جليل حرشاوي و فريدريك ويهري

البلاد المنقسمة تحتاج إلى وحدة سياسية، لا إلى صفقات واشنطن

على مدى عقود، تأرجح الانخراط الأمريكي في ليبيا بين الإهمال ولحظات عابرة من الاهتمام والحزم. لكن حتى الآن، أظهرت إدارة ترامب الثانية درجة مفاجئة من الاهتمام بهذا البلد الغني بالنفط.

ويبدو أنها تريد إنهاء الجمود المستمر منذ فترة طويلة بين الفصيلين الحاكمين في ليبيا: الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة في الغرب، ومجال نفوذ المشير خليفة حفتر، المتمركز في مدينة بنغازي شرقًا.

وخلال العام الماضي، قاد هذا التوجه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية.

وبعد جولات من الدبلوماسية المكوكية، أعلن بولس اختراقًا ظاهريًا في وقت سابق من هذا الشهر، إذ وافقت الحكومتان المتنافستان على ميزانية موحدة للمرة الأولى منذ سنوات. واحتفى بولس بالاتفاق على وسائل التواصل الاجتماعي، واصفًا إياه بأنه “محطة بارزة للتعاون توفر فوائد عديدة للاقتصاد ولليبيين في جميع المناطق”.

ولا شك أن الاتفاق خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن لا ينبغي لواشنطن أن تتوهم أن ما هو في جوهره صفقة مالية بين سلالتين حاكمتين يمثل تقدمًا كبيرًا نحو التوحيد السياسي.

فالاتفاق المبرم في 11 أبريل لا يعالج الأسباب الأعمق للأزمة الليبية، بل يرفع خطر عودة عدم الاستقرار.

ورغم أن ليبيا لم تشهد أعمالًا قتالية كبرى منذ عام 2020، حين انتهت حرب أهلية استمرت قرابة عامين أشعلها هجوم حفتر على حكومة طرابلس، فإن استمرار نهب موارد الدولة لتحقيق مكاسب شخصية من قبل الفصيلين الحاكمين ترك ليبيا في أزمة مالية عميقة ومن دون سلطة تنفيذية موحدة.

وقد فشلت جهود متعاقبة لمعالجة هذه التحديات. ففي عام 2020، أطلقت الأمم المتحدة مبادرة هدفت إلى توحيد القطاع المصرفي، وضمان مزيد من الشفافية في قطاع النفط، وتشجيع إصلاحات الحكم المحلي.

وكان من المفترض أن تمهد هذه الإجراءات الطريق لحكومة موحدة بمؤسسات سياسية معاد هيكلتها، ثم إجراء انتخابات وطنية خلال عام. لكن الانتخابات لم ترَ النور، جزئيًا بسبب الدعم الفاتر من إدارة بايدن، وتفككت المبادرة الأممية.

وفي عام 2022، توسطت الإمارات العربية المتحدة، بموافقة أمريكية ضمنية، في صفقة جرت خلف الأبواب المغلقة، مكّنت عائلة الدبيبة من تنصيب رئيس موالٍ لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط، وهي المصدر الوحيد لثروة ليبيا.

وبحلول عام 2025، كانت تلك الصيغة قد منعت اندلاع حرب أهلية جديدة، لكنها لم تحقق شيئًا يُذكر غير ذلك. فقد ظلت ليبيا غارقة في أزمة اقتصادية وشلل سياسي.

وكان أحد الأسباب الرئيسية لفشل صفقة 2022 هو طابعها النفعي، أي الاعتقاد الخاطئ بأن الانسداد السياسي في ليبيا يمكن كسره عبر استمالة المصالح التجارية للنخب المتنافسة بدلًا من تلبية احتياجات الشعب الليبي.

لكن هذا المنطق ذاته هو ما يحكم المقاربة الحالية لإدارة ترامب. فبدلًا من السعي إلى اختراق دبلوماسي استعراضي وصفقة اقتصادية مع نخب غير منتخبة، تحتاج واشنطن إلى اتباع مسار أوسع وأكثر شمولًا في ليبيا.

فعليها دعم الجهود الأممية القائمة لتعزيز استقلال المؤسسات المالية والإدارية الليبية، وتهيئة الأرضية لانتخابات وطنية. كما يجب أن تبذل المزيد لكبح الاضطرابات التي تتسبب فيها تركيا، وهي الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا في البلاد. وعندها فقط ستساعد الولايات المتحدة حقًا في منع ليبيا من الانزلاق إلى مزيد من الفوضى.

الدولة المذهبة

غالبًا ما يُنظر إلى السلام النسبي الذي شهدته ليبيا في السنوات الأخيرة بوصفه علامة على الاستقرار. وهذه رؤية تنطوي على قدر خطير من التراخي. فقد استخدم كل من الدبيبات والحفاترة مكاسبهما المالية لاقتناء أسلحة متطورة وتعزيز تحالفاتهما العسكرية، وهو ما يزيد من خطر المواجهة العنيفة.

وفي حين ازدادت ثروة الفصائل الرئيسية، أدى انقسام البلاد إلى تراجع مستويات المعيشة في أنحاء ليبيا كافة، ولا سيما في المناطق الطرفية. وفي الجنوب النائي، تسبب تركيز الحفاترة على الإيرادات غير المشروعة بدلًا من الاحتياجات المحلية في تأجيج العنف مؤخرًا.

كما أن الانقسامات في بنية الحكم الليبية تجعل البلاد عرضة للتلاعب من قبل أطراف خارجية، وفي مقدمتها تركيا.

وقد هيمنت في الآونة الأخيرة على سياسة أنقرة تجاه ليبيا مساعيها لتثبيت اتفاق بحري أُبرم أصلًا عام 2019، يمنح تركيا نفوذًا إقليميًا غير مسبوق ويربطها بالسواحل الشرقية لليبيا.

وبعد سنوات من التمركز الهادئ في الشمال الغربي، أمضت أنقرة جزءًا كبيرًا من عام 2025 في مغازلة عائلة حفتر في الشرق سعيًا للحصول على تصديق برلماني على الاتفاق البحري، في تحول عن تحالفها التقليدي مع الدبيبات.

وأصبحت تركيا اليوم لاعبًا طموحًا ذا نزعة تعديلية في ليبيا، يناور مع الطرفين ويخلّ بتوازنات القوة الهشّة أصلًا.

وبعد انهيار المبادرة الانتخابية المدعومة من الأمم المتحدة عام 2021، تراجعت إدارة بايدن عن فكرة أن تعزيز الديمقراطية سيحقق الاستقرار في ليبيا، واتجهت بدلًا من ذلك إلى نهج الصفقات المستلهم من الإمارات.

وقد شجع تعيين موالٍ لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط في يوليو 2022 قادة ليبيا على مزيد من التدخل في الاقتصاد. فسارع الطرفان وحلفاؤهما إلى اقتسام عوائد الدولة، والتأثير في المصرف المركزي، وإنفاق الأموال العامة على مشاريع بنية تحتية وفق أهوائهم الخاصة.

وبعض هذه النفقات لبّى احتياجات حقيقية، لكن مبالغ طائلة صُرفت على مشاريع استعراضية كالملاعب والفنادق الفاخرة، صُممت لتوليد عقود للمحاسيب لا لخدمة السكان.

يملك الحفاترة مزايا معينة مقارنة بالدبيبات. فأراضيهم أوسع بكثير، وتشمل أبرز حقول النفط وموانئ التصدير. وهذا الاتساع يدفع حكومات أجنبية، مثل الإمارات، إلى محاولة استمالة حاكم بنغازي من دون ممارسة أي ضغط من أجل الإصلاح.

أما ترتيبات تقاسم السلطة الضبابية التي كان يُفترض أن تستقر بها المؤسسات الليبية، فلم تؤد إلا إلى تسريع تآكلها، كما ظهر جليًا في أزمة المصرف المركزي صيف 2024.

فقد عمد الدبيبات، ردًا على الميل المتزايد للمؤسسة الوطنية للنفط نحو الحفاترة، إلى إقصاء محافظ المصرف المركزي أملًا في تنصيب موالٍ لهم. ورد الحفاترة بفرض حصار نفطي، أغلق معظم صادرات البلاد الاعتيادية لأكثر من ستة أسابيع، وكلف ليبيا قرابة 3 مليارات دولار.

وامتنعت الأسرة الدولية عن إدانة هذا التصرف، ما بعث فعليًا برسالة مفادها أن الحفاترة يستطيعون تكرار هذا النوع من الإكراه مستقبلًا من دون عقاب، مهما كانت كلفته على الليبيين العاديين.

أما المحافظ الذي عُيّن في ختام تلك الأزمة، ناجي عيسى، فيواجه اليوم ضغوطًا سياسية متواصلة من الجانبين لصرف أموال لمشاريع متفاوتة الشرعية.

والنتيجة أن عجز ليبيا السنوي في العملات الصعبة بلغ نحو 9 مليارات دولار العام الماضي، فيما تعرض الدينار لأشد تراجع مستمر له منذ سنوات، ما أدى إلى موجة مؤلمة من ارتفاع الأسعار في مختلف أنحاء البلاد.

كما توجد فجوة بمليارات الدولارات بين قيمة النفط الخام الذي استخرجته المؤسسة الوطنية للنفط عام 2025 والمبلغ الذي أودعته لدى المصرف المركزي. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى قيام الفصيلين الحاكمين بتحويل الثروة الهيدروكربونية إلى خزائنهما الخاصة بدلًا من الخزانة العامة.

ولم تحقق ترتيبات تقاسم السلطة لعام 2022 أي فائدة ملموسة لليبيين العاديين، كما لم تخدم المصالح الأمريكية أو الغربية الأوسع في البلاد. ومع استمرار ضعف المؤسسات الليبية، بات من الأصعب على الشركات الغربية العمل هناك بسبب ازدياد الغموض وانعدام القدرة على التنبؤ. وتعجز الشركات الأمريكية الكبرى عن العمل بكفاءة في مثل هذه الظروف.

إن أي مكاسب قد تحققها ليبيا نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام المرتبط بحرب إيران، لن تؤدي إلا إلى إخفاء الآليات المختلة المسؤولة عن هذه الأزمات المالية. بل إن زيادة الإيرادات النفطية هذا العام ستشجع الدبيبات و الحفاترة على مزيد من إساءة استغلال النظام القائم.

***

جليل حرشاوي ـ متخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة.
فريدريك ويهري ـ زميل أول في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

يتبع

_____________________

مقالات مشابهة