
ثلاثة مليارات دولار تم تهريبها من إيرادات النفط خارج ليبيا و 40% من نفط الليبيين تملكه عائلتين.
يتعامل تقرير لجنة الخبراء مع شركة أركينو للنفط بوصفها حالة نموذجية توضّح كيف تحوّل قطاع النفط إلى “أهم مصدر إيرادات للجماعات المسلحة”، وكيف تُدار موارد سيادية عبر شبكات نفوذ موازية تُفرغ آليات الرقابة من مضمونها.
في هذا السياق، يقدّم التقرير خلفية عن البيئة التي جعلت الرقابة على قطاع النفط شبه مستحيلة، إذ يذكر أن المؤسسات ذات الصلة أُجبرت على العمل داخل مناخ يحمي ويمكّن أفرادًا وشبكات قادرة على توليد تدفقات إيرادية متزايدة، ما أدى عمليًا إلى انهيار الرقابة الفعّالة وتعطّل آليات المساءلة وازدهار الممارسات غير المشروعة.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن إيرادات الدولة الليبية تعتمد على الهيدروكربونات بأكثر من 90%، وأن الوضع المؤسسي الموصوف منع الجهات الليبية من الحصول على حساب دقيق وشامل لمستويات الإنتاج والعوائد، لافتًا إلى أن الإيرادات التي دخلت ليبيا في 2025 بلغت 18.78 مليار دولار (باستثناء الإتاوات والضرائب)، بينما كان ينبغي أن تكون — وفق مستويات الإنتاج ومتوسط سعر برنت — قرابة 27 مليار دولار.
ضمن هذا الإطار، يخصص التقرير جزءًا لمرحلة فرحات بن قدارة ودوره داخل المؤسسة الوطنية للنفط.
يذكر التقرير أن السيد بن قدارة كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة “المصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية” في دولة الإمارات العربية المتحدة، أي المعروف باسم “المصرف” ، عندما عُيّن رئيسًا للمؤسسة الوطنية للنفط في 2022، وأن تعيينه جاء بدعم من “عائلة حفتر” على خلفية دوره السابق في تسهيل تحويل 300 مليون دولار من حساب في “المصرف” يعود للمصرف الليبي الخارجي في 2019 لدعم الهجوم على طرابلس، بما في ذلك تمويل ما يصفه التقرير. بن قدارة احتفظ برئاسة الجهتين رغم تضارب المصالح.
ثم يضيف التقرير أن المؤسسة الوطنية للنفط في عهد بن قدارة خضعت لسيطرة متزايدة من “فاعلين مسلحين” عبر ممارسات مالية وتعاقدية وحوكمية تعرقل الرقابة المؤسسية، شملت محاولة الضغط على شركات تابعة لـ للمؤسسة الوطنية للنفط لتحويل الأموال التشغيلية عبر “المصرف”، وإعادة هيكلة المؤسسة لإلغاء الضوابط والتوازنات الداخلية، وتوجيه عقود خدمات نفطية إلى كيانات “مسيطر عليها أو مرتبطة” بفاعلين مسلحين، وبالاسم: صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة.
ويذكر التقرير أن بنقدارة ردّ على اللجنة بأنه لا يملك إشرافًا على الأموال ذات الصلة في المصرف، وأنها مرتبطة بقرض لثلاث شركات إماراتية دون تفاصيل، كما قال إن دوره في عقدي أركينو كان “هامشيًا” وإنهما حصلا على موافقة حكومة الوحدة الوطنية، إلا أن اللجنة اعتبرت ادعاءاته غير موثوقة على ضوء الأدلة المتراكمة.
ينتقل التقرير بعد ذلك مباشرة إلى صلب ملف أركينو، ويقرر أن شركة أركينو تأسست في 2023 بوصفها “أول شركة نفط خاصة في ليبيا”، وأنها “تخضع بشكل غير مباشر لسيطرة صدام حفتر عبر وكلاء”، وبالأخص رفعت محمد عبدالسلام العبّار (مواليد 1980).
ويؤكد التقرير أن العبّار لعب دورًا مركزيًا في إنشاء العلاقة التعاقدية بين المؤسسة الوطنية للنفط وأركينو وفرض تنفيذها “في مخالفة للقانون الليبي وعلى نحو يتعارض مع مصالح الدولة الليبية”، وأنه مارس “سيطرة فعلية” على عمليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة الوطنية للنفط خلال فترة بن قدارة وبعدها عبر إنشاء “هيكل حوكمة ظل” وتعطيل آليات الرقابة وضمان الامتثال بواسطة ضغط مؤسسي متعدد المستويات.
ويورد التقرير أن اللجنة، خلال فترة التقرير، وجدت أربع نقاط أساسية تخص أركينو: أن أركينو “حوّلت/حوّرت” أكثر من 3 مليارات دولار من الإيرادات النفطية إلى حسابات خارج ليبيا؛ وأن طريقة إنشاء العلاقة التعاقدية بين أركينو والمؤسسة لم تكن متسقة مع القوانين الليبية ذات الصلة؛ وأن الضرائب المستحقة للدولة الليبية لم تُدفع؛ وأن الشروط الجوهرية للعقد لم تُنفذ، ولا سيما التزامات الاستثمار وحدود كميات النفط المصرح لأركينو بتصديرها.
ويضيف التقرير أن العبّار، خلال “حقبة بن قدارة ”، كان ذا دور “حاسم” في التحكم بمسارات اتخاذ القرار داخل المؤسسة الوطنية للنفط، وبعد خروج بنقدارة حرص على أن يُمارَس الضغط في مستويات مفصلية داخل المؤسسة لدفع مصالح صدام حفتر و”مقربيه”.
وعمد العبار إلى تحديد موظفين في المؤسسة على مستويات مختلفة واستهدافهم، وأن غياب الدعم الفعّال من الهرم المؤسسي وآليات الرقابة — الداخلية والخارجية — أو من جهات إنفاذ القانون، فرض حالة امتثال قسري داخل المؤسسة على كل المستويات.
ويذكر التقرير أن أحد جوانب هذه السيطرة تمثل في مراقبة ومحاصرة أي محاولة لتفعيل الرقابة أو إنتاج بيانات دقيقة عن أنشطة أركينو.
ثم يتناول التقرير البنية التعاقدية وآلية “اللجنة الإدارية/لجنة الإدارة” المنصوص عليها في عقد أركينو مع المؤسسة، باعتبارها المنتدى الأساسي لمراجعة الالتزامات التعاقدية ومراقبة التنفيذ.
ويذكر أن بلقاسم شنقير عُيّن رئيسًا لهذه اللجنة المشتركة ممثلًا عن المؤسسة الوطنية للنفط “بدعم من رفعت العبار”، وأن شنقير“عضو سابق في مجلس إدارة المؤسسة” و”المهندس التقني وراء إنشاء أركينو”، وأنه رغم تمثيله الرسمي للمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس فإنه يقيم في بنغازي.
ويضيف التقرير أن شنقير منع أي محاولات لحماية مصالح ليبيا، ولم يقدّم أي تقارير عن أنشطة اللجنة، ما عطّل أي رقابة، وأنه مثّل مباشرة مصالح صدام حفتر وأعضاء من القيادة العليا في الجيش الوطني الليبي (القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية).
ويعرض التقرير هذه النقطة باعتبارها مفتاحًا يشرح كيف استفادت أركينو من قدرة الجيش الوطني الليبي/القيادة العامة على تعطيل أي محاولة من المؤسسة لحماية مصالحها المؤسسية والمالية.
بعد ذلك يفصّل التقرير عنصرين رئيسيين من عدم تنفيذ العقد: أولهما “استثمار المليار دولار”، إذ ينصّ العقد على أن تستثمر أركينو 1 مليار دولار لتحسين القدرة الإنتاجية لحقول السرير والمسلة التي تخدمها شركة AGOCO التابعة للمؤسسة.
لكن اللجنة وجدت أن جزءًا بسيطًا فقط من هذا المبلغ استُثمر فعليًا عبر “شركاء تنفيذ”، وأن الإنتاج في الحقلين لم يرتفع بعد توقيع عقد أركينو بل تراجع، مع بقاء أغلب الإنتاج الشهري دون خط الأساس المحدد في العقد.
وثانيهما “حصة الإنتاج”، إذ يذكر التقرير أن العقد الأول الموقّع في مارس 2023 كان يخول أركينو تصدير “حصة إنتاج” مقدارها 40% من “زيادة الإنتاج”، لكن تعديلًا في ديسمبر 2024 غيّر شروط العقد بالكامل ونصّ على تخصيص 40% من إجمالي الإنتاج لأركينو دون أي التزام جديد من أركينو أو تعويض للمؤسسة الوطنية للنفط.
وتؤكد اللجنة أن الكميات التي صدرتها أركينو تجاوزت بوضوح حدود العقد، وأنها بين يناير 2024 وديسمبر 2025 صدرت “ما لا يقل عن 42.1 مليون برميل” عبر 42 شحنة إلى وجهات عالمية.
ولا يقف التقرير عند الأرقام، بل يشرح كيف تمكّنت أركينو من تصدير هذه الكميات: إذ اعتمدت على فئتين من القنوات، الأولى شركات فرعية لتجّار كبار “راسخين”، وذكر بالاسم BGN Energy FZE (UAE)، والثانية شركات وساطة حديثة الإنشاء داخل ليبيا، بما مكّن “قادة كبار آخرين” في القيادة العليا للجيش الوطني الليبي (القيادة العامة) من الاستفادة مباشرة من صادرات النفط دون أن تكون لهم علاقة تعاقدية مع المؤسسة الوطنية للنفط.
ويقدّم التقرير شركة Al-Gandal كنموذج لهذه المنظومة، موضحًا أنها سُجلت في أوائل 2023 بمالكين واجهة، وعملت كممثل مبيعات لصالح أركينو، واستهدفت تأمين عقود تصدير مع شركات شحن نفط عبر الإعلان والتفاوض على المبيعات — “حصريًا بأسعار أقل من سعر المؤسسة” — من خلال تطبيقات مراسلة على وسائل التواصل.
ويضيف التقرير أن العملاء بعد الاتفاق عبر هذه التطبيقات كانوا يُوجّهون للسفر إلى دبي لتوقيع العقود شخصيًا وفتح حسابات في بنوك “تختارها الشبكة” بهدف تسهيل إخفاء المعاملات المالية الكبيرة.
وتذكر اللجنة أنها راجعت نموذج عقد تقدمه Al-Gandal يتضمن تصدير مليوني برميل شهريًا لمدة سنة، بسعر ثابت أقل بـ 8 دولارات للبرميل من السعر الدولي المعتمد من المؤسسة الوطنية للنفط.
بعد بناء هذا المشهد، يوضح التقرير أن أركينو منذ إنشائها أصبحت نقطة جذب/سابقة دفعت جهات مسلحة في غرب ليبيا لمحاولة الترويج لترتيبات تعاقدية مماثلة تسمح بتصدير منتجات نفطية أو غاز طبيعي بواسطة كيانات غير المؤسسة، بما يفتح الباب أمام سيطرة غير مقيدة على الموارد الطبيعية.
ويسجل التقرير أن اللجنة وجدت أن الضغط الذي مارسه “فاعلون مسلحون” على السلطات الليبية المعنية — إلى جانب الصراعات الداخلية — كان السبب الرئيسي الذي منع إبرام عقد إنتاج لحقل الغاز NC7 عبر إنشاء شركة جديدة كان من المفترض أن تُسمّى جليانة.
ويضيف التقرير أن أركينو عملت كـ “اختبار حاسم” لترتيبات مشابهة تُستخدم كـ “حصان طروادة” من قبل شبكات فاعلين مسلحين، وبشكل خاص شبكات تحت سيطرة صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، لإيهام السوق الدولي بوجود “استثمار خاص” يمنح شرعية ظاهرية لتصدير نفط/منتجات نفطية بصورة غير مشروعة.
وهذا بدوره أجبر المؤسسة الوطنية للنفط على منح شركات تحت سيطرة تلك الشبكات منفذًا إلى الأسواق الدولية. وبسبب تأسيس أركينو في مخالفة للقوانين الليبية، وعدم تنفيذ الالتزامات التعاقدية، والاستغلال المفرط للحصص المضمونة تعاقديًا، وتنفيذ صادرات “دون أي منفعة للدولة الليبية”، خلصت اللجنة إلى أن صادرات أركينو تقع ضمن فئة “الصادرات غير المشروعة للنفط الخام من ليبيا” بموجب الفقرة 18 من القرار 2769 (2025).
ويصل التقرير إلى أكثر نقاطه حساسية عندما يربط “الزمن” و”النتائج”: إذ يقرر أن الجدول الزمني لتحويلات/انحرافات الإيرادات عبر أركينو يتوافق مع أمرين متلازمين: تراجع/امتناع “الشرق” عن الاستمرار في الاعتراض على غياب الوصول إلى الأموال العامة، وفي الوقت نفسه “التحسّن الملحوظ” في القدرات العسكرية للجيش الوطني الليبي (القيادة العامة) وهو ما تعتبره اللجنة تهديدًا مباشرًا لعملية الانتقال السياسي والسلم والأمن في ليبيا.
كما يرد في المتن الأساسي للتقرير أن اللجنة وجدت أن عقد أركينو نُفذ بطريقة تقوض إشراف المؤسسة وتمكّن صادرات واسعة النطاق، وأن تعديل شروطه خدم أركينو وسمح بتجاوز الحدود التعاقدية، وأن أركينو أصبحت نموذجًا أوليًا لترتيبات مشابهة تُستخدم كحصان طروادة لتصوير الاستثمار الخاص كغطاء لإخراج النفط بصورة غير مشروعة، وأن اللجنة وجدت “ارتباطًا” بين عمليات أركينو وتعزيز القدرات العسكرية للجيش الوطني الليبي (القيادة العامة).
__________