مراد صوفو أوغلو

إن انخراط أنقرة مع الإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها يخلق قنوات للمصالحة السياسية، لكن توحيد مؤسسات البلاد لا يزال يمثل تحدياً.
انزلقت ليبيا، وهي دولة غنية بالطاقة في شمال أفريقيا وتمتلك أكبر احتياطيات نفطية في القارة، إلى حرب أهلية دامية في عام 2014 بين فصيلين متنافسين في الغرب والشرق، وذلك بعد ثلاث سنوات من الإطاحة العنيفة بالزعيم السابق معمر القذافي وقتله.
ورغم القتال المتقطع بين القوتين المتنافستين، احتفظت الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس بشرعيتها إلى حد كبير، ووقّعت اتفاقيات مهمة مع دول مثل تركيا.
غير أن الحوار السياسي بين الإدارتين المتنافستين اكتسب زخماً في السنوات الأخيرة، إذ تروّج تركيا لسياستها “ليبيا الواحدة” وتدعم التقارب بين الجانبين لتوحيد البلاد الممزقة تحت حكومة مركزية واحدة.
وفي أبريل، اتفق الفصيلان المتنافسان في الشرق والغرب على ميزانية وطنية موحدة لتقاسم عائدات النفط الكبيرة في البلاد، في خطوة نحو إعادة التوحيد.
وفي أغسطس، قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بزيارة مهمة إلى ليبيا، حيث أجرى محادثات ليس فقط في طرابلس، مقر الحكومة المعترف بها دولياً في الغرب، بل أيضاً في بنغازي، معقل الإدارة الشرقية بقيادة خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي.
وقال بعد مشاوراته في ليبيا: “من الضروري أن يبني إخوتنا وأخواتنا الليبيون مستقبلهم بحرية وأمان وازدهار. وتماشياً مع الرؤية التي حددها رئيسنا رجب طيب أردوغان، سنواصل دعم الحوار والتعاون بين غرب ليبيا وشرقها، والمساهمة في سلام ليبيا واستقرارها وازدهارها.”
سياسة “ليبيا الواحدة“
بعد أسبوعين من اجتماعات فيدان في ليبيا، أعلنت الأمم المتحدة خارطة طريق تحدد جدولاً زمنياً مدته عامان لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وتوحيد المؤسسات، وإعادة هيكلة المفوضية الانتخابية، في خطوة أخرى نحو إعادة توحيد البلاد.
يقول صلاح البكوش، محلل سياسي ليبي، لـ TRT World: “إن قدرة تركيا الآن على التعامل مع الفاعلين على جانبي الانقسام الليبي أمر مفيد للغاية.”
ويضيف البكوش، وهو أيضاً مستشار سابق للمجلس الأعلى للدولة الليبية: “سيكون تأثير تركيا الأكثر أهمية عندما يترجم الانخراط مع الجانبين إلى توحيد مؤسسي بدلاً من استيعاب هياكل موازية دائمة.”
ويلاحظ البكوش وجود استعداد متزايد لدى الفصائل السياسية المتنافسة في ليبيا للتوصل إلى حل وسط.
غير أنه يحذر من أن توحيد مراكز القوى المتنافسة تحت سلطة دولة واحدة سيكون صعباً لأن “السلطة المؤسسية لا تزال غير محسومة” بين الجانبين.
بعد زيارة فيدان، تكتفت الاتصالات الدبلوماسية بين ليبيا وتركيا. والتقى رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن يوم السبت في إسطنبول وزير الدفاع الليبي بالإنابة عبد السلام الزوبي لمناقشة الجهود الجارية نحو التوحيد المؤسسي.
ويوم الثلاثاء، التقى الرئيس رجب طيب أردوغان أيضاً محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مؤكداً أهمية الحوار الوطني والمصالحة.
يقول البكوش: “ليبيا المجزأة تصدّر انعدام الأمن؛ أما ليبيا ذات السيادة فيمكنها احتواؤه.” ويضيف المحلل الليبي: “كلما استعادت ليبيا السيطرة الموحدة على مؤسساتها وحدودها وقواتها الأمنية، كان ذلك أفضل للبلاد في منع شبكات التهريب غير القانونية والمساعدة في الاستقرار الإقليمي.”
قنوات أنقرة-بنغازي
اتخذت جهود تركيا لتوحيد ليبيا شكلاً ملموساً خاصة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020 بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر والمتمركز في الشرق، والذي أنهى القتال واسع النطاق في الحرب الأهلية في البلاد.
وقبل وقف إطلاق النار، كانت تركيا قد أقامت بالفعل علاقات مهمة مع ليبيا، إذ وقّعت اتفاقاً بحرياً تاريخياً مع حكومة طرابلس في عام 2019 يرسم حدود ولاياتهما البحرية في شرق البحر المتوسط الغني بالغاز. وبعد وقف إطلاق النار، حوّلت أنقرة اهتمامها بشكل متزايد نحو شرق ليبيا.
يقول فرحات بولات، الباحث والمحلل البارز المتخصص في الجيوسياسة والأمن في شمال أفريقيا، لـ TRT World: “منذ وقف إطلاق النار في 2020، تطور انخراط تركيا مع شرق ليبيا بما يتجاوز المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار ليشمل تعاوناً سياسياً واقتصادياً ودفاعياً أكبر.”
ويضيف بولات أن صدام حفتر، الابن الأصغر لخليفة حفتر، الذي عُيّن نائباً للقائد العام للقوات الشرقية في أغسطس 2025، كان “شخصية مهمة في هذا التقارب، إذ زار تركيا عدة مرات والتقى بمسؤولين أتراك كبار.”
ووفقاً لبولات، فإن زيارات حفتر، إلى جانب تنامي الاتصالات المؤسسية بين أنقرة وشرق ليبيا، فتحت قنوات اتصال جديدة بين الجانبين، مما أسهم في الحوار الوطني الجاري بين الإدارتين المتنافستين في الغرب والشرق.
ويشير أيضاً إلى قدرات تركيا الدفاعية المتنامية وعلاقاتها العسكرية مع ليبيا كعوامل يمكن أن تساعد الدولة الواقعة في شمال أفريقيا على إنشاء هيكل أمني موحد عبر أراضيها الشاسعة.
وفي أغسطس 2025، قامت السفينة البحرية التركية TCG Kinaliada بزيارة مهمة إلى ميناء بنغازي، حيث ناقش مسؤولون عسكريون أتراك وليبييون من الشرق التعاون في إطار هدف “ليبيا واحدة، جيش واحد”.
يقول بولات لـ TRT World: “بمجرد أن يترسخ الأمن في جميع أنحاء البلاد، يمكن لعملية الاستقرار الأوسع أن تتقدم بسلاسة أكبر. وفي هذا السياق، فإن وضع المؤسسات العسكرية الليبية تحت هيكل قيادة موحد أمر بالغ الأهمية.”
“لقد قدمت تركيا التدريب ودعماً آخر لتعزيز مهنية الجيش الليبي وقدرته المؤسسية.”
__________