حافظ الغويل

غالبًا ما تُوصَف معاناة ليبيا من خلال عدسة الفصائل المسلحة، والنفط، والفساد، وانهيار الحكم. غير أنّ أحد أعمق الشروخ في البلاد لا يُقاس ببراميل النفط المهدرة ولا بالكتائب المتحاربة، بل يُقاس بأجساد النساء.

فقد خاضت ليبيا، عمليًا، حربًا صامتة لكنها مدمّرة ضد النساء، تتجسّد في القتل بلا رادع، وتطبيع العنف، ومؤسسات أُفرغت من مضمونها إلى حدّ باتت فيه الحماية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.

ولفهم لماذا تتحمّل النساء العبء الأكبر من الانهيار البطيء للدولة، لا بدّ من البدء بفهم البنية الأساسية للحكم في ليبيا — أو بالأحرى غيابها.

حكومتان متنافستان، كلتاهما تدّعي الشرعية من دون أن توفّرا أمنًا حقيقيًا، خلقتا فراغًا تحكم فيه جماعات مسلّحة بالقوة لا بالقانون. ومع تغلغل الميليشيات داخل الوزارات، وتعرّض «الشرطة» للاختراق، وعجز المحاكم عن تنفيذ أحكامها، صار الإفلات من العقاب نسيجًا منسوجًا في الحياة اليومية.

في هذا السياق ازدهرت جرائم قتل النساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي. فالبيانات، على نقصها، تشير إلى أزمة مزمنة ومتفاقمة. ففي غضون أسبوع واحد من حملة أممية حديثة لمناهضة العنف ضد النساء، شهدت ليبيا ثلاث جرائم قتل بارزة: مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي أُطلقت عليها النار داخل سيارتها، وطبيبة قُتلت على يد أقاربها، والعثور على جثة امرأة مجهولة ملقاة خارج طرابلس.

والأسوأ أنّ كثيرًا من الحالات لا تصل إلى العلن، لأن معظم عمليات القتل تقع داخل المنازل، وغالبًا ما يرتكبها أزواج على صلة بجماعات مسلحة أو يحملون صدمات سنوات الصراع. ولا يقتصر هذا العنف على الفضاء الأسري؛ فالمهاجرون، وغيرها من الفئات الهشّة، يواجهون أوضاعًا ترقى إلى الافتراس الصريح.

ففي منتصف عام 2025 وحده، جرى اعتراض أكثر من 14 ألف مهاجر وإعادتهم إلى ليبيا، بينهم أكثر من ألف امرأة. وقد احتُجزوا في مرافق تديرها ميليشيات أو متاجرون بالبشر يتخفّون بصفة وكلاء للدولة. وتوثّق التقارير بانتظام أنماطًا ممنهجة من الإساءة والتعذيب والاستغلال داخل تلك مراكز الاحتجاز.

حتى عملية الإنقاذ الأخيرة لإحدى عشرة امرأة مهاجرة مختطفة على يد وحدات عسكرية تكشف حقيقة مقلقة: عندما يكون الفاعلون أنفسهم المكلّفون بفرض «الأمن» متورطين أحيانًا في الانتهاكات، تصبح السلامة مسألة حظ.

ومن العلل الجذرية أيضًا استمرار عقد اجتماعي يعتبر استقلالية النساء أمرًا قابلًا للمساومة. فالإطار القانوني في ليبيا لا يزال عاجزًا عن تجريم العنف الأسري، أو إساءة المعاملة الزوجية، أو التحرش الجنسي.

بل إن مجرّد الإبلاغ عن العنف القائم على النوع الاجتماعي قد يعرّض الضحايا للملاحقة القضائية. ومشروع قانون يعترف بجميع أشكال العنف ضد النساء ما زال عالقًا منذ عام 2023. كما أنّ حظر استخدام كلمة «النوع الاجتماعي» في السياسات الرسمية يعكس ثقافة سياسية ترى في المساواة تهديدًا، لا التزامًا دستوريًا.

ويجد المجتمع الليبي نفسه في مفارقة غريبة يمكن تسميتها «حامي–معتدي». فبحسب الأعراف الاجتماعية، يُناط بالذكور دور حماية النساء. لكن عمليًا، كثيرًا ما يكون الرجال المفترض بهم توفير الحماية هم أنفسهم من يُنزلون أكبر الأذى.

في طرابلس وبنغازي وسبها، على سبيل المثال، تُجبر النساء على الاعتماد على أولياء ذكور للحركة، والأمان المالي، والقبول الاجتماعي. ويخلق هذا الاعتماد ظروفًا يتحوّل فيها التحكم بسهولة إلى إساءة — أو ما هو أسوأ. وتصف كثير من النساء هذه الوصاية القسرية بأنها فخ: نظام تكون فيه الحماية مشروطة بالطاعة، ويستدعي العصيان العقاب.

ويفاقم الاقتصاد السياسي للعنف الوضع سوءًا. فالجماعات المسلحة، المغمورة بأموال الدولة عبر شبكات المحسوبية، تمتلك الموارد وسلطة الإكراه معًا. وبعض النساء يلجأن حتى إلى الزواج من عناصر ميليشياوية لتجنّب التحرش عند نقاط التفتيش، كاستراتيجية بقاء تضعهن في خطر أكبر للعنف داخل البيت.

أما شلل الحكم في ليبيا فقد ضاعفت من الرقابة الأيديولوجية. ففي شرق البلاد، تؤيّد السلطات الفصل بين الجنسين وقيود حركة النساء. وفي الغرب، أدّت «شرطة الأخلاق» إلى توقيف نساء بتهم فضفاضة مثل استضافة «تجمّعات مختلطة».

وقد سمح تراجع الدولة لفاعلين آخرين، رسميين وغير رسميين، بفرض معايير قمعية بشكل انتقائي، ما زاد الضغط على النساء لفرض رقابة ذاتية والانسحاب الكامل من الحياة العامة.

وتصاعد العنف الإلكتروني أيضًا، محوّلًا وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة أخرى للترهيب؛ إذ وثّق مراقبو الانتخابات زيادةً بنسبة 89 في المئة في هذه الهجمات ضد النساء هذا العام.

في مثل هذا المناخ، تصبح المشاركة السياسية فعلًا محفوفًا بالمخاطر الشخصية. فقد خلّفت الاغتيالات البارزة — مثل اغتيال الناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص عام 2014، وحنان البرعصي عام 2020، وغيرهما — أثرًا مخيفًا. فكل عملية قتل تحمل الرسالة نفسها: النساء اللواتي يرفعن أصواتهن أهدافٌ مشروعة.

لكن العواقب تتجاوز المأساة الفردية؛ إذ إن حرب ليبيا على النساء تنخر أيضًا عملية بناء الدولة. فإقصاء النساء من الحياة العامة يقلّل المنافسة السياسية، ويقزّم النقاش المدني، ويُبعد فاعلات أساسيات عن مسارات السلام الحاسمة.

وقد أظهرت عقود من البحث في الحوكمة ما بعد النزاعات أنّ الدول ذات المستويات الأعلى من إدماج النساء أكثر استقرارًا، وأكثر ديمقراطية، وأقل عرضة للارتداد إلى العنف.

أما ليبيا، فقد تراجعت حتى عن المكاسب المحدودة التي حققتها بعد 2011. وعمليًا، تجد النساء اللواتي ساهمن في إشعال الثورة أنفسهن اليوم مُهمّشات في النظام ذاته الذي كنّ يأملن إعادة تشكيله.

وهناك كلفة اقتصادية أيضًا. فعندما يُقيَّد نصف سكان بلد بالخوف أو التحرش أو قيود الحركة، تنخفض الإنتاجية، وتنكمش أسواق العمل، وتتعمّق هشاشة الأسر.

وفوق ذلك، فإن تعثّر جهود التنويع الاقتصادي في ليبيا، وأزمة بطالة الشباب، وتقلّص الفضاء المدني، كلها مرتبطة بهذا التدهور في حقوق النساء. فالمجتمع الذي يفشل في تجريم العنف ضد النساء — أو حتى يتسامح معه — هو مجتمع يحرق رأسماله الاجتماعي بيده. ولهذا تحديدًا لا ينبغي دفع قضية النساء إلى الهامش؛ بل يجب اعتمادها أداة تشخيص — اختبارًا حاسمًا لمعرفة ما إذا كانت ليبيا قادرة على إعادة بناء نفسها بشكل مستدام.

فبلد لا يستطيع حماية النساء لا يمكنه الاستقرار. ودولة تسمح للميليشيات بترويع النساء لا يمكنها الحكم. وطبقة سياسية ترفض إقرار أبسط أشكال الحماية للنساء لا يمكنها الادّعاء بالشرعية.

تحتاج ليبيا إلى مؤسسات فاعلة قادرة على إنفاذ القانون، لا مجرد محاكاته. وتحتاج إلى محاكم تتعامل مع العنف ضد النساء بوصفه جريمة، لا «مسألة عائلية».

وتحتاج إلى عقد سياسي يلتزم بالمساواة، لا كتنازل لرعاة خارجيين، بل كأساس لدولة مستقرة. والأهم، تحتاج إلى إعادة تصور معنى «الحماية» نفسه، بالانتقال من نموذج قائم على الوصاية إلى نظام قائم على المواطنة تكون فيه الحقوق أصيلة غير قابلة للتفاوض.

إن حرب ليبيا على النساء هي، في جوهرها، حرب على مستقبلها. فلن تنجح أي خريطة طريق للانتخابات، أو اتفاق لوقف إطلاق النار، أو لجنة دستورية، إذا ظل نصف السكان محاصرين أو مُسكتين أو مُعنَّفين.

وسيكون المعيار النهائي لعودة ليبيا هو قدرة النساء على القيادة بلا خوف، والكلام بلا تهديد، والعيش بلا مساومة على الحماية. وحتى يتحقق ذلك، ستظل ليبيا بلدًا يخوض المعارك الخاطئة — ويخسر أهمّها.

***

حافظ الغويل: زميل أول ومدير برنامج في مركز ستيمسون بواشنطن، وزميل أول في مركز دراسات الصراع والعمل الإنساني.

________________

مقالات مشابهة