مجدي الشارف الشبعاني
يأتي تناول هذا الموضوع في سياق إقليمي متحوّل، لم تعد فيه الأزمات العربية تُقرأ بوصفها حالات منفصلة أو شؤونا داخلية خالصة، بل كملفات متداخلة التأثير في منظومة الأمن والاستقرار الإقليميين.
ومع تعثر المسارات السياسية في ليبيا، وتزايد انعكاساتها الأمنية خارج حدودها، برز في الآونة الأخيرة نقاش سياسي وإعلامي عام حول موقع هذا الملف في حسابات بعض الدول العربية المؤثرة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، من زاوية استشراف المخاطر والبحث عن مقاربات وقائية.
ولا يُقصد بهذا الطرح الإشارة إلى مواقف معلنة أو مبادرات محددة، بقدر ما يعكس مناخا من إعادة التقييم الذي بات يحيط بالملف الليبي، في ضوء التحولات الإقليمية المتسارعة، وتشابك الأزمات، واتساع آثار الفوضى العابرة للحدود.
وهو ما يجعل من المشروع، في هذا التوقيت، مقاربة القضية الليبية بوصفها أحد عناصر معادلة الاستقرار الإقليمي، وتحليلها من زاوية المصلحة الاستراتيجية، بعيدا عن التكهن أو الإسقاط.
ومن هذا المنطلق، لا تسعى هذه المقالة إلى البناء على فرضيات سياسية، ولا إلى استباق قرارات أو نسب توجهات، وإنما إلى تقديم قراءة هادئة في منطق المصلحة: لماذا قد يصبح دعم مسار سياسي ليبي منضبط خيارا عقلانيا لأي مقاربة إقليمية تسعى إلى تقليص المخاطر وتعزيز الاستقرار، وفي مقدمتها المقاربة السعودية؟
لم تعد ليبيا تُختزل في كونها أزمة سياسية داخلية تبحث عن تسوية مؤجلة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى عامل مؤثر في معادلة الاستقرار الإقليمي، مع ما يرافق ذلك من تداعيات أمنية وسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية.
وفي ظل هذا التحول، يبرز سؤال عملي لا ينطلق من منطق النوايا، بل من منطق المصالح: هل يخدم الدفع نحو حل سياسي في ليبيا المصالح السعودية؟ ولماذا قد يكون ذلك أولوية في هذا التوقيت؟
تعتمد السياسة الإقليمية للمملكة العربية السعودية في مرحلتها الراهنة على مقاربة وقائية تقوم على خفض بؤر التوتر قبل تحولها إلى تهديدات مزمنة، وهي مقاربة تنطلق من قناعة مفادها أن كلفة احتواء الأزمات مبكرا أقل بكثير من كلفة إدارتها بعد انفجارها. ومن هذا المنظور، تُقرأ ليبيا باعتبارها إحدى الساحات التي لم تعد الفوضى فيها محلية الأثر، بل ذات امتدادات مباشرة على محيطها العربي.
فاستمرار الانقسام في ليبيا، مقرونا بضعف السيطرة الأمنية وتفكك المؤسسات، حوّل أجزاء واسعة من البلاد إلى فضاء مفتوح لشبكات السلاح غير النظامي والأنشطة العابرة للحدود.
هذا الواقع لم ينعكس فقط على الداخل الليبي، بل بدأ يُثقل كاهل الإقليم بأكمله، عبر مسارات تهريب وتدفقات بشرية وعسكرية يصعب ضبطها في ظل غياب دولة مركزية فاعلة.
وتزداد خطورة هذا المشهد حين تتقاطع الفوضى الليبية مع أزمات عربية أخرى، كما هو الحال في السودان. إذ تشير قراءات دولية متطابقة إلى أن المسارات غير المنضبطة المنطلقة من جنوب ليبيا باتت عاملا مُعقِّدا لجهود التهدئة في السودان، سواء عبر تدفقات سلاح أو تسهيلات لوجستية غير مباشرة.
وبذلك، لم تعد ليبيا مجرد أزمة قائمة بذاتها، بل جزءا من سلسلة تغذية متبادلة للصراعات في الإقليم.
من زاوية الأمن القومي السعودي، يفرض هذا التداخل قراءة مختلفة للملف الليبي. فالصراع السوداني، بما يحمله من أبعاد مرتبطة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا يمكن فصله عن البيئات الهشّة التي تسمح باستمراره. ومن ثم، فإن الاستثمار في استقرار ليبيا يصبح، بصورة غير مباشرة، استثمارا في تقليص المخاطر المحيطة بمسرح إقليمي شديد الحساسية للمملكة.
وفي هذا السياق، لا يُفهم دعم محتمل لمسار سياسي ليبي على أنه تدخل في شأن داخلي، بل كخيار استراتيجي ينسجم مع توجه سعودي أوسع يهدف إلى إغلاق ساحات الفوضى المفتوحة، وتجفيف منابع عدم الاستقرار التي تسمح للصراعات بالتمدد من دولة إلى أخرى.
فاستعادة الحد الأدنى من الدولة الليبية القادرة على ضبط حدودها ومؤسساتها من شأنه أن يقلّص قدرة الفاعلين غير الدوليين على تصدير العنف، ويعيد التوازن إلى واحدة من أكثر مناطق شمال أفريقيا هشاشة.
عمليا، لا يعني ذلك أن الطريق نحو تسوية ليبية سيكون سهلا أو سريعا. فالأزمة ما تزال معقدة، تتداخل فيها الانقسامات الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية متشابكة.
كما أن أي دور داعم، بما فيه الدور السعودي، سيظل محدود الأثر ما لم يكن منسقا مع الإطار الأممي، وعلى رأسه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وقائما على قبول ليبي واسع، وآليات تنفيذ واضحة تضمن عدم تكرار إخفاقات المبادرات السابقة.
لكن، وبرغم هذه القيود، فإن المقاربة الواقعية تشير إلى أن غياب الاستثمار في الحل لا يقل كلفة عن فشل المبادرات، بل قد يكون أكثر خطورة.
فترك ليبيا في حالة سيولة دائمة يعني الإبقاء على ثغرة إقليمية مفتوحة، قابلة لتغذية أزمات أخرى، في وقت يشهد فيه الإقليم تحولات متسارعة لا تحتمل المزيد من نقاط الانفجار.
في المحصلة، لا يبدو أن دعم حل سياسي في ليبيا يمثل عبئا استراتيجيا على السعودية، بقدر ما يمكن النظر إليه كجزء من سياسة استقرار إقليمي طويلة النفس، تقوم على الوقاية بدل الاستنزاف، وعلى تقليص المخاطر بدل التعايش معها.
فليبيا المستقرة ليست مكسبا لليبيين وحدهم، بل عنصر توازن ضروري في معادلة أمن عربي بات أكثر ترابطا وهشاشة في آن واحد.
___________
