
مع دخول حرب إيران أسبوعها الثاني، يجد الاقتصاد الليبي نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين مكاسب سريعة ومخاطر متصاعدة.
ويرى مسؤولون ليبيون، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أنه على المدى القصير سيجني الاقتصاد مكاسب مؤقتة لاعتماده على عائدات النفط المرتفعة عالياً، لكن في المقابل هناك خسائر وانعكاسات مباشرة على سعر عملة الدينار وميزانية البلاد مع فاتورة استيراد ستكون باهظة جراء تأثر الإمدادات في العالم وتضرر حركة الشحن مع تعطل مرور السفن بـ«مضيق هرمز».
يعتمد الاقتصاد الليبي بنسبة تفوق 90% على النفط، وبلغت إيراداته 79.4 مليار دينار (14.65 مليار دولار) في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، وفقاً لمصرف ليبيا المركزي.
السوق الموازية
يقف اقتصاد ليبيا أمام مفارقة منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي، بين الطامحين في أرباح نفطية والباحثين عن حلول لأزمة العملة والأسواق.
وبحث محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، الاثنين، مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، توفير الموارد لزيادة الإنتاج النفطي، بحسب وكالة الأنباء الرسمية للبلاد.
بالمقابل، لا يزال الدولار يواصل قفزاته أمام الدينار، واقترب من حاجز 11 ديناراً في السوق الموازية، بعدما حلق إلى مستوى 10.64 دينار بالسوق الموازية، وفق إعلام ليبي.
كما عقد المجلس الأعلى للدولة بليبيا، الاثنين، جلسة تشاورية بمقره في العاصمة طرابلس برئاسة رئيس المجلس محمد تكالة، لبحث أسباب الارتفاع المفاجئ في سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازية، إضافة إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على معيشة المواطنين، وفق بيان للمجلس نقله إعلام محلي.
مكاسب وضغوط
يرى وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، الدكتور سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس» أنه «نظراً لاعتماد الاقتصاد الليبي بشكل أساسي على عائدات النفط، فإن أي تصعيد في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً المرتبط بالأحداث في إيران، ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الليبي وسعر صرف الدينار».
على المدى القصير، قد يؤدي التوتر الجيوسياسي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وهو ما ينعكس إيجابياً على الإيرادات النفطية لليبيا ويعزز تدفق العملات الأجنبية إلى مصرف ليبيا المركزي، ما قد يسهم في دعم استقرار الدينار الليبي مؤقتاً، وفق تقدير الغويل.
لكن في المقابل، فإن استمرار التوتر قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً وزيادة التضخم، وهو ما يرفع تكلفة الواردات التي يعتمد عليها السوق الليبي بدرجة كبيرة، مما قد ينعكس في زيادة الأسعار محلياً والضغط على القوة الشرائية للمواطن، وفق المسؤول الليبي الحالي.
وعليه، بحسب الغويل ستكون «التداعيات على الاقتصاد الليبي والعملة مزيجاً من مكاسب محتملة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، مقابل ضغوط تضخمية وارتفاع تكلفة الواردات، ويبقى الأثر النهائي مرهوناً بمدة الأزمة واتجاهات سوق الطاقة العالمية».
ويرى الغويل أن «إغلاق مضيق هرمز سيعزز أرباح الدول المصدرة للنفط ومنها ليبيا على المدى القصير عبر ارتفاع الأسعار، لكنه قد يخلق ضغوطاً تضخمية وتكاليف اقتصادية غير مباشرة إذا طال أمد الأزمة».
ووسط أزمات واضطرابات، سجّل متوسط الإنتاج 1.2 مليون برميل يومياً في 2023، و1.092 مليون برميل يومياً في 2024، قبل أن تصل نحو 1.4 مليون برميل يومياً منذ منتصف 2025، مع خطط لرفع الإنتاج إلى 1.6 مليون برميل يومياً في 2026، والوصول إلى 2 مليون برميل خلال 5 سنوات، وفق تقديرات رسمية.
أرباح معلقة
على مسافة قريبة، يعتقد وزير النفط الليبي السابق محمد عون، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «ارتفاع أسعار النفط والمنتجات النفطية والغاز المسال وغيرها له تأثير على دول العالم أجمعها، وليس على ليبيا فقط، وبالتأكيد سيزيد دخل البلاد نتيجة لارتفاع هذه الأسعار»، داعياً المصرف المركزي لعدم صرف الزيادة المحتملة واتخاذ قرار بضمها للاحتياطات.
ويرى أن «الأرباح ربما تكون معلقة بمدة هذه الأزمة؛ فربما لو تُحل الأزمة ويُفتح «مضيق هرمز»، قد تعود الأسعار إلى المستويات العادية، خاصة وأن الولايات المتحدة ترى أن أسعار النفط يجب أن تكون منخفضة وليست مرتفعة بهذه الدرجة الكبيرة غير المسبوقة، الناتجة عن الحرب».
فرصة ذهبية مهددة
كذلك يرى المستشار السابق بوزارة النفط والخبير بقطاع الطاقة أحمد الغابر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «ليبيا ستربح عوائد أكثر بارتفاع أسعار النفط، وسيعزز غلق مضيق هرمز ذلك مؤقتاً لكن لا تزال تلك الزيادة المحتملة مهددة بزيادة في أسعار السلع وهذه مفارقة ومعضلة في ذات الوقت».
ويرى أن «هذه الفرصة الذهبية لليبيا لبيع نفطها بأعلى سعر مهددة أيضاً ليس بارتفاع الأسعار ولكن بأن البلاد غير قادرة على زيادة الإنتاج بأي كمية معقولة في ظل احتياجات تطوير الحقول والتهام سداد الديون ومشاريع المحافظة على الإنتاج أي ضخ جديد لأموال في ميزانية قطاع النفط».
تعتمد ليبيا على فاتورة الاستيراد لتأمين أكثر من 80% من احتياجاتها الأساسية، مما يدفع المستوردين التجار إلى التهافت على شراء الدولار كملاذ آمن، ما يخلق ضغطاً هائلاً يرفع سعر صرف الدينار في السوق السوداء إلى مستويات قياسية، مما يترجم فوراً إلى زيادات في أسعار السلع، بحسب إعلام ليبي.
أسعار السلع في ليبيا ليست الوحيدة التي تخضع لضغوط حرب إيران بل سترفع بحسب المصادر ذاتها فاتورة دعم المحروقات بشكل كبير، ذلك أن ليبيا، وعلى الرغم من كونها دولة نفطية، لا تملك مصافي كافية لتغطية حاجتها من المشتقات المكررة، مما يجعلها تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها من الوقود والغاز بأسعار عالمية مرتفعة، مما يضغط على الميزانية العامة ويحد من أي فائض مالي محتمل.
مع اعتماد قرابة ثلث السكان على رواتب حكومية ثابتة لا تتغير بتغير الأسعار، فإن أي ارتفاع في كلفة المعيشة يعني تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، وفق ما تتحدث المصادر الليبية ذاتها.
كما تشير بيانات البنك المركزي إلى أن رواتب القطاع العام في الدولة المنتجة للنفط قفزت 104% خلال السنوات الأربع الماضية إلى 67.6 مليار دينار ليبي (نحو 13.70 مليار دولار) 2024 مقارنة مع 33.1 مليار دينار في عام 2021.
____________