عبدالله الكبير

مع كل التقدير للجهود المبذولة من كل الشخصيات الوطنية المشاركة في الحوار المهيكل، وتثمين هذه الجهود الممتدة على مدى 6 أشهر عبر مسارات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، حتى تم التوافق على التوصيات والمقترحات النهائية، لتصبح لدينا مرجعية ليبية خالصة يمكن لصناع القرار الاستنارة بها والاستناد عليها، وتطويرها إن لزم الأمر لتكون رافعة حقيقية لتفكيك الأزمة.

فالفصل بين المسارات الأربعة كان مقدمة مهمة ليبحث كل مسار على حدة، ويشخّص الخبراء مواطن الخلل في مسيرة التحول الليبية في أهم الملفات، ثم أقتراح الحلول المناسبة للتنفيذ لتجاوز كل معوقات الإنجاز والتحول.

ورغم إعلان البعثة، وتصريحات المبعوثة الأممية السيدة حنه تيته بأن توصيات ومقترحات الحوار المهيكل غير ملزمة، ولن تفرض على السلطات الحاكمة، غير أن هذه التصريحات لا تعني نفي أي اعتبار لهذا الجهد، أو اعتباره عمل هامشي لن يحدث أي تأثير، ولن تكون مجرد ورقة ضغط على الأطراف الفاعلة لتسرع في تنفيذ بقية الاستحقاقات المطلوبة.

هذه الجهود هي جزء أساسي من المبادرة الأممية، ويمكن أن تحصل توصيات الحوار المهيكل على الدعم من مجلس الأمن، لتكون منهج عمل لأي ملتقى حوار سياسي أو هيئة تأسيسية، لوضع قواعد للإنطلاق نحو التنفيذ في كل المسارات.

غير أن اللافت في مخرجات المسار الأول الخاص بالحوكمة، وهو الملف الأكثر أهمية وعليه تبنى بقية المسارات، اقتراحه مرحلة انتقالية جديدة يعاد فيها تشكيل السلطة التنفيذية بنفس تركيبتها الحالية التي انشأها ملتقي جنيف، مع صلاحيات أوسع لرئيس المجلس الرئاسي، بمنحه سلطة إقرار الميزانية، وحق تكليف شخصيتان لوزارتي الدفاع والداخلية، بالتشاور مع رئيس الحكومة، واستمرار مجلسي النواب والدولة ومن يتبعهما لمدة 18 عشر شهرا أو 24 شهرا على أقصى تقدير !

وكأنني أرى مبادرة مسعد بولس مبعوث الرئيس الأمريكي تعود تحت عباءة الحوار المهيكل، لأن مبادرته في جانبها السياسي تقترح إعادة تشكيل المجلس الرئاسي ومنحه رئاسته لابن حفتر، واستمرار الدبيبة رئيسا للحكومة، أي تمديد المرحلة الانتقالية، ولم يأت على ذكر الانتخابات أو السبيل إليها في تصريحاته عن مبادرته، وقد رُفضت المبادرة على كل حال من أغلب المؤسسات السياسية والمدنية.

بالتوازي تستمر البعثة الأممية في رعاية الحوار الرُّباعي المُصغّر مؤملة حدوث اختراق في ملفي مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، والقاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، في إصرار غريب من البعثة على عدم النظر في مقترحات اللجنة القانونية الأخرى، مع أنها قابلة للتنفيذ أكثر من مقترح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة.

لا تبدو ملامح المسار الأممي واضحة تماما، ولكن هذا لا يعني أنها لم تحرز أي تقدم على طريق الحل السياسي، فنجاح الحوار المهيكل وتوصياته المهمة في ملفات الأمن والاقتصاد والمصالحة لا ينبغي تجاهله.

ولكن مقترح إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في الملف السياسي يتعذر قبوله من القوى الفاعلة، ومن قطاعات واسعة من الشعب، لأنه ينقل البلاد إلى مرحلة انتقالية جديدة، من دون أفق واضح نحو الانتخابات، بل هو انتقال يبدو أقرب إلى تثبيت الأمر الواقع وفرض استقرار توافقي هشّ، لتهيئة البلاد لاستثمارات شركات النفط الأمريكية التي يسعى إليها المبعوث الأمريكي بولس.

الإصرار على تكرار حلول التجارب السابقة لن ينهي الأزمة، بل يعيد إنتاجها عبر نفس القوى المسيطرة على المشهد، بينما يستمر تجاهل الشعب ومطالبه، و يستمر تجاهل مشروع الدستور.

لقد قام اتفاق الصخيرات على تأسيس سلطة مؤقتة لمدة عام أو عامين ثم تجرى الانتخابات، واستمرت السلطة المنبثقة عنه خمس سنوات انتهت بحرب عنيفة في طرابلس.

وبعد عدوان حفتر على طرابلس وهزيمته وتقويض مشروعه في السيطرة على البلاد بقوة السلاح، رفضت السلطات القائمة حسم الصراع عبر الانتخابات أو الاستفتاء على مسودة الدستور، وأصرّت على الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة تمهد للانتخابات.

 ما تزال السلطة الناتجة عن اتفاق تونس جنيف مستمرة حتى اليوم ولم تقع الانتخابات، فما الذي سيجعل التجربة المكررة مختلفة هذه المرة؟

وما هي الضمانات التي يمكن أن تقدمها الأمم المتحدة أو أي دولة وسيطة في إجراء الانتخابات عقب هذه المرحلة الانتقالية الجديدة؟

اعتبار مفتاح حل الأزمة الليبية هو تغيير السلطة التنفيذية توجه أثبت فشله، لأنه ينتج سلطة مؤقتة جديدة تتقاسمها السلطات التشريعية القائمة والفواعل العسكرية صاحبة النفوذ والتأثير، ليبدو أن هناك تغييرا قد وقع، ولكن آليات اقتسام المناصب والموارد تستمر دونما تغيير.

لذلك تبقى الأزمة في حركة دائرية تعود فيها بعد بضع سنوات إلى نفس نقطة انطلاقها الأولى، وكسر هذه الدائرة يستلزم إعادة بناء المشهد السياسي بهيئة تأسيسية جديدة منتخبة أو العودة للمسار الدستوري كما اعتمد في الإعلان الدستوري بالاستفتاء على مسودة الدستور.

________________

مقالات مشابهة