حاورها رشيد خشانة

أكدت الدكتورة راضية رجباني ضرورة إيجاد شكل جديد من أساليب الإنتاج والإدارة، في بلدان الساحل الجنوبي للمتوسط، لكي تصبح جسورا للتكامل الاقتصادي. وحضت في حوار مع «القدس العربي» على التشبيك بين نساء ليبيا ونساء تونس والجزائر، وبناء القدرات النسائية، وخاصة في المجال السياسي والانتخابي.

والدكتورة رجباني هي ممثلة سيدات الأعمال الليبيات في «المجلس القومي للمرأة الليبية» وعضو مؤسس للجنة سيدات الأعمال في غرفة التجارة والصناعة بليبيا منذ 2012.
«
القدس العربي» حاورتها على هامش مشاركتها في ندوة دولية بتونس حول التنمية وتنظيم المشاريع عبر الحدود، وهنا نص الحوار:

ما هو المجلس القومي للمرأة الليبية، وما دوره؟
تأسس المجلس القومي في السنة الماضية وتحصل على شرعية وجوده من مجلس النواب. والهدف الرئيسي من بعثه هو العناية بأوضاع المرأة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأول مبادرة قامت بها رئيسة المجلس الدكتورة فوزية الشريف طبيبة، بعد انبعاث المجلس، هي توزيعه هيكليا إلى ثلاث مناطق هي الشرقية والغربية والجنوبية، لكي يكون شاملا وممثلا لكل ليبيا. ونحن نعول عليه للمحافظة على وحدة ليبيا. والمجلس موزع على 250 إدارة محلية.

ما هو وزن هذا المجلس، كم عدد أعضائه مثلا؟
عدد الأعضاء يبلغ حوالي ستين ألفا، وأنا أضطلع فيه بمهام عدة، من بينها تسيير الإدارات (الفروع) في المنطقة الغربية. ونحن نسعى من أجل ذلك، إلى التشبيك بين نساء ليبيا ونساء تونس والجزائر، ونحاول بناء القدرات النسائية، وخاصة في المجال السياسي والانتخابي.

هناك جدران شاهقة في جنوب المتوسط، بين البلدان المُتشاركة في الحدود، دوافعُها سياسية، كيف يمكن معالجتها؟
فعلا لطالما اعتُبرت الحدود في بلدان الساحل الجنوبي للبحر المتوسط مصدرا رئيسيا للخلاف والتوتر. كما يُشار إليها، باعتبارها عائقا أمام أي عمل من أعمال التخطيط للتنمية. علاوة على ذلك توصمُ بلدانها بأنها المصدر الرئيس للفقر والتهميش، وبالتالي للهجرة غير النظامية والتجارة الموازية والتطرف العنيف. بهذا المعنى بات من الضروري إيجاد شكل جديد من أساليب الإنتاج والإدارة لهذه المناطق الحدودية المُهمشة والفقيرة. كما أن مبدأ الحكم الرشيد للإدارة وممارسة الرقابة أصبحا اليوم حتمية لمساعدة المناطق الحدودية على التطور وتحسين مستوى معيشة سكانها.
هذا هو المبدأ الأساسي للعمل عبر الحدود الذي تستثمر فيه جمعيتنا «المتوسط» الغنية بخبرتها الممتدة على مدى عشر سنوات، والتي تحاول بوسائلها نقل المعلومات إلى السكان في هذه المساحات العابرة للحدود، وبالتالي فإننا نعمل على تغيير نظرة هذه المناطق لحياة السكان اليومية، وقرارات السلطات ورُواد المشاريع في القطاعين العام والخاص، لكي نُقنعهم بأن تلك المناطق الحدودية ستكون عاملا من عوامل التنمية والعلاج الشافي لمواجهة الخلل الإقليمي المتزايد، في البلدان المغاربية. وبذلك نأمل أن تنتقل تلك الأراضي العابرة للحدود من منطقة فقيرة غير ساحلية ومهمشة إلى منطقة مفتوحة يُديرها ويُقرر مصيرها سكانُها. ومن ثمة يمكنها الوصول إلى المواطنة الحقيقية، وهذا ما يمكن تسميته بـ«الأقاليم الذكية».

تطرقت الندوة الدولية التي شاركت فيها مؤخرا في تونس بعنوان «التنمية وتنظيم المشاريع عبر الحدود» إلى محاور عدة، كيف يمكنك تلخيص الإضافة التي جاء بها الخبراء المشاركون في الندوة؟
أولا رمت الندوة إلى استكشاف الحدود في البحر المتوسط من منظور جنوب – شمال من أجل معرفة أكبر بثرواتها الخفية، بُغية تحسين مستويات عيش سكانها. ومن المحاور الأساسية أيضا دور المرأة في المشاريع العابرة للحدود والهجرة والأنشطة الريفية والحضرية عبر الحدودمن هنا طُرح موضوع المشاركة النسائية في الانتخابات واحتمال إيجاد كوتا لهن. والحمد لله أن المجلس القومي وجه رسالة إلى المفوضية العليا للانتخابات، حول تعزيز مشاركة المرأة في الهيئات المنتخبة، وتم التجاوب مع الرسالة، بما يُعزز مكانة المرأة مستقبلا في تلك الهيئات.

عمليا ماذا يعني ذلك؟
كانت المرأة ممثلة بمقعد واحد في المجالس البلدية، واليوم هي ممثلة إجباريا بثلاثة مقاعد في كل مجلس، وهذا يُعتبر كسبا مهما، إذ أننا استطعنا في وقت وجيز أن نقطع شوطا كبيرا نسبيا.

منذ انتفاضة 2011 التي أتت لإصلاح الظلم وإنهاء التهميش اللذين كانت تعاني منهما السيدات، ظهرت عدة جمعيات وهياكل تُدافع عن حقوق المرأة الليبية، لكن لم يصدر تشريع واحد يخص تحسين أوضاع النساء، لماذا برأيك؟
بسبب الوضع السياسي، وتحديدا عدم الاستقرار فهما المسؤولان عن ذلك. حتى الدستور، أبو القوانين، ما زال إلى اليوم في طور المراجعة، ولم يخرج في صيغته النهائية. بالمقابل، تم سن قانون يخص تشكيل لجنة متخصصة باعتماد النقابات والروابط المهنية. وأتوقع أن يبدأ اعتماد النقابات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني الشهر المقبل. كما ستنشأ رابطة لنساء الأعمال.

يُقال إن الأوضاع الاجتماعية للمرأة الليبية أعسر من أوضاع زميلاتها العربيات، هل هذا صحيح؟
لا، الأمر ليس كذلك. كل ما في الأمر أن بعض السلبيات تظهر، فتطفو على السطح ويتداولها كُثرٌ، أما العناصر الإيجابية فتُعتبر وضعا طبيعيا وسرعان ما تُنسى. لكن نحمد الله أن المرأة ما زالت قوية وثابتة.

على الرغم من تحرر المجتمع من الاستبداد اعتبارا من 2011 لم يُسن أي قانون لصالح المرأة، ما السبب؟
قبل انتفاضة 2011 لم يكن هناك مجتمع مدني ولا حقوق للمرأة. بعد ذهاب النظام السابق أصبحت هناك عناصر قادرة على إفراز مجتمع مدني أسوة بالمجتمعات العربية الأخرى. صارت هناك جمعيات تقودها نساء وهناك ناشطات في المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي. نشعر الآن أن المرأة بدأت تأخذ دورها وقد تعززت مكانتها في المجتمع. وهذا ما ننتظره من «المجلس القومي للمرأة الليبية».

في دراسة عن المرأة وسوق العمل في ليبيا أعدها محمد تنتوش وهالة بوقعيقيس تطرقا لغياب الأمن عن سوق العمل، ما يجعل النساء يستنكفن من الاقبال على شغل خارج البيت، هل توافقين على هذا الرأي؟
لا أوافق لأن البطالة تشمل الجنسين، وليس هناك تحيُزٌ ضد المرأة ولا ضد الرجل في سوق العمل. وبالنسبة للمرأة هناك نقص في التوعية وفي معرفة كيف عليهن إدارة مشاريعهن. لذلك أقول إن لدينا نقصا في التدريب والتكوين. أما فرص العمل فهي متساوية تقريبا سواء بالنسبة للرجال أو النساء.

هل المجتمع المدني مُقصرٌ تجاهها؟
نستطيع أن نقول ذلك. وبحكم أن تجربة انضمام السيدات إلى سوق العمل حديثة وجديدة، تحتاج المرأة إلى مستويات أعلى من التدريب بحيث تكون النتائج أعمق وأسرع.

في بعض مناطق ليبيا يُطلقون على المرأة نعت «النفاقة» (بتشديد النون والفاء) أي أنها هي التي تُنفق، فهي بمثابة وزير المالية، هل هذه الصورة صحيحة؟
فعلا، وهذه ميزة بالنسبة لنا، فغالبية النساء في سوق العمل لا يعرفن كيف يُحولن مشروعهن من غير رسمي إلى رسمي. مع ذلك المرأة هي المخططة في العائلة الليبية، بالرغم من الصورة السلبية التي تُنقل عنها، خاصة في الغرب.

في مناطق الغرب الليبي تعتمد صناعة النسيج على الفتيات والسيدات، ويتسم المجتمع هناك بالانفتاح. لماذا المجتمع الليبي مُنفتحٌ في الغرب أكثر من الشرق؟
يعود السبب أساسا إلى طبيعة السوق وحجم المبادلات التجارية، وهي ظاهرة نلاحظها في الجنوب أيضا، حيث الأسواق والواحات مثل جادو وغدامس، وحيث ينفتح المجتمع على بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. وكان هناك سوق عمل كبير في مجال المبادلات مع أفريقيا، لكن الضوء لا يُسلط على هذه المنطقة، بالرغم من بصمتها الواضحة في التراث الثقافي الليبي. وأبدعت الحرفيات في الجنوب في ممارسة فن السعف. كما استخدمن المواد الأولية المحلية مثل بقايا النخيل والحلفاء لإبداع منتوجات أصيلة تُصدر لأسواق في الخارج.

ربما السبب هو أنها مُهمشة؟
ليست هي فقط المُهمشة، فالجنوب كله مهمشٌ. ولذلك تبوأ موضوع إيجاد مشاريع عابرة للحدود، مكانة خاصة في ندوتنا الدولية هذه، بحثا عن دروب تعاون وتكامل جديدة، تشمل مشروع غدامس في ليبيا، تكاملا مع الجزائر ومع وازن وتطاوين وذهيبة وراس جدير في تونس، وكذلك مع واحة غات.

وكيف يتسنى ذلك عمليا؟
بتفعيل الاتفاقات النائمة في أدراج الوزارات والشركات الوطنية، مع الدول العربية والأفريقية، التي ينبغي أن تضم جهودها، بعضها إلى بعض، وتحقق أملا مغاربيا ما زال لم ينطفئ. من هنا وجب التأكيد على أن المرأة المغاربية قادرة على المساهمة في عمل جماعي لاستثمار ثرواتنا. من هنا نحن نطمح إلى التعاون مع مجلس شرعي منتخب وقانوني يتمتع بميزانيته الخاصة وشخصيته القانونية، وهو ما نتوسمه في المجلس القومي للمرأة الليبية.

على الرغم من أن المرأة الليبية شاركت في جميع مراحل انتفاضة 2011 حيث كان حضورها بارزا ومُميزا، وانتقلت من الدفاع عن قضاياها الخصوصية، إلى تبنى المعركة من أجل الحريات وحقوق الانسان والمصالحة الوطنية، وهو كفاحٌ عزز مكانتها الاجتماعية، لاحظنا تراجعا في هذا الدور خلال الفترة الأخيرة، لماذا؟
المرأة هي قائدة البيت والأسرة، وبحسها الوطني أدركت أهمية النضال من أجل تلك المبادئ والأهداف. وكما في البيت كذلك الأمر في المجتمع، إذ تتحمل المرأة المسؤولية الأولى في استقرار العائلة، ومن ثم استقرار الوطن. وقد بدأنا في المجلس القومي بإعداد الدراسات في إطار ذلك الهدف.

يقول بعض الخبراء إن التشريعات الحالية والتقاليد الاجتماعية هما العائق الذي يحول دون امتلاك المرأة الأصول من الأراضي، التي تعود إليها، وتقدر نسبة النساء اللائي يمتلكن عقارات بنحو 12 في المئة فقط من مجمل المالكين والمالكات كيف تفسرين ذلك؟
لم أر ذلك في ليبيا، فحتى الآن المرأة لها حقوقها حسب الشرع وقوانين الميراث. وإذا ما حصلت مشكلة في الميراث فلأن المرأة تقرر أحيانا التنازل عن حصتها من الميراث لأنها تخجل من أن تأخذ شيئا من أبيها أو أخيها. وهذا موجود في بعض المناطق بسبب قلة وعي المرأة بحقها. لكن ليست لدينا مشكلة توريث نساء في مجتمعنا، فالمرأة تفضل أحيانا المحافظة على التماسك الأسري على أخذ نصيبها من الميراث.

الأسرة الشرقية تنشر ثقافة الصمت على الاعتداءات التي تتعرض لها المرأة، وتستخدم في ذلك عبارات مثل «اسكُتي» و«ماذا سيقول عنا الناس» والعُرف يقضي بتزويج الفتاة المُعتدى عليها من مغتصبها، درءا للفضيحة في المجتمع، وبذلك الغطاء «القانوني» يُعفى المجرم من تبعات فعلته، فمتى ستتغير هذه الثقافة؟
هذه حالات فردية، وقد يحدث ذلك في داخل العائلة الواحدة، فيتم اللجوء إلى التزويج للملمة الموضوع والمحافظة على سمعة العائلة واسمها. ولدينا آلاف القضايا في المحاكم في هذا الشأن، ولدينا في ليبيا أيضا كثير من القضاة الرجال والنساء، المتخصصين في هذه القضايا والذين يصدرون أحكاما مُبهرة في فقه القضاء. وفي غالب الأحيان هناك ميلٌ إلى القاضيات أكثر من القضاة لأن المُتقاضية تشعر بأن القاضية أقدر على تفهم وضعها من الرجل. وفي مجتمعنا الاغتصاب خط أحمر لا تُقبل الاستهانة به أو التسامح معه أو اللجوء إلى أي غطاء لإخفائه. بل على العكس، إذا ما حصلت واقعة اغتصاب، فإن الجميع يتعاطف مع الضحية. وهنا لا أبرئ الإعلام من صنع تلك الصورة الخاطئة…

الإعلام يقوم بدوره في البحث عن الحقيقة، وله إسهام مهم في هذا المجال، وخاصة دفاعه عن الطرف الأضعف في المعادلة…
على أية حال نحن نسعى لتعزيز مكانة المرأة، ونشجعها مثلما فعلنا في هذا المؤتمر الدولي حول التنمية في المناطق الحدودية. وقبل أيام احتفلنا بيوم المرأة الليبية وكان الحضور مكثفا من أوساط اجتماعية مختلفة، وتم الاحتفال بتنظيم من المجلس القومي للمرأة الليبية. ونحن نتوجه إلى الشباب والمراهقين بالدرجة الأولى ونمنحهم الفرص، لأننا ندرك أن المساواة الحقيقية بين المرأة والرجل هي المساواة في الفرص. وعلى سبيل المثال بدأت وزارة الصناعة مؤخرا بتنفيذ برنامج «الأسرة المنتجة» وهو مشروع يعود إلى 2009 أي قبل الانتفاضة، وتوقف بعد ذلك. وبفضل هذا المشروع تستطيع المرأة مستقبلا أن تنتج وتبيع من دون توظيف ضرائب أو رسوم.

كما أن ريادة الأعمال يمكن أن تدور حول المشاريع الصغيرة تحت تسمية «المشاريع الصغرى»، المستوحاة من البيئة المحلية مثل الصناعات التقليدية والزراعة والتراث المادي وغير المادي، في إطار التثاقف والتبادل بين البلدان الحدودية. وسيتم في الإطار نفسه إدراج ما نسميه «المشاريع الكبرى»، التي ستركز على قطاعات أكثر إنتاجية لإيجاد المزيد من فرص العمل، وبالتالي من الاستثمارات. ولذلك وضعنا للندوة الدولية التي نحن بصددها، هدفا رئيسا هو محاولة استكشاف القضايا العابرة للحدود في محيط البحر الأبيض المتوسط، وتعزيزها من منظور جنوب ـ جنوب ـ شمال عبر فك رموزها، من أجل استخدام أفضل لثرواتها المخفية، آملين أن يؤدي هذا إلى تحسين مستويات معيشة السكان العابرين للحدود في المنطقة المتوسطية الجنوبية.

__________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *