صلاح الهوني

ليبيا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تبقى رهينة لعنة النفط، أو أن تستثمر توصيات البعثة الأممية كفرصة لإعادة بناء اقتصاد متوازن ومستدام.
منذ اكتشاف النفط أواخر خمسينيات القرن الماضي، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي والسياسي. فقد غيّر الذهب الأسود ملامح دولة كانت تعتمد على الزراعة والتجارة المحدودة، وأتاح لها خلال عقود قليلة موارد مالية ضخمة مكّنتها من تشييد الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والتعليم والخدمات الصحية، ورفعت مستوى الدخل بصورة جعلت ليبيا في مراحل عديدة من بين أعلى الدول الإفريقية من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي.
لكن التجربة الليبية تكشف أن الثروة الطبيعية، مهما بلغت وفرتها، لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية مستدامة، بل قد تصبح مصدرًا للأزمات إذا لم تُدار ضمن رؤية اقتصادية متوازنة.
فمع مرور الوقت، لم يعد النفط مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبح الاقتصاد نفسه. وتدريجيًا، تشكل نموذج ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية لتمويل الموازنة العامة، ودفع الرواتب، ودعم السلع والخدمات، وتمويل الواردات. وفي المقابل، تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، مثل الزراعة والصناعة والسياحة، حتى أصبحت هامشية في بنية الاقتصاد الوطني. وهكذا نشأت معادلة مختلة: دولة غنية بالموارد، لكنها فقيرة في التنوع الاقتصادي.
تكمن خطورة هذا النموذج في أنه يجعل الاقتصاد الوطني أسير عاملين لا تتحكم فيهما الدولة: أسعار النفط في الأسواق العالمية، واستمرار تدفق الإنتاج دون انقطاع. وكلما تراجعت الأسعار أو توقفت الصادرات نتيجة أزمة سياسية أو أمنية، انتقلت الصدمة فورًا إلى المالية العامة، ثم إلى الخدمات، فالقطاع المصرفي، وأخيرًا إلى حياة المواطنين. لذلك لم يعد النفط بالنسبة إلى ليبيا صمام أمان اقتصادي، بل أصبح نقطة الضعف الأكثر حساسية في بنيتها المالية.
غير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالاعتماد على مورد واحد، بل بطبيعة العلاقة التي نشأت بين الدولة والثروة. فقد تحولت الإيرادات النفطية تدريجيًا إلى أداة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية، أكثر من كونها وسيلة لبناء اقتصاد منتج. واعتمدت الحكومات المتعاقبة على الإنفاق العام والوظائف الحكومية والدعم الواسع للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، بينما تراجع الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. وهكذا تشكلت دولة توزع الريع أكثر مما تنتج الثروة، ومجتمع ينتظر الإنفاق العام أكثر مما يعتمد على المبادرة الاقتصادية.
هذه الظاهرة هي ما يسميه الاقتصاديون بـ”لعنة الموارد”، وهي مفارقة شهدتها دول عديدة تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، لكنها أخفقت في تحويلها إلى تنمية شاملة. فحين تصبح الموارد الطبيعية المصدر الرئيسي للدخل، تتراجع الحوافز لتطوير الصناعة والزراعة والابتكار، وتصبح المنافسة السياسية منصبة على السيطرة على الريع لا على إنتاجه.
وفي الحالة الليبية، ازدادت هذه المفارقة تعقيدًا مع الانقسام السياسي، إذ تحولت المنشآت النفطية نفسها إلى أوراق ضغط في الصراع الداخلي، وأصبحت عمليات الإغلاق أو تعطيل الإنتاج وسيلة تفاوض بين الأطراف المختلفة، وهو ما جعل الاقتصاد الوطني رهينة التجاذبات السياسية.
ولعل أخطر ما أنتجه الاقتصاد الريعي هو إضعاف المؤسسات الاقتصادية نفسها. فغياب التنوع الاقتصادي حدّ من قدرة القطاع الخاص على النمو، بينما بقيت المالية العامة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية. كما أدى ذلك إلى تراجع الاستثمار في البنية الإنتاجية، وإلى ضعف الشفافية في إدارة العائدات، وإلى غياب التخطيط طويل الأمد. ومع كل أزمة سياسية، يتبين أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، بل في هشاشة النموذج الاقتصادي الذي يقوم عليها.
وتؤكد التجارب الدولية أن امتلاك النفط لا يقود بالضرورة إلى النتيجة نفسها. فدول مثل النرويج نجحت في تحويل العائدات النفطية إلى صندوق سيادي واستثمارات طويلة الأجل، بينما استخدمت دول خليجية جزءًا من فوائضها لبناء قطاعات جديدة في الصناعة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا.
أما ليبيا، فقد بقيت عائداتها مرتبطة بالاستهلاك الجاري أكثر من ارتباطها بالاستثمار المنتج، وهو ما جعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات.
لهذا تكتسب الدعوات المتكررة إلى التنويع الاقتصادي أهمية تتجاوز الجانب المالي. فتنويع مصادر الدخل ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. فاقتصاد أكثر تنوعًا يعني فرص عمل أوسع، وقطاعًا خاصًا أكثر ديناميكية، وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، وتراجعًا تدريجيًا في حدة الصراع حول توزيع الريع النفطي.
وفي هذا السياق، تكتسب توصيات بعثة الأمم المتحدة الأخيرة أهمية خاصة، إذ دعت إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الزراعة، والسياحة، والصناعات التحويلية، وتعزيز التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وإصلاح المالية العامة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين مناخ الاستثمار. ورغم أن هذه التوصيات تبدو مألوفة في الأدبيات الاقتصادية، فإنها في الحالة الليبية تحمل بعدًا إستراتيجيًا، لأنها تربط بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار السياسي، وتتعامل مع التنويع باعتباره شرطًا لإعادة بناء الدولة، لا مجرد خيار تنموي.
لكن الطريق نحو هذا التحول لن يكون سهلًا. فالانقسام المؤسسي، وضعف البنية التحتية، وغياب رؤية اقتصادية موحدة، إضافة إلى مقاومة شبكات المصالح المستفيدة من الاقتصاد الريعي، كلها عوامل تجعل الإصلاح أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن استمرار الوضع القائم يحمل كلفة أكبر بكثير، لأنه يعني بقاء ليبيا رهينة دورة متكررة من الأزمات، تتغير فيها الحكومات بينما يبقى النموذج الاقتصادي على حاله.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لم يعد يتعلق بحجم احتياطاتها النفطية، بل بكيفية استخدامها. فالنفط لا يصنع التنمية بمفرده، وإنما طريقة إدارته هي التي تحدد ما إذا كان سيصبح رافعة للنهوض أو وقودًا للأزمات. وإذا استطاعت ليبيا أن تحول ثروتها النفطية إلى منصة لبناء اقتصاد متنوع، فإنها لن تتخلص فقط من تقلبات الأسواق العالمية، بل ستؤسس أيضًا لعقد اجتماعي جديد يقوم على الإنتاج والابتكار بدل الريع والتوزيع.
فالخيار المطروح أمام ليبيا ليس بين النفط وغياب النفط، بل بين اقتصاد يعيش على مورد واحد يفرض إيقاعه على السياسة والمجتمع، واقتصاد متعدد المصادر يجعل النفط نقطة انطلاق لا نقطة نهاية. وعندها فقط يمكن للثروة التي كانت لعقود محورًا للصراع أن تصبح أساسًا للاستقرار، وأن يتحول النفط من لعنة تفرض الأزمات إلى فرصة تؤسس لدولة أكثر قوة وتوازنًا واستدامة.
_________________
