صلاح الهوني

إذا كان محمد عون سيطرح اسمه لقيادة حكومة إنقاذ، فيجب أن يكون أول من يقبل بقواعد تجعل حكومته تحت الرقابة.
بعد سنوات طويلة من الانقسام والارتباك وتعدد مراكز النفوذ، ربما يكون السؤال الذي تحتاج ليبيا إلى طرحه اليوم مختلفاً عن الأسئلة التي اعتادت طرحها منذ 2011.
لم يعد السؤال فقط: من يستطيع أن يشكل حكومة جديدة؟ ولا من يستطيع أن يجمع هذا الطرف أو ذاك؟ وإنما: من يستطيع أن يقود حكومة محدودة المهمة، واضحة الصلاحيات، وتضع استعادة ثقة الليبيين في مؤسسات الدولة قبل أي حساب آخر؟
ومن هنا، فإن ما يقوله وزير النفط السابق محمد عون في ظهوره الإعلامي الأخير يستحق أن يُقرأ بعيداً عن الضجيج السياسي المعتاد، ليس لأن كل ما يقوله يمثل بالضرورة الحقيقة النهائية، وإنما لأن الرجل يعيد إلى الواجهة ملفات تتعلق بالنفط والمال العام والعقود والإنفاق وإدارة واحدة من أهم ثروات الليبيين.
عون لم يتحدث للمرة الأولى عن سوء إدارة قطاع النفط أو عن أموال ومشروعات وعقود يرى أنها تحتاج إلى مراجعة. وخلال السنوات الماضية دخل في أكثر من مواجهة حول طريقة إدارة القطاع، وطرح أسئلة تتعلق بالتعاقدات وتطوير الحقول والغاز والوقود وأوجه الإنفاق.
وفي 2026 عاد إلى انتقاد إدارة ملفات النفط والغاز والوقود، متحدثاً عن مليارات يرى أنها أُهدرت بسبب سوء الإدارة، وهي اتهامات ينبغي أن تبقى، مهما كانت خطورتها، في إطار ما يقوله صاحبها إلى أن تفصل فيها الجهات الرقابية والقضائية المختصة.
وهنا بالضبط تكمن أهمية القضية. ليبيا ليست بحاجة إلى مزيد من السجالات الإعلامية التي يتبادل فيها المسؤولون الاتهامات ثم تغلق الملفات بانتهاء المقابلات. إذا كانت هناك مليارات أُنفقت، فيجب أن نعرف أين ذهبت. وإذا كانت هناك عقود أبرمت، فيجب أن نعرف شروطها ومن استفاد منها. وإذا كانت هناك مشروعات تعثرت رغم تخصيص الأموال لها، فيجب أن نعرف لماذا تعثرت ومن يتحمل المسؤولية.
فالمال العام لا يحميه طرف سياسي من خلال الدفاع عن نفسه، وإنما تحميه مؤسسات الرقابة والقضاء وشفافية المعلومات.
ومن هنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية عن كل ما يقوله عون: من يحمي الرجل نفسه عندما يتحدث عن ملفات بهذه الحساسية؟ في بلد ما زالت فيه السياسة مرتبطة في كثير من الأحيان بموازين القوة والنفوذ، يصبح أمن المسؤول أو الموظف أو الصحفي الذي يفتح ملفات المال العام قضية تتجاوز الشخص إلى الدولة.
حماية محمد عون، أو أي مسؤول يكشف معلومات ويطرح أسئلة حول إدارة المال العام، يجب ألا تكون منّة من أحد، وإنما مسؤولية مؤسسات الدولة. وإذا كان عون مخطئاً، فالقانون موجود لمحاسبته. وإذا كان ما يقوله يحتاج إلى تحقيق، فليُفتح التحقيق.
وليس ممكناً أيضاً فصل قضية عون عن المسار القانوني الذي مر به خلال السنوات الماضية. ففي مارس 2024 أوقفت هيئة الرقابة الإدارية عون احتياطياً عن العمل، قبل أن تصدر في مايو من العام نفسه قراراً برفع الوقف، فعاد إلى مباشرة عمله في وزارة النفط.
وبعد ذلك دخل في نزاع مع حكومة الوحدة الوطنية حول وضعه في الوزارة وتكليف وكيل بتسيير مهامها. وفي ديسمبر 2024 رفضت الدائرة الإدارية الثالثة بمحكمة استئناف طرابلس الاستشكال المقدم من رئيس الحكومة بشأن الحكم الصادر لصالح عون، وقضت بتمكينه من العودة إلى وظيفته، وفق ما أوردته مصادر ليبية.
وقد تطورت القضية لاحقاً إلى نزاع أوسع حول قرارات الإعفاء وتنفيذ الأحكام، فيما تحدث عون عن أحكام أخرى صدرت لصالحه. وهذه التفاصيل، بصرف النظر عن الموقف من الرجل أو من الحكومة التي كان جزءاً منها، تضع أمام ليبيا سؤالاً بالغ الحساسية: ماذا يعني احترام حكم القضاء في دولة ما زالت مؤسساتها منقسمة؟
لأن الدولة التي تريد بناء الثقة لا يمكنها أن تطالب المواطنين باحترام القانون بينما تتحول الأحكام القضائية إلى موضوع قابل للتأويل السياسي أو التفاوض الإداري.
دولة القانون لا تختار الأحكام التي تناسبها، ثم تبحث عن مبررات لتأجيل الأحكام التي لا تناسبها. وإذا كان الحكم القضائي قابلاً للطعن، فهناك طرق الطعن. أما إذا أصبح نهائياً وواجب التنفيذ، فإن احترامه جزء من احترام الدولة لنفسها.
لكن القضية التي أراها أهم من كل ذلك هي: لماذا لا نفتح النقاش حول إمكانية أن يكون محمد عون رئيساً لحكومة إنقاذ وطنية محدودة المهمة؟
هذا السؤال لا يعني أن عون يملك حلاً سحرياً لأزمة ليبيا، ولا يعني أنه رجل بلا أخطاء، ولا أن تجربته السابقة في وزارة النفط تمنحه تلقائياً حق قيادة الحكومة. بل يعني شيئاً أبسط: بعد سنوات من الحكومات التي تشكلت على أساس التوازنات السياسية والترضيات والمحاصصة. لماذا لا تجرب ليبيا نموذجاً مختلفاً يقوم على حكومة صغيرة من أصحاب الكفاءة، تكون مهمتها محددة، وولايتها محددة، ورقابتها واضحة، وهدفها الأساسي إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والدولة وتهيئة الطريق أمام انتخابات حقيقية؟
وفي هذا التصور يمكن أن يكون النفط نقطة البداية، لا لأن ليبيا بلد نفطي فقط، بل لأن النفط هو المورد الذي تقوم عليه الدولة كلها تقريباً. ولذلك فإن حماية الثروة النفطية يجب أن تكون إحدى أولويات أي حكومة إنقاذ.
المطلوب ليس فقط زيادة الإنتاج، وإنما إصلاح طريقة إدارة القطاع، ورفع مستوى الشفافية في العقود والمشروعات والإنفاق، وإعادة الاعتبار إلى التخطيط الفني، وربط الإنفاق النفطي بعوائد واضحة على الاقتصاد والمواطن.
لقد تحدث عون خلال وجوده في وزارة النفط عن خطط لزيادة الإنتاج وتطوير قطاع النفط والغاز، كما دخل في خلافات متكررة حول طريقة إدارة القطاع والعقود والمشروعات. لكن أي تجربة جديدة يجب ألا تقوم على ثقة شخصية في الوزير أو رئيس الحكومة، بل على قواعد مؤسسية تجعل حتى المسؤول الذي نثق به خاضعاً للرقابة.
وهذا هو الفارق بين البحث عن “رجل نزيه” والبحث عن “دولة نزيهة”.
ليبيا لا تحتاج إلى رجل قوي جديد يحتكر القرار، وإنما إلى حكومة قوية بالمؤسسات. وإذا كان محمد عون سيطرح اسمه لقيادة حكومة إنقاذ، فيجب أن يكون أول من يقبل بقواعد تجعل حكومته تحت الرقابة. إقرار ذمة مالية، وميزانية معلنة، ونشر العقود الكبرى، وتمكين أجهزة الرقابة من ممارسة دورها، واحترام القضاء، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام، ومحاسبة أي مسؤول تثبت مخالفته، بما في ذلك رئيس الحكومة نفسه. بهذه الطريقة فقط يمكن أن تتحول فكرة النزاهة من صفة شخصية إلى نظام حكم.
فالنفط الليبي ليس ملكاً لمحمد عون، ولا لعبد الحميد الدبيبة، ولا لأي حكومة في طرابلس أو الشرق، ولا لأي رئيس وزراء قادم. النفط ملك الليبيين. ولذلك فإن كل دولار يخرج من الخزانة العامة يجب أن يكون له عنوان واضح، وكل مشروع يجب أن يكون قابلاً للتدقيق، وكل عقد يجب أن يخضع للقانون، وكل شركة تتعامل مع الدولة يجب أن تعرف أن الشفافية ليست خياراً.
وإذا كانت هناك اتهامات بالهدر أو الفساد، فالحل ليس أن يصدق الناس عون أو يكذبوه. الحل أن تفتح الملفات أمام الجهات المختصة، وأن تنشر النتائج للرأي العام. فالعدالة لا تقوم على التصديق الأعمى بالمسؤول، كما لا تقوم على إدانته مسبقاً.
ومن هنا أيضاً فإن حكومة الإنقاذ التي يمكن التفكير فيها يجب أن تكون حكومة مهمة، لا حكومة إقامة. حكومة تقول منذ يومها الأول: هذه مهمتي، وهذه صلاحياتي، وهذه ميزانيتي، وهذه المدة التي أطلبها، وهذه المؤشرات التي سيحاسبني الليبيون عليها. وإذا انتهت المهمة، تنتهي الحكومة.
لا نريد مرحلة انتقالية جديدة تتحول إلى نظام دائم.
ولا نريد حكومة تأتي تحت عنوان “الإنقاذ” ثم تكتشف بعد سنوات أن الإنقاذ يحتاج إلى إنقاذ آخر.
المطلوب حكومة مصغرة، بعدد محدود من الوزارات، تركز على الملفات التي يمكن أن تعيد للدولة قدرتها على العمل: الأمن والمؤسسات، النفط والمال العام، الكهرباء والخدمات، توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وتهيئة الظروف القانونية والسياسية لإجراء انتخابات حقيقية وتسليم السلطة.
وفي هذا السياق يمكن أن يكون طرح اسم محمد عون مفيداً للنقاش حتى لو انتهى الأمر إلى عدم اختياره. فالقضية ليست أن نبحث عن شخص نضعه فوق الدولة، وإنما أن نبحث عن نموذج حكومة يمكن أن يستعيد ثقة الليبيين.
وإذا كان عون، كما يراه بعض الليبيين، يمثل شخصية ارتبطت في تجربتها السياسية بخطاب يدعو إلى احترام القانون والشفافية في قطاع النفط، فإن أفضل طريقة لاختبار ذلك ليست بالمديح، وإنما بوضعه أمام قواعد صارمة لا يستطيع تجاوزها هو نفسه.
لقد سأل الليبيون طويلاً: من سيحكم ليبيا؟ وربما آن الأوان لأن نغير السؤال إلى: من يستطيع أن يقود مرحلة إنقاذ قصيرة، محددة، شفافة، ثم يسلم السلطة؟
هذا سؤال مختلف.
فهو لا يبحث عن زعيم جديد، ولا عن شخصية تنضم إلى قائمة الشخصيات التي حكمت ليبيا أو حاولت حكمها. إنه يبحث عن رئيس حكومة يعرف منذ اليوم الأول أن مهمته ليست البقاء، وإنما الرحيل بعد إنجاز ما تعهد به.
وإذا كان اسم محمد عون مطروحاً في هذا النقاش، فأنا أراه جديراً بأن يُطرح بجدية، لا باعتباره مرشحاً فوق النقد، وإنما باعتباره اختباراً لفكرة أكبر: هل تستطيع ليبيا أن تمنح الكفاءة والنزاهة فرصة بعيداً عن المحاصصة؟
لكن إعطاء النزاهة فرصة لا يعني إعطاء شخص ثقة مطلقة. بل يعني إعطاء المؤسسات فرصة أيضاً.
فإذا كان محمد عون مخطئاً في بعض ما يقول، فليظهر ذلك أمام القضاء والرقابة. وإذا كانت لديه ملفات صحيحة، فلتفتح التحقيقات بشأنها. وإذا كان صالحاً لقيادة حكومة إنقاذ، فليثبت ذلك من خلال برنامج واضح وفريق كفء وقواعد شفافة.
أما أن يبقى النقاش في دائرة الأشخاص والاتهامات المتبادلة، فهذا هو بالضبط ما أوصل ليبيا إلى ما هي عليه.
بعد خمسة عشر عاماً من الانقسام، ربما لا تحتاج ليبيا إلى تجربة سياسية جديدة بقدر حاجتها إلى تجربة مؤسساتية مختلفة: حكومة صغيرة، مهمة محددة، مال عام مكشوف، قضاء محترم، ونهاية معلنة للمرحلة الانتقالية.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل محمد عون هو المنقذ؟ لا أحد يملك الإجابة عن ذلك مسبقاً.
السؤال الأصح هو: هل تستطيع ليبيا أن تختبره، هو أو غيره، داخل نظام صارم من الشفافية والمحاسبة، بعيداً عن المحاصصة ومراكز النفوذ؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون هذه بداية الطريق.
وإذا كانت ليبيا قد سئمت فعلاً من الحكومات التي تبدأ بوعود الإصلاح وتنتهي بطلب تمديد المرحلة الانتقالية، فإن الوقت ربما حان لتجربة شيء مختلف: حكومة تعرف لماذا جاءت، وما الذي ستفعله، ومتى ستغادر.
وفي هذا الإطار، يطرح اسم محمد عون بوضوح، لا باعتباره الرجل الذي يملك مفتاح الأزمة الليبية، وإنما باعتباره اسماً يمكن اختباره ضمن تجربة وطنية مختلفة.
___________
