الحبيب الأسود

1951أي حديث عن ليبيا الموحدة صار جزءاً من الماضي، والتعديلات الدستورية للعام 1963 تم تجاوزها إلى ما قبل دستور

حالة الانقسام السياسي في ليبيا أصبحت واقعاً معاشاً، من الصعب الحديث عن إمكانية تغييره. وإذا كان من الممكن توصيفه، فنحن أمام نظام فيدرالي كرّسته التوازنات الميدانية، وجعلته يخرج عن السيطرة بغياب السلطة المركزية، أي الحكومة الاتحادية القادرة على إدارة شؤون البلاد ككل.

اليوم في ليبيا سلطتان متنافستان على إدارة الدولة شبه المغيّبة، ومواقف متناقضة من مجمل الملفات الداخلية والخارجية: حكومة في طرابلس معترف بها دولياً رغم أنها منتهية الولاية القانونية منذ العام 2022، وأخرى في بنغازي غير معترف بها دولياً، لكنها تمتلك صلاحيات واسعة تعكس إرادة القيادة العامة للقوات المسلحة بزعامة المشير خليفة حفتر.

قبل أيام قليلة، خرج رئيس دار الإفتاء التابعة لحكومة الوحدة الشيخ صادق الغرياني ليعلن رسمياً موقفه الداعم لتحركات جماعة الحوثي التوسعية في اليمن، ومساندته لها في اعتداءاتها ضد المملكة العربية السعودية.

هذا الموقف يختلف تماماً عن موقف دار الإفتاء التابعة للحكومة المنتصبة في شرق البلاد، والتي تصطف بوضوح إلى جانب الرياض في مواجهة الحوثيين ومختلف وكلاء إيران في المنطقة.

من الصعب الحديث عن دولة واحدة في ظل تناقض المواقف السياسية من الملفات الكبرى إقليمياً ودولياً: ففي الوقت الذي ترتبط فيه قيادة شرق وجنوب البلاد المتمركزة في ضاحية “الرجمة” بعلاقات وطيدة مع موسكو، تندفع حكومة “طريق السكة” للتحالف مع أوكرانيا إلى درجة السماح لها بالنشاط من مدن الساحل الغربي في إطار خطتها لاصطياد الوحدات البحرية التابعة لأسطول الظل الروسي.

كتلة التوافق الوطني بالمجلس الأعلى للدولة تحدثت عن “رفض أي ازدواجية في التعامل مع ما يمس سيادة الدولة شرقاً وغرباً وجنوباً”، وأشارت إلى ما يثار عن وصول إمدادات عسكرية روسية إلى شرق ليبيا، “في مقابل ادعاءات عن وجود عناصر أوكرانية واستخدام منشآت عسكرية في غرب ليبيا لتنفيذ عمليات مرتبطة بالصراع الروسي–الأوكراني”، معتبرة أن “السيادة الليبية خط أحمر، ووحدة التراب الوطني فوق كل اعتبار”.

تحالف طرابلس مع كييف ناتج بالأساس عن رغبة رئيس مجلس الوزراء عبد الحميد الدبيبة وفريقه السياسي في نيل القبول والرضى من العواصم الغربية الداعمة للرئيس فولوديمير زيلينسكي، والساعية بقوة إلى إلحاق الأذى بروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين.

كما يعكس تبلور فكرة الثأر والتشفي لدى القوى النافذة في غرب ليبيا من السلطات الروسية التي يستند إليها المشير حفتر لضمان تفوقه العسكري وتحقيق مشروعه السياسي.

تميل سلطات طرابلس إلى التحالف بقوة مع الجزائر، في الوقت الذي تحافظ فيه سلطات بنغازي على علاقات متوازنة مع المغرب، وتعتبر تحالفها مع مصر شرطاً أساسياً في استنباط موقعها من الخارطة الجيوسياسية.

خلال الحرب السودانية أعربت طرابلس عن مساندتها التامة للقوات النظامية ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، فيما نُظر إلى القيادة العامة في بنغازي على أنها حليف قوي لقوات الدعم السريع وزعيمها محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

في سوريا، ارتبطت سلطات شرق ليبيا بعلاقات وطيدة مع نظام بشار الأسد، معتبرة إياه مقاوماً للإرهاب، بينما عُرفت سلطات طرابلس بتحالفها مع قوات المعارضة المسلحة إلى حد الاستعانة بآلاف من عناصر ميليشيات الشمال السوري الموالية لتركيا في التصدي لقوات المشير حفتر أثناء هجومها على طرابلس في العام 2019.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يمتد إلى تقييم الجماعات المسلحة في الداخل، وهو ما فجّر خلافات حادة خلال الفترة الماضية، عندما أقدمت سلطات بنغازي على تنفيذ أحكام الإعدام في عدد من الإرهابيين من تنظيمي داعش والقاعدة المتورطين في سفك دماء الأبرياء وقطع رؤوس المخالفين من العسكريين والأمنيين وموظفي الدولة ورجال الدين المعتدلين والإعلاميين وغيرهم، فيما نددت سلطات طرابلس بذلك واعتبرته تعدياً على حقوق الإنسان، وتحدث الغرياني عن تصفية متعمدة لمن يعتبرهم شباناً أنقياء وثواراً مخلصين.

وفيما تتبنى حكومة الوحدة عناصر الميليشيات وتمنحهم الغطاء السياسي والقانوني والدعم المالي والرعاية الصحية، تنظر إليهم القيادة العامة كمتمردين على مؤسسات الدولة وخارجين عن القانون، وهو ما يزيد من عمق التناقض في تقييم القضايا المحورية بين طرفي النزاع.

أي حديث عن ليبيا الموحدة صار جزءاً من الماضي، والتعديلات الدستورية للعام 1963 تم تجاوزها إلى ما قبل دستور 1951، وهو ما يعني حصول انقسام حقيقي وتصدع في بنية الكيان الليبي، سواء نتيجة الصراعات السياسية والاجتماعية والعقائدية، أو بسبب التجاذبات الإقليمية والدولية التي تنظر إلى ليبيا كساحة صراع على النفوذ الجيوسياسي والنهب المالي والاقتصادي وخدمة الأجندات الإستراتيجية المرتبطة بالدور والموقع والحضور.

__________

مقالات مشابهة