العرب

مسارات دولية متوازية.. لكن الانقسام الليبي يزداد تعقيداً
على مدى أكثر من عقد، لم تتوقف الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، كما لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات التي تجمع ممثلي المعسكرين المتنافسين في الشرق والغرب مع مسؤولين دوليين وإقليميين. غير أن كثافة الحراك الدبلوماسي لم تنعكس، حتى الآن، في صورة إصلاحات مؤسسية وسياسية ملموسة يشعر بها الليبيون في حياتهم اليومية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة بشأن جدوى مسارات الوساطة الدولية، وما إذا كانت تخدم فعلاً هدف بناء الدولة أم تمنح النخب المتنافسة مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب مواقعها ومصالحها.
وتتزامن هذه التساؤلات مع تحرك مسارين دوليين متوازيين في ليبيا؛ أولهما خارطة الطريق التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والثاني المبادرة الأميركية التي طرحها مسعد بولس، مستشار الشؤون العربية للرئيس الأميركي.
وبينما يعلن المساران أن هدفهما يتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية، وتوحيد المؤسسات، والوصول إلى انتخابات وطنية، وتعزيز الاستقرار، فإن الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع السياسي الليبي لا تزال واسعة.
وتعود جذور المشكلة إلى طبيعة المشهد السياسي نفسه، حيث لم تنجح النخب الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تجاوز الحسابات الشخصية والمناطقية ومصالح شبكات النفوذ.
وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والبرلمانات والمبادرات الانتخابية، بقيت ليبيا عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، تتنافس فيها مراكز السلطة على الشرعية والموارد والنفوذ.
وتحاول خارطة الطريق الأممية، التي أُعلنت في أغسطس 2025، كسر هذه الحلقة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، تتعلق بوضع إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتشكيل حكومة انتقالية موحدة ذات ولاية محددة، وإطلاق حوار سياسي موسع يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمجتمع المدني والنساء والشباب ومختلف الأطراف الليبية.
لكن تطبيق هذه الرؤية اصطدم سريعاً بتضارب المصالح بين القوى السياسية، وبضعف قدرة البعثة الأممية على فرض مسار ملزم على الأطراف المتنافسة.
ومع تعثر خطوات تشكيل حكومة موحدة ووضع إطار انتخابي متفق عليه، انتقلت الجهود بصورة أكبر نحو الحوار المنظم، في محاولة لتجاوز الانسداد السياسي.
ولا تكمن المشكلة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الليبيين، فقط في طبيعة المقترحات المطروحة، وإنما في غياب النتائج. فالحوارات والمؤتمرات واللقاءات الدولية باتت مشهداً مألوفاً، لكن المواطن الليبي لا يرى بالقدر نفسه تقدماً في توحيد المؤسسات، أو تحسين الخدمات، أو تعزيز الشفافية، أو إنهاء الانقسام بين المؤسسات السياسية والعسكرية، أو تحديد موعد واضح لانتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.
وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات المشهد الليبي: كلما تعثرت العملية السياسية، ازداد حضور النخب الليبية في الاجتماعات الدولية، وكأن المشاركة في اللقاءات الخارجية أصبحت بديلاً عن اتخاذ القرارات الصعبة داخل البلاد.
وخلال عام 2026، كثفت شخصيات بارزة من شرق ليبيا وغربها زياراتها إلى عواصم إقليمية ودولية، وحرصت على إبراز لقاءاتها مع مسؤولين كبار باعتبارها مؤشراً على تنامي الاعتراف الدولي بها. لكن هذه اللقاءات، على كثرتها، لم تنتج حتى الآن تسوية سياسية شاملة، ولم تدفع الأطراف المتنافسة إلى تقديم تنازلات جوهرية بشأن القضايا التي تعرقل توحيد الدولة.
وتتحول الدبلوماسية الخارجية، في هذا السياق، إلى جزء من المنافسة الداخلية. فاللقاء الذي يعقده مسؤول ليبي مع شخصية أميركية أو أوروبية بارزة يمكن أن يستخدم داخلياً باعتباره دليلاً على قوة نفوذه، في حين تنظر إليه الأطراف المنافسة باعتباره محاولة للحصول على دعم خارجي.
وهكذا يصبح التواصل الدولي أداة في الصراع السياسي بدلاً من أن يكون وسيلة لإنهائه.
وتكشف التحركات الأخيرة المرتبطة بالمبادرة الأميركية هذه المعضلة بوضوح. فقد حظيت مبادرة بولس باهتمام واسع من بعض القوى الليبية، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات نفوذ مؤثرة في الملف الليبي. إلا أن المبادرة تواجه في الوقت نفسه أسئلة حول مدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي، خصوصاً أنها لا تتمتع بالتفويض الدولي الذي تستند إليه بعثة الأمم المتحدة.
كما أن توازي المسارين الأممي والأميركي يطرح سؤالاً آخر حول طبيعة العلاقة بينهما. فإذا كان الهدف هو استكمال جهود الأمم المتحدة، فإن المطلوب هو تنسيق واضح يمنع تضارب المسارات.
وأما إذا تحول الأمر إلى منافسة على النفوذ والوساطة، فقد تجد ليبيا نفسها أمام مبادرتين دوليتين، بينما يبقى جوهر الأزمة دون حل.
لكن الأزمة الأعمق تظل داخل ليبيا نفسها. فالنخب السياسية التي تشارك في هذه المسارات ليست بالضرورة مستعدة للتخلي عن الامتيازات التي يوفرها استمرار الوضع الانتقالي. فالانتخابات، رغم كونها المخرج المعلن من الأزمة، تعني بالنسبة إلى كثير من مراكز النفوذ احتمال فقدان مواقع سياسية واقتصادية وأمنية تراكمت خلال سنوات الانقسام.
ولهذا، فإن الحديث عن الانتخابات لا يمكن فصله عن سؤال أكثر حساسية يتعلق بقواعد اللعبة السياسية والاقتصادية التي ستنشأ بعدها. من سيسيطر على المؤسسات السيادية؟ كيف سيتم توزيع عائدات النفط؟ ما مصير الترتيبات الأمنية القائمة؟ وكيف ستُدمج القوى المسلحة؟ ومن يملك حق إدارة الموارد العامة؟ هذه الأسئلة هي جوهر الأزمة، وهي أيضاً من أكثر الملفات التي يصعب على النخب المتنافسة تقديم تنازلات بشأنها.
وتزداد حساسية المسألة مع استمرار النفط في احتلال موقع مركزي في الاقتصاد والسياسة الليبيين. فبدلاً من أن يكون النفط قاعدة لتمويل بناء مؤسسات الدولة، أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة النفوذ بين القوى المتنافسة، بينما تستقطب مشاريع الطاقة والاستثمار اهتماماً دولياً متزايداً.
وتثير الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية التي أُبرمت مع شركات دولية، ولا سيما في قطاعي النفط والطيران، تساؤلات لدى الليبيين بشأن الأولويات. فبينما تحتاج ليبيا بالفعل إلى استثمارات أجنبية وإعادة بناء قطاعاتها الاقتصادية، يخشى كثيرون من أن تتحول الصفقات الاقتصادية إلى وسيلة لتعزيز شرعية النخب القائمة قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية تمنح هذه الشرعية أساساً شعبياً ومؤسسياً.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في الاستثمارات الأجنبية بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي تجري فيها. فالاستثمار المستدام يحتاج إلى مؤسسات موحدة وقواعد قانونية واضحة وشفافية ومساءلة، وهي أمور لا تزال تعاني من الانقسام وضعف المؤسسات.
وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي نفسه يتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار هذا الوضع. فقد تعاملت قوى دولية عديدة مع النخب الليبية باعتبارها بوابات لا غنى عنها للتعامل مع البلاد، ما منح هذه النخب قدرة إضافية على إعادة إنتاج نفوذها.
وكلما احتاج الخارج إلى وسيط محلي لتنفيذ ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، حصلت القوى القائمة على مزيد من الأهمية، حتى وإن كانت عاجزة عن تقديم حلول للأزمة الداخلية.
ويؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ”الأكسجين السياسي”؛ أي استمرار الاعتراف والتواصل الدولي مع شخصيات ومؤسسات لم تنجح في إنهاء الانقسام، ما يخفف الضغوط عليها ويمنحها فرصة إضافية للبقاء.
وفي المقابل، يتراجع شعور المواطن الليبي بأن العملية السياسية صُممت لخدمته، خصوصاً عندما يرى أن النخب تعود من الخارج محملة بصور اللقاءات والوعود، بينما تبقى المشكلات الأساسية على حالها.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى أزمة ثقة. فالليبيون لا يحتاجون إلى مزيد من الصور من قاعات المؤتمرات بقدر حاجتهم إلى مؤسسات تعمل، وقضاء مستقل، وإدارة موحدة، وانتخابات ذات مصداقية، واقتصاد أكثر شفافية، وترتيبات أمنية تنهي حالة تعدد مراكز القوة.
وهذا لا يعني أن الوساطة الدولية غير ضرورية. على العكس، تظل المشاركة الدولية مهمة في ظل عمق الانقسام الليبي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على الانتقال من إدارة الحوار إلى فرض معايير واضحة للنتائج، ومن رعاية الاجتماعات إلى ربط الدعم والاعتراف الدولي بإحراز تقدم حقيقي في الإصلاحات.
كما أن أي مسار سياسي مستدام يحتاج إلى إشراك المجتمع الليبي بصورة تتجاوز النخب التقليدية. فالمجتمع المدني والشباب والنساء والفعاليات المحلية يجب ألا يكونوا مجرد أطراف رمزية في الحوارات، بل شركاء في تحديد شكل الدولة وقواعد الحكم والرقابة على المؤسسات.
وفي النهاية، تكشف التجربة الليبية أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحل. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية عشرات الاجتماعات والمؤتمرات والاتفاقات، لكن جوهر المشكلة ظل قائماً: مؤسسات منقسمة، حكومات متنافسة، ترتيبات أمنية هشة، وطبقة سياسية تتمتع بقدرة كبيرة على الوصول إلى العواصم الدولية دون أن تقدم في المقابل ما يكفي من الإصلاحات.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام خارطة الطريق الأممية ومبادرة بولس لا يتمثل في تنظيم اجتماع جديد، بل في تحويل الاجتماعات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وتحويل الوعود إلى مؤسسات، وربط الاعتراف الدولي بالمساءلة والإصلاح.
وبدون ذلك، ستبقى ليبيا عالقة في الحلقة نفسها: النخب تتفاوض، والوسطاء يتغيرون، والعواصم الدولية تستضيف المزيد من اللقاءات، بينما يظل المواطن الليبي ينتظر الدولة التي وُعد بها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.
___________________