تتصدر أخبار التّحشيد العسكري في ليبيا واجهات المنصات الرقمية، حيث تداول ناشطون مقاطع مصورة تظهر نقل آليات ثقيلة بين مدن الغرب والشرق.

هذا الحراك الميداني أثار حالة من القلق الشعبي المتزايد، خاصة في ظل صمت مطبق من الجهات الرسمية التي لم توضح أسباب هذه التحركات المفاجئة.

تتضارب الأنباء حول الأهداف الحقيقية وراء هذا التصعيد، إذ تشير بعض الفرضيات إلى نية سلطات طرابلس بسط سيطرتها على حقول وموانئ النفط الحيوية. وفي المقابل، رفعت قوات الشرق درجة الجاهزية والنفير العام للدفاع عن تلك المواقع الاستراتيجية التي تمثل شريان الحياة الاقتصادي للبلاد.

يربط مراقبون هذا التوتر بفشل جولات التفاوض الأخيرة التي احتضنتها روما وباريس، والتي كانت تهدف للوصول إلى صيغة توافقية لتشكيل حكومة موحدة. ويبدو أن قوى الأمر الواقع في الجانبين لم تصل إلى اتفاق مرضٍ بشأن تقاسم النفوذ والمناصب السيادية، مما أعاد لغة السلاح إلى الواجهة.

برزت في الآونة الأخيرة تقارير تتحدث عن دور أمريكي محتمل في تحفيز جبهة الغرب للضغط على المنطقة الشرقية، بهدف انتزاع ورقة النفط من يد الخصوم. وتزعم هذه التقارير أن واشنطن تسعى لإعادة ترتيب المشهد الليبي بما يضمن استقرار إمدادات الطاقة العالمية بعيداً عن التجاذبات المحلية.

على الصعيد السياسي، لوحظ تحول لافت في موقف رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الذي أبدى مرونة مفاجئة تجاه التعديلات الوزارية المقترحة من حكومة الوحدة الوطنية.

هذا التبدل في المواقف يعزز فرضية وجود تفاهمات دولية جديدة تدفع باتجاه إعادة هيكلة السلطة التنفيذية في طرابلس.

إن حالة التقارب العسكري المفاجئة بين فصائل مسلحة في الغرب الليبي كانت حتى وقت قريب في حالة صراع، تشير إلى وجود محرك خارجي قوي. هذا التنسيق الميداني الجديد يتجاوز في أبعاده القدرات المحلية، مما يرجح وجود ثقل دولي يدفع نحو تغيير قواعد الاشتباك القائمة.

تتقاطع المصالح الإقليمية بشكل معقد في الملف الليبي، حيث تبرز القاهرة وأنقرة كلاعبين أساسيين في توجيه مسارات الصراع والتهدئة. ورغم التفاهمات الأخيرة بين مصر وتركيا، إلا أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تهدد هذا التقارب الهش وتعيد المنطقة إلى مربع التوتر.

الحراك العسكري الحالي سيكون مغامرة نزقة إذا وقع بعيداً عن تحولات إقليمية، والأرجح أنه يندرج ضمن الضغوط التي تسبق التسوية السياسية.

لا يمكن إغفال الموقف المصري الذي يرى في استقرار المنطقة الشرقية خطاً أحمراً يرتبط بأمنه القومي المباشر. وأي محاولة للسيطرة على الهلال النفطي من قبل قوات الغرب ستصطدم حتماً بالتحفظ المصري الشديد، ما لم تكن هناك ضمانات اقتصادية وأمنية كبرى للقاهرة.

في المقابل، تواصل قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا (أفركوم) جهودها المعلنة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية عبر خطط تدريبية ومناورات مشتركة. ويطرح هذا التناقض تساؤلاً جوهرياً حول مدى انسجام التحركات الميدانية الحالية مع الرؤية العسكرية الأمريكية الرامية للاستقرار.

يرى محللون أن الصراع الدولي الراهن يتمحور حول السيطرة على موارد الطاقة أو إثارة الفوضى في إمداداتها لخدمة أجندات كبرى. وفي هذا السياق، قد تكون ليبيا مجرد ساحة خلفية لتصفية حسابات دولية تتعلق بأسعار النفط العالمية وممرات التجارة الدولية.

إن التاريخ القريب يشير إلى أن القوى الكبرى غالباً ما تستخدم الخطاب السياسي كغطاء لتأمين مصالحها المادية والروحية في المنطقة العربية. وما يحدث في ليبيا اليوم لا ينفصل عن سياق تاريخي طويل من محاولات الهيمنة على الثروات الطبيعية تحت مسميات مختلفة.

إذا استمرت المواقف الدولية والإقليمية على حالها دون تغيير جذري، فإن التحشيد الحالي قد لا يتعدى كونه أداة للضغط السياسي لتحسين شروط التفاوض. فالمناوشات المحدودة غالباً ما تسبق التسويات الكبرى لضمان حصول كل طرف على أكبر قدر ممكن من المكاسب في الاتفاق النهائي.

يبقى المواطن الليبي هو المتضرر الأكبر من حالة عدم اليقين هذه، حيث تنعكس التوترات العسكرية فوراً على الوضع المعيشي والاقتصادي. فإغلاق الحقول أو تهديد الموانئ يعني توقف الدخل الوحيد للبلاد، مما يدخل الدولة في نفق مظلم من الأزمات المالية المتلاحقة.

في الختام، تظل ليبيا رهينة للتوافقات الخارجية بقدر ما هي رهينة للصراعات الداخلية، والتحشيد العسكري الحالي هو اختبار حقيقي لمدى قدرة الأطراف المحلية على اتخاذ قرار مستقل بعيداً عن الإملاءات الدولية التي قد تجر البلاد إلى مغامرة غير محسوبة العواقب.

__________

مقالات مشابهة