
تمر اليوم خمسة عشر عاماً على تلك اللحظة الفارقة في تاريخ ليبيا، حين خرج الشباب في فبراير 2011 مدفوعين بغضب صادق وحماس مفرط. كان الاعتقاد السائد آنذاك أن إسقاط النظام يمثل نهاية القصة والانتصار الكامل، دون إدراك أن تفكيك بنية الاستبداد أعقد بكثير من إزاحة رأس السلطة.
ومع مرور السنوات، يتبين أن المشهد الليبي تغير في كثير من جوانبه نحو الأسوأ، حيث انفتح المجال العام لفترة وجيزة قبل أن يضيق مجدداً تحت سطوة السلاح. لقد سقط الطاغية، لكن البلاد شهدت بروز عشرات الطغاة الصغار الذين أعادوا ملء السجون التي فُتحت في بداية الحراك.
إن المراجعة الصادقة تقتضي الاعتراف بأن الثورة تحولت بمرور الوقت من مشروع للتغيير الجذري إلى مجرد منتج جاهز للاستهلاك السنوي. تُصرف الأموال الطائلة لإحياء الذكرى في الميادين، بينما تغيب الإرادة الحقيقية لبناء مؤسسات الدولة الحرة والقوية التي حلم بها الليبيون.
لقد ارتُكبت جرائم جسيمة باسم الثورة، وسُرقت مقدرات البلاد تحت رايتها في مفارقة مؤلمة تعكس حجم الانحراف عن المسار الأصلي. صارت ‘فبراير‘ مظلة واسعة يدخل تحتها المتناقضون، ويستخدمها البعض كبضاعة موسمية لتحقيق مكاسب سياسية ومالية ضيقة.
أما مفهوم ‘الثوار‘ فقد أضحى عبئاً ثقيلاً بعد أن كان صفة أخلاقية نبيلة، إذ تصدر المشهد من هم أقدر على المتاجرة باللحظة لا الأصدق إيماناً بها. كثيرون ممن تسلقوا المناصب باسم الثورة تحولوا إلى نسخ مكررة من النظام السابق، مع تغيير في الأسماء والمسميات فقط.
تقف ليبيا اليوم على أنقاض بلد منقسم ومتشظٍ، عالقة في برزخ بين ثورة لم تكتمل وثورات مضادة عجزت عن الحسم. يتنازع المشهد حلم الدولة المدنية من جهة، وبنادق العسكر وسكاكين المتطرفين وربطات عنق الفاسدين من جهة أخرى.
الأخطر في هذا الواقع ليس مجرد الفوضى الأمنية، بل حالة فقدان الأمل واليأس التي تملكت قلوب الناس تجاه العمل السياسي. صار الكثير ممن شاركوا في الحراك الأول يتحاشون الحديث عنه، ليس ندماً على الرغبة في التغيير، بل خيبة من النتائج التي آلت إليها الأمور.
اكتشفنا متأخرين أن الثورة ليست لحظة عاطفية، بل مسار طويل ومضنٍ يحتاج وعياً وتنظيماً ومشروعاً واضحاً للبناء.
ومع ذلك، فإن تحميل فبراير مسؤولية كل ما جرى يعد تبسيطاً مخلاً للأزمة الليبية العميقة التي تضرب جذورها في عقود من الظلم. ما نعيشه اليوم هو نتاج تراكمات طويلة من القمع الممنهج وهشاشة المؤسسات التي كشفت الثورة عورتها ولم تكن هي المسبب الوحيد لها.
إن تشخيص المرض هو الخطوة الأولى للعلاج، والثورة الليبية نجحت في كشف أمراض المجتمع والدولة لكنها فشلت في تقديم الترياق. الأزمة الحالية تعكس حالة المخاض الطويل بين قديم يحتضر وجديد يكافح لكي يولد من رحم المعاناة.
إذا كان هناك أمل في تغيير حقيقي مستقبلاً، فإنه لن يأتي بالصيغة العاطفية التي شهدها عام 2011، بل عبر جيل جديد نضج في كنف الفوضى. هذا الجيل سيكون أقل رومانسية وأكثر صرامة في محاسبة كل من تسبب في ضياع بوصلة البلاد خلال السنوات الماضية.
الاعتراف بالفشل ليس جلداً للذات، بل هو شرط أساسي للنضج السياسي والاجتماعي لأي أمة تسعى للنهوض من عثرتها. الثورة في نهاية المطاف هي أداة، وإن لم تقترن بمشروع وطني واضح لبناء القانون، فإنها تتحول لذكرى عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع.
ليبيا اليوم بحاجة إلى تجاوز لغة الخطابات والمهرجانات، والالتفات إلى بناء الإنسان والمؤسسات بعيداً عن لغة السلاح. إن استعادة الدولة تتطلب وعياً يتجاوز لحظة الغضب الثوري إلى مرحلة البناء الرصين الذي يحترم التعددية ويحقق العدالة.
يبقى السؤال المعلق في أذهان الليبيين: أين هي أهداف فبراير وأين هي ليبيا التي رسموها في مخيلتهم قبل خمسة عشر عاماً؟ الإجابات تتفاوت بتفاوت المصالح، لكن الحقيقة الثابتة هي أن الطريق نحو الدولة المدنية لا يزال طويلاً وشاقاً.
ختاماً إن قراءة التاريخ بوعي هي ما يمنع تكرار المآسي، والدروس المستفادة من العقد الماضي يجب أن تكون وقوداً للإصلاح الحقيقي. لا يمكن بناء المستقبل بإنكار إخفاقات الماضي، بل بمواجهتها بشجاعة لتصحيح المسار وضمان عدم ضياع تضحيات الشعب.
_____________