ذاكرة الصحراءتسلط  الضوء على أهمية الصحراء باعتبارها وعاء ثقافيا خاصا وعالما شديد الانحياز إلى عزلته وتراثه.

الصحراء معلّم حكيم

للصحراء أثرها الكبير في الثقافة العربية، فلا تكاد تخلو واحدة من الدول العربية من منطقة صحراوية، وتركت الصحراء أثرا كبيرا في الأدباء والشعراء وكتّاب الرواية، حتى أن هناك من الروائيين من اختص بالكتابة عنها لما تزخر به من أساطير وحكايات وعوالم ملهمة ضاربة في عمق المخيال والجمال والحكمة.

وفي هذا الإطار وإيمانا بالأهمية الفكرية والأدبية للصحراء أقيمت مؤخرا ضمن البرنامج الثقافي لمعرض مسقط الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين جلسة حوارية للمفكر والروائي الليبي إبراهيم الكوني حملت عنوان “ذاكرة الصحراء” بتنظيم من اللجنة الثقافية للمعرض.

وسلطت الجلسة الضوء على أهمية الصحراء باعتبارها وعاء ثقافيا خاصا وعالما شديد الانحياز إلى عزلته وتراثه وقيمه وأعرافه التي تحكمها أعراف مقدسة مثل كل المجتمعات البدائية التي يشكل فيها العرف أو التابو قانونا للمقدسات، وهو مجتمع يتكئ على الطقس الأسطوري في تفسيره للأحداث الكونية. ومنه استلهم الكوني روايات مثيرة عن الرحلة الوجودية للإنسان.

وفي مستهل الجلسة اعتبر الكوني أن التناول الحداثي للصحراء يتخذ نمطا فيه نوع من التجديف لمن يعتبرون أنفسهم عرّابي الوجود الإنساني.

وتفرض الصحراء شروطها المكانية في علاقاتها المقدسة مع الزمن ومع المكان ومركزيته، ومع الكائنات الأرواحية كالجن وما شابهها، ومع طقوس التضحية والقربان، وعلاقة الصحراء بالفكر الإنساني البدائي تنبني على تصور مّا للقدسية، وبذلك يشكل المقدس في تشكيلاته إطارا للعقل القبلي، والديانات السماوية الكبرى كان لها اتصال وثيق بهذا العالم.

وشدد الكوني على أن الصحراء معلّم حكيم وإلا لما كانت الوصيّ على أنبل ما في الوجود، وهي النبوة التي خرجت من الصحراء، وأنها قادرة على إغوائنا وتقودنا إلى ما هو أعظم من الحسن. وتستدرجنا للبعد اللامتناهي.

وقد لاحظ الكوني مبكرا منذ الستينات، غياب الرؤية الفلسفية في أدبنا العربي المعاصر، لاسيما الروائي منه.

واكتشف لاحقا أن السبب هو غياب الروح الميثولوجية أو غياب استنطاق البعد الميثولوجي في الوجود أو في المكان. ونحن الذين نتعامل بلغة عبقرية وعظيمة وعريقة وثرية كاللغة العربية أكثر من يجب أن يعنى بهذا البعد لأن التراث العربي كله ميثولوجي، الشعر العربي ميثولوجي، والقص العربي القديم ميثولوجي.

وانطلق الكاتب الليبي في مشروعه الأدبي منذ نصف قرن من مفارقة أن تبدع الصحراء لأن شرط الإبداع الروائي، في اعتقاده، هو وجود العلاقة مع تلك البيئة، ولذا من رأى أن المدينة هي عصب العمل الروائي، هو على حق من خلال تنصيب العلاقة سلطانة على الوجود في البعد الروائي.

ولكن عندما حاول الكوني أن يستنطق المكان، اكتشف أن المكان ليس هو الذي يلعب دور البطولة في العمل الإبداعي والروائي وإنما الإنسان الذي يسكن هذا المكان، بل السؤال الذي يسكن هذا الإنسان، بمعنى أن المكان ليس هو المدعوّ لكي يقول كلمته ويبوح بسر الوجود، بل ميثولوجيا المكان وذخيرة هذا المكان.

ووضح الكوني في مداخلته أن الإنسان الذي يعيش في الصحراء هو ملك نفسه وهو المتحكم في كل أمور معيشته وهو في مواجهة مباشرة مع التحدي المباشر ألا وهو العدم.

وأضاف أن الإنسان الذي يقرر أن يهاجر هو إنسان لا يقهر بدليل أن أولئك الذين اختاروا التضحية بالاستقرار واختاروا الحرية ليس لهم إلا أن يلجؤوا إلى الصحراء لكي تلهمهم الهجرة لتغيير ما بالنفس.

وطالب الكوني بتغيير النظرة إلى الصحراء التي يرى أنها طبيعة سخية جدا فكل الثروات المادية تأتي من الصحراء ورغم ذلك يتم التنكيل بها من خلال التجارب النووية ويتم الإساءة إليها بيئيًّا.

وجاء اختيار عنوان “ذاكرة الصحراء” ليجسد اقتران اسم الروائي الليبي بالصحراء التي خرج من بيئتها وتأثر بها كثيرا في كتاباته الأدبية والفكرية حيث ُكتب عن الكوني أن مؤلفاته تأخذ طابعا متسقا مع تلك البيئة فغدت من خلال ما كتبه عالما مفعما بالأساطير.

وقد تم تصنيف الكاتب الليبي إبراهيم الكوني ليكون من بين خمسين أديبا عالميا يمثلون أدب القرن الحادي والعشرين ورشح لجائزة نوبل عدة مرات. وسبق للروائي أن أصدر نحو تسعين عملا توزعت ما بين الرواية والدراسات الأدبية والنقدية واللغوية والتاريخ والسياسة.

ويعد إبراهيم الكوني من أشهر الكتاب الليبيين في العصر الحديث وتنوعت كتاباته بين الرواية والقصة القصيرة والمقالات والدراسات والتاريخ وحصل على العديد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة الدولة السويسرية وجائزة الدولة في ليبيا وجائزة اللجنة اليابانية للترجمة وجائزة التضامن الفرنسية مع الشعوب الأجنبية وجائزة رواية الصحراء في ليبيا وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية في المغرب وغيرها من الجوائز العربية والعالمية، وقد ترجمت أعماله إلى نحو 40 لغة حول العالم.

وولد إبراهيم الكوني في مدينة غدامس في ليبيا عام 1948 وهو حاصل على شهادة الماجستير في العلوم الأدبية والنقدية من معهد غوركي للآداب في روسيا عام 1977 ويجيد 9 لغات.

___________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *