عبد العظيم العبيدي 

بقراءة واقع المشهد الليبي، تم إيجاد زاويتين أساسيتين (الاقتصاد/المال، والأمن/ الجيش) بشكل نسبي في مناطق دون مناطق في الجغرافيا الليبية، والزاوية المفقودة التي هي في حالة فراغ، هي زاوية «الاستدامة السياسية» (المشروع السياسي).

ويقول الدكتور علي سعيد إن المرحلة الحالية هي من الأهمية بمكان أن تشهد ما يعرف بالمركز السياسي يُشكل القائمون عليه مشروعهم السياسي التام الذي سيمكّنهم من التفاوض حوله مع غيرهم من الليبيين القائمين على مراكز سياسية أخرى في ليبيا.

ويرى الدكتور علي سعيد البرغثي أن الظروف مواتية وأن المرحلة الحالية في ظل اتفاق الموازنة الموحد والتقارب الأمني العسكري من الممكن أن نجعله مفيداً ونستثمره لو عكفت النخب الليبية وفق مناطقهم الجغرافية بتشكيل مراكز سياسية التي في اعتقادي الشخصي ستكون خمسة مراكز سياسية موزعة بين الشرق والجنوب وطرابلس ومصراتة وربما الجبل الغربي، تعمل كل منها على إيجاد برامج أو مشاريع سياسية تُمكّن النخب الليبية من خوض مفاوضات سياسية فيما بينهم حول «الناتج السياسي»، بعبارة أخرى على «ما يجب أن يكون»، مع مراعاة أربعة معايير في التفاوض (ذكرها الدكتور علي سعيد في لقائه التلفزيوني):

المعيار الأول، ما يعرف بالجغرافيا: إلى أي حد كل مركز سياسي مفاوض يمتلك السعة الجغرافية التي يشغلها،

المعيار الثاني متعلق بمعدل الاستقرار والأمن: إلى أي حد حقق كل مركز سياسي مفاوض نسبة في الأمن والاستقرار،

المعيار الثالث: متعلق بمصدر الطاقة، إلى أي حد كل مركز سياسي مفاوض واقع تحت سيطرته مصادر الطاقة، والمعيار الرابع والأخير: ما يعرف بمعدل التنمية، إلى أي حد حقق كل مركز سياسي مفاوض من نسب تنمية في مناطقه.

وعلل الدكتور علي سعيد ذلك، بأن التقارب الذي يحصل الآن هو بين قوى الأمر الواقع دون «تصورات سياسية»، وهنا تكمن الخطورة في الموقف، لأن حسابات هذه القوى تتضارب فيما بينها وتصبح أكثر تعقيداً بسبب تنافسها على النفوذ الذي مازال موزعاً تحديداً داخل العاصمة بين مجاميع مسلحة هي تشكل جزءاً من القرار العسكري في العاصمة الليبية رضينا أم لم نرضَ، وبالتالي ما حدث هو مجرد هدنة مؤقتة في صراع طال أمده ولم يحسم بعد، ومن الواجب استثماره.

ويربط الدكتور علي سعيد بين نجاح الليبيين والنخب والأطراف الليبية على التفاوض والخروج من الأزمة الليبية بمدى قدرتهم على فهم واستيعاب فكرة «الاستدامة السياسية»، فبقدر ما كانت هذه فكرة قريبة من أذهان الليبيين ومستوعبة من جانبهم، ووضعوا أمامهم معايير التفاوض سالفة الذكر، يكون من الممكن أن يتفاوض الليبيون وفق مراكز السياسية بكل بساطة بهدف الوصول إلى ناتج سياسي يرضي الجميع في الأزمة الليبية الراهنة.

ويؤكد الدكتور علي سعيد أن فكرة «الاستدامة السياسية» لا تعني بأي حال من الأحوال أنها مجاهرة بالانفصال وغير ذلك من التفسيرات النابعة من سوء فهم للفكرة، إنما هي توظيف للواقع (الانقسام الواقعي) في ظل حالة اقتصادية مقسمة، وحالة أمنية عسكرية فيها توافق (تمرينات «فلنتلوك 26» تعكس حالة من التوافق حول مفهوم الأمن والاستقرار يدخل في إطار مفهوم الأمن والاستقرار الدولي وليس حالة من الاندماج)، يتطلب بأن يكون لكل جزء من أجزاء ليبيا «بنية سياسية» جاهزة للمرحلة التفاوضية القادمة لا محالة حسب تعبير الدكتور علي سعيد.

ويطرح الدكتور علي سعيد السؤال التالي، أين يقع الخطر بالنظر إلى زوايا مثلث الدولة الليبية سالفة الذكر؟ يقول الدكتور علي سعيد إن الخطر سيقع لو استمر الليبيون في السير إلى الأمام مستندين على زاويتين في الهرم (المثلث) وهما الزاوية الاقتصادية والزاوية الأمنية العسكرية دون تطوير للمنتج السياسي الآخر الذي سيكون هو الأساس في مسألة الخروج من النفق في شكله النهائي.

ولهذا دعا الدكتور علي سعيد البرغثي من خلال لقائه التلفزيوني على قناة «ليبيا الحدث» الأطراف أينما تكون، دعاها للانكفاف السريع لإنتاج مشروع سياسي من الممكن أن يكون على الطاولة من أجل التفاوض حوله مع أي طرف آخر (محلي أو خارجي) يريد أن يُخرجنا من الأزمة، الأمر الذي معه يمنع حالة الاتهامات من البعض بمحاولة الانفصال أو الاستحواذ وغيرها من الاتهامات النابعة عن سوء فهم.

ويُنبه الدكتور علي سعيد إلى أن الاستمرار في حالة المحاصصة السياسية، وكذلك الاستمرار في التعامل مع المشهد السياسي على أنه مغلق وثابت على عناصره التي تُديره، سيخلق حالة أكثر خطورة من أن تُنتج النخب الليبية مشروعاً سياسياً، خاصة أن المشروع السياسي الذي يقصده الدكتور علي سعيد ويدعو إليه لن يُحيّد أي من الأطراف الليبية، ولكن في نفس الوقت هو الآلية الصحيحة التي يتم التفاوض عليها في إنتاج حل يُخرج البلد من النفق المظلم.

الثاني، أن «العامل الدولي» عمل منذ بدايته على ألا يكون هناك مشروع سياسي خالص من الأطراف الليبية وبملكية ليبية، لأن هذا المشروع السياسي لو تحقق معنى ذلك أن الليبيين سيحيلون المنتجات السياسية التي تأتي من الخارج إلى سلة المهملات، والأمر سيختلف إذا ما تحققت فكرة «الاستدامة السياسية»، حينها يكون من يريد أن يتفاوض حول الأزمة الليبية (سواء كان المفاوض داخلياً أم خارجياً) يكون موجوداً أمامه مشروع سياسي قائم عليه مركز سياسي/ مراكز سياسية.

ثالثاً، «الوحدة الاستراتيجية» حيث إن من إيجابيات فكرة «الاستدامة السياسية» أن مسألة المركزية البسيطة في ليبيا أصبحت «وهماً» بعد التطورات الأخيرة خاصة في الجانب الاقتصادي والمالي، ويقول الدكتور علي سعيد في هذا الجانب: إن المركزية لن تكون واقعاً في المشهد السياسي الليبي على الإطلاق، الأمر الذي يحتم على الليبيين العمل للحفاظ على ما يعرف بـ«الوحدة الاستراتيجية» في ليبيا.

ويؤكد الدكتور علي سعيد أن الحديث عن «وحدة ليبيا الاستراتيجية» لن يكون حديثاً عن حالة فيدرالية أو انقسامية انفصالية، وإنما حديثاً عن حالة تعطي كل منطقة من مناطق الدولة الليبية وكل إقليم من الأقاليم مزاياها الصحيحة وثوابتها، وفي الوقت نفسه تُحافظ على البلد استراتيجياً في مواجهة ما يعرف بالنظام الدولي القادم والمبني على قاطرة «الشرعية الاستراتيجية».

رابعاً، «تفكيك دول وتفكيك أنظمة سياسية»، ويقدم الدكتور علي سعيد مدخلاً لشرح هذا المحور بذكره في البداية أن فكرة «الاستدامة السياسية/ المشروع السياسي» ليست بدعة في المجتمع الليبي، فقد عرفها المجتمع في مناسبتين العام 1949 والعام 2011، الأمر الذي سيُسهل على الليبيين قبولها والأخذ بها، وأن هذا التيار ينبغي أن يُعاد له الوعي بخطورة ما يحدث وما سيحدث، وإن الذي سيدفع الجميع نحو تبني هذه الفكرة والعمل عليها هي «الشراسة» التي ستُكتشف فيما بعد مما هو قادم، لأن النظام الدولي القادم المبني على «الشرعية الاستراتيجية» من أهم عناصره الإقليمية هو (التفكيك).

بعبارة أخرى، إن هناك دولاً سوف تفكك في النظام الإقليمي المحيط بليبيا، وأن التفكيك قد يكون جغرافياً (الدولة تُقسم إلى دولتين أو أكثر)، وقد يكون تفكيكاً لأنظمة سياسية. وحذر الدكتور علي سعيد من أن هذه القاطرة المتولدة من «الشرعية الاستراتيجية» تتضمن في طياتها تفكيكاً لدول ولأنظمة سياسية، وأن هذا التفكيك سيحصل كنتيجة لهذا النظام الدولي القادم، وأن هذا التفكيك سيُنتج على المستوى الإقليمي ما يعرف بـ«إدارة الإقليم»، وستتمكن دولة بمعية دول أخرى إقليمية من إدارة الإقليم، تلك الدولة/ الدول التي يمكن أن تكون قاطرة «ترسيم النفوذ». هذا يعني أن النظام الذي عرفته المنطقة العربية والذي أُنشئ منذ عام 1916 المعروف بنظام «سايكس بيكو» بدأ في حالة التفكك وسينتهي قريباً.

ولهذا السبب وبناءً على ما طُرح، يُعيد الدكتور علي سعيد توجيه الدعوة إلى كل الليبيين والنخب والأطراف الليبية بالعمل على تشكيل مراكز سياسية، وأن الفاقد الوحيد في دالة المعادلة هو المشروع السياسي/ البرنامج السياسي أو ما يعرف بـ«المركز السياسي»، لأن بدون برنامج سياسي/ مركز سياسي سيجد الليبيون أنفسهم (كدولة) ذاهبين مع الجنائز أو مع الموتى.

وإن حصلت عملية تجميلية للمشهد الليبي القائم (في إشارة من الدكتور علي سعيد للمبادرة الأمريكية) فهي عملية تجميلية مؤقتة سوف لن تُحدث ذلك الانتقال الذي ينتظره الليبيون، وأن الحالة الوحيدة التي من الممكن أن تنقل ليبيا بشكل متدرج وبالحفاظ على ما يعرف بـ«الوحدة الاستراتيجية» هو «المشروع السياسي» كناتج من المراكز السياسية الليبية، وأنه ليس هناك ضرر على الإطلاق من هذه المراكز السياسية بل الضرر في غيابها في المستقبل القريب والبعيد.

ويواصل الدكتور علي سعيد شرح هذه المسألة، بأن «الوزن النسبي» في هذه المراكز السياسية سيكون هو المحدد الرئيسي لها، ويعتبر الدكتور علي سعيد أن «العامل الدولي» إلى غاية هذه اللحظة هو الذي له «وزن نسبي» كبير في خطف القرار الداخلي الليبي في غياب مركز سياسي ليبي. وأن استمرار هذا الوضع سيُمكن العامل الدولي من أن يصل في النهاية إلى نتيجة تجميلية مؤقتة ليس بالضرورة أن تكون حلاً للأزمة، ولكنها ستنقل الحالة إلى مرحلة أخرى ليست مرحلة نهائية، يرجع فيها الليبيون مرة أخرى إلى البحث عن برنامج سياسي الذي من الممكن أن يقود البلد.

وفي الختام، يدعو الدكتور علي سعيد إلى ضرورة المحافظة على الوحدة الاستراتيجية لليبيا في مواجهة التحديات الجمة التي تواجهها في الوقت الحاضر، محذراً في الوقت نفسه من حالة عدم الاستقرار في الحدود الجنوبية لليبيا (في المنطقة الجنوبية بأكملها) التي وصفها بالمُرعبة، وأن هناك حالة من عدم الاستقرار قد تشهدها بعض دول الساحل والصحراء، وستكون نتائجها وخيمة بالدرجة الأولى على الوطن، لأن التقارير الإحصائية تقول، إن هناك كتلة بشرية تقدر بأربعمائة مليون نسمة، هذه الكتلة متحركة وليست ساكنة في الدول الجنوبية التي تقع على الحدود الجنوبية لليبيا، وأن هذه الكتلة البشرية ستجد لنفسها نوعاً من الاستقرار في مرحلة من المراحل.

______________________

مقالات مشابهة