عبدالله الكبير

التطورات اللافت إلى حد المفاجئة في لقاء بولس مع قيادات مدنية في مصراتة، هي إقراره بعدم وجود مبادرة جاهزة مكتوبة لمناقشة تفاصيلها، والتعرف على حظوظها من النجاح، وأين تكمن المعوقات إن وجدت، وماهي الجوانب التي ما تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة وبحث المخاطر وضمانات التنفيذ.
فليس في حقيبة مستشار الرئيس الأمريكي ترامب أي وثيقة توضح بنود مبادرة أمريكية واضحة المعالم والمراحل الزمنية، ومع التسريبات والأخبار الموثوقة عن لقاءاته مع شخصيات نافذة من سلطات الشرق والغرب عدة مرات في عواصم مختلفة، يبدو أنه بالفعل كان يبحث إبرام صفقة يتم فيها توحيد المؤسسات تحت سلطة واحدة مقسمة بين الطرفين الفاعلين، مع معالجة أي مخاوف لديهما، وتوزيع السلطة التنفيذية وكافة المهام والمسؤوليات في إطار يحفظ حالة التوازن القائمة، ويمنح الضمانات الكافية لكل طرف، لكن التسوية لم تكن بالبساطة التي تصورها بولس أو الشركاء.
كما تبين عندما بدأت التسريبات والترشيحات تنتشر في الأوساط الليبية، وردود الفعل الرافضة التي عبرت عنها بيانات عديدة، بعضها كان حادا حاسما في لغته، غير أن المصادر الذي ذكرت بعض التفاصيل عن الصفقة، والشخصيات المرشحة للمناصب العليا، والتي ركزت جهودها على تنفيذها بالإعلان عن قبولها، وحشد الإعلام ووسائل التواصل لتجميلها، لم تكن تنطلق من تكهنات أو تحليلات سياسية.
لذلك اختار بولس المضي بالبناء على ما أنجز من تقدم على جهة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، والاستمرار في ملف توحيد الإنفاق، وتأجيل الملف السياسي إلى مرحلة لاحقة، يتوفر فيها قدر أكبر من الثقة، وأرضية ممهدة بتسوية عسكرية وأمنية واقتصادية، تفتح الباب أمام التقدم نحو تسوية سياسية، يعاد فيها ترتيب السلطة التنفيذية بشكل متوازن.
لكن ما سمعه بولس في لقاءاته مع المجلسين البلدي والأعيان ونشطاء المجتمع المدني، سيدفعه لإعادة النظر في الكثير من التفاصيل إذا أراد تحقيق تسوية حقيقية.
بيان مكونات مصراتة الصادر عقب الاجتماع مع عراب الصفقة/ المبادرة كان واضحا، معبرا عما يطالب به غالبية الشعب الليبي منذ سنوات، وهو إجراء الانتخابات أو الاستفتاء على مسودة الدستور، وهذه الغالبية تؤكدها استطلاعات رأي موثوقة أجرتها بعثة الأمم المتحدة قبل تسوية تونس جنيف.
ترحيب البيان بأي جهود دولية تساعد في إنهاء الصراع وحل الأزمة، يعني الانفتاح على أي مساعي أو جهود تسهم في التوصل إلى حلول مقبولة، ولكن ليس عبر صفقات وتسويات مع أطراف محددة، بل عبر مسالك واضحة لا تتجاوز مدنية الدولة وعدم عسكرتها، ولابد أن تبني أي تسوية على قواعد دستورية واضحة، ما يعني أن إشراك الطيف الليبي الواسع عسكريا وسياسيا واجتماعيا شرط لا يمكن المضي قدما بدونه.
تشديد البيان على رفض أي تسوية تعيد إنتاج الأزمة، أو تدفع بشخصيات متهمة في تقارير الأمم المتحدة بارتكاب جرائم وانتهاكات، قدم لبولس رسالة واضحة عن رفض صفقات الغرف المغلقة، وتكليف شخصيات محددة سلفا لتبوأ مناصب سياسية عليا.
بعد كل هذا الجدل تدحرجت الكرة نحو بولس باعتباره الوسيط المكلف من الإدارة الأمريكية، وستكشف الأيام والأسابيع المقبلة عن ما سيطرحه بعد أن استمع لأطراف مؤثرة في المشهد السياسي في المنطقة الغربية، وماذا بوسعه أن يقترح من تعديلات ترفع نسبة النجاح في مساعيه، أو يكتفي بإنجاز التسوية الأمنية والعسكرية، وفي الملف السياسي يضم جهوده إلى جهود بعثة الأمم المتحدة، لدفع الفرقاء نحو إنجاز قاعدة دستورية للانتخابات.
________________