أسامة علي

يشهد المسار السياسي الليبي، في خضم نجاح البعثة الأممية، نهاية الشهر الماضي، جمع طرفي الصراع لتوقيع اتفاق 4+4، بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وممثلين عن القيادة العامة لقوات الشرق التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر
، تعقيدات لا تزال تلقي بظلالها على مصير الاتفاق المتعلق بإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً. يأتي ذلك في ظل عدم وضوح الطريق إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، من بينها قضية “الخلية التخريبية” التي كشفت عنها حكومة الوحدة الوطنية مطلع الشهر الحالي، والتي بدأت تتجاوز في تداعياتها حدود الملف الأمني، لتتحول إلى ورقة يمكن أن تدخل في حسابات التفاوض والمساومة السياسية بين طرابلس وبنغازي.
ضبط خلية تخريبية
وأعلنت الحكومة في السادس من سبتمبر/ أيلول الحالي، ضبط خمسة أشخاص، ليبيين وأجانب، خلال تفكيك ما قالت إنها “خلية تخريبية” نفذت هجمات بطائرات مسيّرة انتحارية استهدفت خزانات النفط في مدينة الزاوية على الساحل غربي البلاد، وبالعاصمة.
وأضافت أن وزارة الدفاع “أحبطت أيضاً مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية”.
ولم تكشف الحكومة عن أسماء المقبوض عليهم أو جنسياتهم أو الجهة التي تقف وراء الخلية، مكتفية بتأكيد استمرار التحقيقات بشأنها.
وأمس السبت، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، في بيان، إيقاف إحدى وحدات التكرير بمصفاة الزاوية اضطرارياً، من جراء استمرار الإغلاق القسري لصمام خط نقل خام حقل الشرارة من قبل “مجموعات مسلحة”. وأوضحت أن إغلاق صمام خط نقل خام الشرارة تنفذه “مجموعات مسلحة تنتمي إلى جهاز حرس المنشآت النفطية الجنوب الغربي والمنطقة العسكرية الغربية”.
وأشارت إلى أن هذه الخطوة تأتي إجراءً احترازياً لتجنب تداعيات محتملة على إمدادات محطات توليد الكهرباء، وفي مقدمتها محطتا غرب طرابلس والحرشة. ويعد الشرارة، الواقع في صحراء مرزق جنوب غربي ليبيا، أهم حقول النفط في البلاد.
هذه التطورات التي لا تنفصل عن مسار الانفتاح بين طرابلس وبنغازي أعقبت سلسلة هجمات شهدها المجمع النفطي بمدينة الزاوية (45 كيلومتراً غرب طرابلس) بين 8 و12 أغسطس/ آب الماضي، ثم انتقلت في الثالث من سبتمبر الحالي إلى العاصمة، عندما استهدفت مسيّرة مستودع شركة البريقة لتسويق النفط على طريق المطار.
في غضون ذلك، تداولت وسائل إعلام ليبية أنباءً عن صلة شخصيات في الخلية التخريبية بشخصيات عسكرية قريبة من صدام حفتر، نائب القائد العام للقيادة العامة في بنغازي ونجله، ووجود وساطة إماراتية لتسوية القضية. إلا أن وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية أكدت، في بيان مقتضب يوم 18 سبتمبر الحالي، أن التحقيقات لا تزال قائمة وتستهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بهم، متعهدة بالإفصاح عن نتائج التحقيقات بعد استكمالها.
أجهزة أمنية غربي ليبيا كانت على علم بتحركات أفراد الخلية التخريبية في محيط مدينة الزاوية
لكن مصادر ليبية متطابقة، قالت لــ”العربي الجديد”، إن أجهزة أمنية بغربي البلاد كانت على علم بتحركات أفراد الخلية في محيط الزاوية، وتحديداً في منطقة العجيلات الواقعة على مسافة نحو 50 كيلومتراً إلى الجنوب من المدينة، قبل أن ينتقل أفراد منها إلى طرابلس، ما سهل ضبطها.
ووفق معلومات المصادر، فإن الخلية أوسع من عدد الأفراد الذين أُوقِفوا في العاصمة، مشيرة إلى أن الخمسة الذين ضبطوا، هم ثلاثة من أفراد الخلية ينتمون إلى كتيبة طارق بن زياد المرتبط بصدام حفتر، فيما ينتمي العنصران الآخران، وهما من الجنسية الإسبانية، إلى شركة أمنية أجنبية إسبانية كانت تعمل في تدريب عناصر لكتيبة طارق بن زيادة في بنغازي على استخدام الطائرات المسيّرة. وأوضحت أن عناصر الكتيبة الثلاثة المضبوطين تدربوا على يد أفراد هذه الشركة الأمنية.
وبينما أكدت المصادر نفسها أن التحقيقات “لا تزال قائمة ولم تكتمل نتائجها”، لم يصدر عن قيادة حفتر موقف معلن بشأن قضية الخلية، في وقت لا تزال فيه الاتصالات السياسية بين طرابلس وبنغازي تتخذ مساراً مختلفاً. يأتي ذلك خصوصاً بعد التفاهم الذي توصلت إليه لجنة 4+4، والذي وُقّع بشأنه اتفاق في طرابلس في 30 أغسطس الماضي، وتضمن في نصه توحيد السلطة التنفيذية لتقود المرحلة المقبلة نحو إجراء الانتخابات.
تضع هذه المعلومات قضية الخلية في سياق أوسع، إذ يربط مراقبون بينها وبين التحقيق الذي فتحته السلطات الإسبانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، بشأن تهريب طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية إلى ليبيا. وقد جاء ذلك في أعقاب اعتراض السلطات الإسبانية والفرنسية شحنات تضمنت 44 طائرة مسيّرة، كانت شركات إسبانية قد باعتها للقيادة العامة في بنغازي، مؤكدة وصول شحنات سابقة من المسيّرات إلى بنغازي.
ضغوط على الحكومة
إلى ذلك فقد تزامن نشاط الخلية في مدينة الزاوية مع اشتباكات مسلحة شهدتها المدينة بين طرفين مسلحين، أحدهما موالٍ للحكومة، ما أثار تساؤلات عما إذا كان الهدف يتجاوز إلحاق الضرر بالمرافق إلى إعادة إشعال التوتر في المدينة.
كذلك جاء نشاط الخلية في الزاوية في وقت كانت فيه طرابلس تشهد احتجاجات واعتصامات مرتبطة بأزمتَي الكهرباء والوقود، ما شكل ضغطاً إضافياً على الحكومة التي تعاني أصلاً من ضغوط سياسية وأمنية متراكمة.
في هذا الصدد رأى أستاذ العلوم السياسية الليبي، حسن عبد المولى، أن ضبط الخلية التخريبية جاء في سياق طويل كانت الحكومة تتعامل خلاله مع أكثر من محاولة للضغط عليها وإضعاف موقعها، مشيراً، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن الحكومة كانت في الوقت نفسه تحافظ على مسار التفاوض مع قيادة حفتر.
ووفق عبد المولى، فإن الحكومة عقدت اتفاقاً مع جهاز الردع (أقوى مجاميع طرابلس المسلحة والذي كان في حالة خلاف مع الحكومة)، بشأن العودة للانتشار في مناطق نفوذه داخل العاصمة، مضيفاً أنه في الوقت نفسه عقدت الحكومة، عشية الهجمات على المستودع النفطي في الزاوية، اجتماعاً موسعاً مع قادة المجموعات المسلحة في طرابلس لتنفيذ عملية للسيطرة الأمنية على الزاوية.
واعتبر أن هذه الخطوات جاءت ضمن محاولات الحكومة لفك الخناق عنها، وعكست إدراكها أن مصدر الضغط عليها قد يكون على صلة بالتحركات على الساحة السياسية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بينها وبين القيادة العامة في بنغازي.
وارتبط جهاز الردع بحاضنته الاجتماعية في سوق الجمعة المعروف في طرابلس، التي كانت تقف وراء الدفع بتوسع رقعة الاحتجاجات في المدينة، خلال أغسطس الماضي. وظهر ذلك جلياً عند إعلان المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة وقف الاحتجاجات عشية اتفاق الحكومة مع الجهاز على السماح له بالعودة للانتشار في مناطق سوق الجمعة، على الرغم من بقاء أسباب الاحتجاجات.
وفي مدينة الزاوية، تواجه مجموعة مسلحة موالية للحكومة، تعمل تحت اسم “جهاز مكافحة التهديدات الأمنية” وتسيطر على المجمع النفطي بالمدينة، مواجهات مستمرة مع قوى مسلحة أخرى، توالي بعضها شخصيات مقربة من قيادة حفتر.
باب التفاوض بين طرابلس وبنغازي
وفي رأي عبد المولى، فإنه في ما يتعلق بالعلاقة بين طرابلس وبنغازي أخيراً، كانت الحكومة تسعى من وراء تحركها إلى احتواء أي تصعيد مع إبقاء باب التفاوض مع قيادة حفتر مفتوحاً، معتبراً أن سياسة الحكومة هذه قد تفسر غياب موقفها الواضح من مساعي التقارب التي كانت تقودها البعثة الأممية، وقبلها مسعد بولس، مستشار كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، بينها وبين سلطة حفتر لبناء سلطة مشتركة بين طرابلس وبنغازي.
من جهة أخرى، فإن أهمية قضية الخلية، وفق عبد المولى، تتخطى بالنسبة إلى المسار السياسي الجهة التي تقف وراء الهجمات، إلى النظر في ما يمكن أن تمنحه من مكاسب من جراء إضعاف الحكومة ودفعها إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات، مشيراً إلى أن قدرة صدام حفتر على التحرك في محيط العاصمة وداخلها لا تعني امتلاكه القدرة على الحسم فيها.
حسن عبد المولى: الحكومة وجدت في ضبط الخلية التخريبية ورقة سياسية يمكن استخدامها في التفاوض
لكن عبد المولى رأى أن ضبط الخلية قد يقلب الوضع لمصلحة الحكومة لتصبح الخلية ورقة بيدها في عملية التفاوض بين سلطتَي طرابلس وبنغازي وتغير طبيعة النقاش حول الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري بحثها، قائلاً إن “هذا الصمت الطويل دون الكشف عن تفاصيل الخلية يعني أن الحكومة وجدت في ضبط الخلية ورقة سياسية يمكن استخدامها في التفاوض، لا بهدف إسقاط مسار 4+4، وإنما للحصول على تنازلات في الملفات التي لا تزال موضع خلاف”.
ولفت إلى أنه في حال صحة المعلومات المتداولة عن وساطة إماراتية لإغلاق القضية، فإن ذلك يعكس وجود أبعاد إقليمية للقضية قد تزيد من قوة الخلية كورقة بيد الحكومة، مضيفاً: “ربما كشفت التحقيقات عن معلومات أوسع حول وجود شبكات خارجية وراء صفقات الطيران المسلح الذي يحصل عليه حفتر، وتكون الإمارات، المعروف أنها تنقل شحنات متوالية من المعدات العسكرية إلى أراض خاضعة لقوات حفتر لتصل إلى السودان وغيرها من مناطق التوتر والنزاع، قد تكون متورطة في صفقات المسيّرات وتحرص الآن على إغلاق القضية”.
وفي رأيه، يزيد هذا الأمر “من أهمية هذه الورقة للضغط الإقليمي على حفتر لجني مكاسب منه قبل دخول اتفاق 4+4 مرحلة التنفيذ”.
____________
