون تحميل الخزانة العامة أعباء تمويلية إضافية.
وكشف وزير النفط الليبي، خليفة عبد الصادق، بالقمة ذاتها عن قرب طرح جولة ثانية من العطاءات النفطية، موضحاً أن هناك استجابة دولية قوية للجولة الحالية، (التي تعد الأولى منذ 17 عاماً) تشمل 22 منطقة برية وبحرية، على أن تظهر نتائجها النهائية خلال فبراير.
وفي 3 فبراير، كشف رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مسعود سليمان، في تصريحات، أن ليبيا ستعلن أسماء الفائزين في جولة المناقصات يوم الـ11 من فبراير الجاري، لافتاً إلى أن«نحو 37 شركة من آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية والشرق الأوسط وإفريقيا شاركت فيها ومن بين هذه الشركات «شيفرون» و«إيني» و«كونوكو فيليبس» وتحالفاً يضم «ريبسول».
ولفت سليمان إلى أن «ليبيا لديها احتياطيات غاز تبلغ 80 تريليون قدم مكعبة وتعتزم رفع إنتاجها من الغاز إلى ما يقارب مليار قدم مكعبة قياسية يومياً، والبدء في التنقيب عن الغاز الصخري في النصف الثاني من العام الجاري»، وفق وكالة «رويترز».
وفي 30 يناير الماضي، قال مايك ويرث الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون»، إن شركة النفط الأميركية الكبرى تجري محادثات مع حكومة ليبيا للنظر في حقول نفط قائمة قيد الإنتاج وتقييم فرص التنقيب، وفقاً لـ«رويترز».
تفاؤل حذر
ويعول المستشار السابق بوزارة النفط والخبير بقطاع الطاقة أحمد الغابر، في حديث لـ«إرم بزنس»، على تحقيق بلاده «خطوات مهمة في قطاع الطاقة»، إلا أنه يرى أنه «رغم الحضور الدولي الكبير في مؤتمر قمة النفط والغاز وما تم الإعلان عنه من شراكات لتطوير حقول واكتشافات نفطية وغازية ونتائج مرتقبة لمناقصة إلا أن الوضع السياسي واللوجستي والأمني مرتبك ومعضلة كبيرة تجعل الشركات تراجع حساباتها».
ويرجع الدفع من جانب المسؤولين بهذه المشاريع النفطية والشراكات والمناقصات «محاولة لأن يسمح الوقت لاحقاً في بدء تنفيذها مع التوصل لأي تفاهمات دون تعطيل أكثر في الوقت»، وفق الغابر.
ضرورة مالية
لكن رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي أحمد القماطي، يرى في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «عودة ليبيا لفتح قطاع النفط والغاز أمام المستثمرين الأجانب بعد قرابة عقدين ضرورة اقتصادية مالية فرضتها أربعة عوامل رئيسية».
أول هذه العوامل بحسب القماطي، «الضغط المالي المتصاعد الناجم عن توسع الإنفاق العام الجاري وهشاشة الإيرادات غير النفطية والاعتماد شبه الكامل على العوائد النفطية لتمويل الميزانية وسعر الصرف،
وثانيها، تآكل القدرات الإنتاجية نتيجة بنية تحتية متقادمة ونقص الاستثمارات الرأسمالية منذ 2011،
وثالثها الفرصة الجيوسياسية خاصة مع بحث أوروبا عن بدائل مستدامة للغاز الروسي بينما يعد موقع ليبيا الجغرافي وقربه من الأسواق الأوروبية ميزة تنافسية نادرة،
ورابعاً، محدودية الحلول المحلية، خاصة والمؤسسة الوطنية للنفط لا تملك وحدها التمويل والتكنولوجيا والدولة الليبية غير قادرة مالياً أو مؤسسياً على قيادة توسع كبير دون شراكات أو مناقصات».
وتشير البيانات الرسمية إلى أن استخدامات النقد الأجنبي بلغت 31.1 مليار دولار خلال 2025، بعجز يقارب 9 مليارات دولار، بسبب تراجع الإيرادات النفطية فيما بلغ إجمالي الإيرادات العامة للدولة (136.8696) مليار دينار وسجل، إجمالي الإنفاق العام (136.8) مليار، خلال 2025.
وفي 18 يناير الماضي، قرر مصرف ليبيا المركزي، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، وذلك في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، عقب تخفيض قيمة العملة بنسبة 13.3% في أبريل 2025، والذي حدد سعر الصرف وقتها عند 5.5677 دينار للدولار، وذلك في أول خفض رسمي منذ عام 2020، عندما حُدِّد السعر رسمياً عند 4.48 دينار للدولار.
مساران متوقعان
وعن إمكانية جذب ليبيا عمالقة الطاقة، يطرح القماطي «عوامل إيجابية تشمل وجود احتياطيات ضخمة نفط + 80 تريليون قدم³ غاز) وتكلفة استخراج منخفضة نسبياً، وتوفر عقوداً طويلة الأجل كما في اتفاق توتال حتى 2050، ووجود شركات كبرى فعلاً في جولة المناقصات (Chevron – Eni – ConocoPhillips – Repsol)، مقابل مسار مخاطر يتمثل في الانقسام المؤسسي، وهشاشة الإطار القانوني والاستثماري، ومخاطر توقف الإنتاج بسبب أحداث غير اقتصادية».
ويحسم أستاذ الاقتصاد الليبي تقديراته، قائلاً إن «ليبيا قادرة على جذب عمالقة الطاقة لكن بعقود محسوبة المخاطر»، مرجحاً أن «ترسل نتائج جولة المناقصات رسالة إيجابية للأسواق تضاف لشراكات يناير»، محذراً من «أي اضطراب سياسي أو أمني سيؤدي إلى تجميد الاستثمارات فوراً».
ويرى خالد بوزعكوك، رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والمحلل الاقتصادي، في حديث لـ «إرم بزنس»، أن نجاح المناقصة المرتقبة يعزز خطة المؤسسة الوطنية للنفط في جذب استثمارات لتعزيز قدرات الإنتاج ورفعه إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2030، واستكشاف وتطوير الحقول غير المستغلة، وتطوير البنية التحتية للقطاع النفطي.
وأوضح أن «سيطرة القوات المسلحة الليبية وبسط نفوذها وتأمين هذا القطاع المهم الذي يشكل شريان ليبيا الاقتصادي ساعد في عودة تلك الشراكات وهذا التواجد الكبير بالمناقصة بعد ما كانت هناك تحديات أمنية سابقة»، وفق بوزعكوك.
فرص لمسار إيجابي
ويعتقد الخبير الاستراتيجي الليبي، الهادي علي أحمد عبد القادر أيضاً، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنه «لم تتقدم 37 شركة عالمة للمناقصة للمجازفة، بل لوجود فرصة قابلة للقياس» لافتاً إلى أنه مع «إعلان الفائزين بالمناقصة يعني ارتفاعاً فورياً في مؤشر الثقة الدولية».
ويتوقع عبد القادر في المدى القصير (1-3 سنوات) أن تزيد العقود ويتم توظيف أعداد أكبر من الليبيين وتحفيز قطاعي الإنشاءات والخدمات، مع تطلعات في مدى متوسط بين 3_7 سنوات أن يزداد الإنتاج والصادرات وتعزيز الاحتياطي النقدي، مع نتائج أكبر على المدى الطويل بين 7 إلى 25 سنة، مرجحاً حال سارت الأمور في مسار إيجابي دون أي اضطراب أن تكون «شرارة استثمار أولية لا تقل عن 20 مليار دولار، مع نقلة اقتصادية لليبيا من 2026 إلى 2050».
____________