طاهر مولود

الجماهيرية سابقًا والميليشيات لاحقًا

على الرغم من إجراء الانتخابات في عام 2014، شهدت ليبيا انقسامًا حادًا بين معسكرين متنازعين، الأول في طبرق حيث مجلس النواب الذي رفض نتائج الانتخابات، والثاني في طرابلس حيث أيدت الأطراف هناك شرعية التصويت وعينت فايز السراج رئيسًا للوزراء.

استندت القوة في طبرق إلى ما تبقى من الجيش الوطني تحت قيادة خليفة حفتر، الذي أصبح أبرز شخصية في الشرق، بينما شكلت ميليشيات طرابلس وحلفاؤها قوة مضادة.

هذا الانقسام أسفر عن واقع جديد في ليبيا، حيث تحكم حكومتان منطقتين مختلفتين، كل منهما تدعي الشرعية وتمتلك سلاحها الخاص، سواء عبر الجيش أو الميليشيات التي توسعت أدوارها في المدن مثل مصراتة والزنتان.

ولا يمكن إنكار دور القوى الخارجية التي زادت من تعقيد الأزمة، إذ تدعم كل طرف بمصالحها الخاصة، معززة بذلك حالة الانقسام والاحتقان.

انتهت الجماهيرية بوفاة معمر القذافي، ولم يتمكن الليبيون من بناء إطار موحد للدولة بعد ذلك، بل تعمقت الانقسامات وأصبحت ليبيا مقسمة إلى دويلات متنازعة داخل الدولة الواحدة.

هذا التجزؤ لم يكن وليد اللحظة، بل تراكم عبر سنوات من عدم الاستقرار، وهشاشة مؤسسات الدولة، وتاريخ من الصراعات القبلية والسياسية، إلى جانب التدخلات الخارجية التي استغلت حالة الفراغ في السلطة لتعزيز نفوذها.

كما أن طبيعة النظام السابق، القائم على حكم مركزي قوي، تركت فراغًا يصعب ملؤه، لا سيما مع غياب مؤسسات دولة مدنية قوية ومتجانسة.

كما هو الحال في مناطق نزاع أخرى، أدى التفكك السياسي في ليبيا إلى خلق ثقوب سوداءمن الفراغ الأمني والسياسي، استفادت منها القوات الأجنبية والجماعات المسلحة لتعزيز وجودها وفرض نفوذها، مما جعل البلاد عرضة للصراعات المستمرة التي تعمق الأزمة بدلًا من حلها. وبالفعل، يعتمد الكثير من الأطراف المحلية على الدعم الخارجي الذي يطيل أمد النزاع ويزيد من تعقيده.

منذ توقف القتال بشكل نسبي في أكتوبر 2020، لم تتمكن ليبيا من تجاوز هذا التشرذم الحاد، رغم جهود الحوار ومسارات السلام المتعددة. كما توقفت العملية الانتخابية المهمة التي كان من المفترض أن تعيد الشرعية للمؤسسات منذ نهاية 2021، بسبب غياب إرادة سياسية حقيقية من قبل الأطراف المختلفة، مما مهد الطريق لاستمرار الصراعات الداخلية وتدخلات القوى الإقليمية والدولية.

في 23 أكتوبر 2020، تم التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف الرئيسية في النزاع، برعاية الأمم المتحدة، رغم استمرار المناوشات بين الميليشيات المختلفة في عدة مناطق.

وفي يونيو 2021، عُقد مؤتمر دولي ثانٍ حول ليبيا في برلين، بهدف دعم مسار السلام، وبرزت فيه الدبلوماسية الألمانية التي أخذت زمام المبادرة بدلًا من الدبلوماسية الإيطالية التقليدية التي لطالما كان لها دور تاريخي في ليبيا، مستندة إلى علاقات قديمة ومعقدة.

رغم الدعم الدولي، لم يكن الإطار السياسي الدولي كافيًا لتهيئة الظروف اللازمة لانتقال ديمقراطي مستقر، إذ بقيت الشرعية ناقصة وموضع خلاف.

الرئيس المؤقت عبد الحميد الدبيبة، الذي عُين في ربيع 2021 كرجل توافق، لم يتمكن من فرض الاستقرار الكامل أو التقدم الكبير نحو الانتخابات، ويرجع ذلك إلى تعقيد الصراع الليبي وتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية، التي غالبًا ما تعرقل أي محاولة للوصول إلى حلول شاملة.

الحملة العسكرية التي قادها حفتر لاستعادة طرابلس في 2019 كانت نقطة تحول بارزة أظهرت حدود القوة العسكرية للجيش الوطني. فقد ألحق الدعم التركي للطائرات بدون طيار خسائر كبيرة بقواته، إلى جانب المقاومة الشرسة من الميليشيات المحلية التي تتقن القتال في بيئتها.

هذا الوضع خلق توازنًا عسكريًا هشًا، لم يسمح لأي طرف بتحقيق نصر حاسم، مما جعل الحرب المستمرة غير مجدية ويستمر التعقيد السياسي في التصاعد.

تُمثل الميليشيات، التي يقدر عددها بالمئات في مدن مثل مصراتة، تحديًا رئيسيًا أمام أي محاولة لتوحيد البلاد، فهي تمثل مصالح إقليمية واجتماعية متنوعة، وتدافع بقوة عن نفوذها، مما يجعل فرض سيطرة الدولة المركزية أمرًا صعبًا للغاية.

هذا التعدد في الميليشيات لا يقتصر فقط على الصراع العسكري، بل يمتد إلى الصراعات السياسية والاجتماعية، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا ويزيد من احتمالات الاستمرار في حالة اللا استقرار.

في الواقع، المشهد الليبي يعكس صراعًا معقدًا بين أطراف محلية متعددة غير متجانسة في أهدافها، مدعومة بقوى إقليمية ودولية تحاول تعزيز نفوذها، وهو ما يعرقل جهود السلام ويطيل أمد الأزمة.

تقسيم ليبيا إلى دويلات داخل الدولة الواحدة، تحكمها كيانات مسلحة ومستفيدة من الدعم الخارجي، يحول البلاد إلى ساحة للصراعات التي تهدد وحدة الدولة ومصيرها.

علاوة على ذلك، تبقى مسارات السلام المتكررة بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية وشجاعة في معالجة القضايا الصعبة، خاصة ملف الميليشيات التي ترفض تسليم السلاح، وتنظيم قوات أمنية موحدة، وإعادة بناء مؤسسات دولة قوية قادرة على فرض سيادتها في كل أنحاء البلاد.

فبدون ذلك، تظل ليبيا أسيرة للتوترات والصراعات التي تعيق التنمية وتعرض حياة المدنيين للخطر المستمر.

الجدير بالذكر أن الأزمة الليبية ليست مسؤولية طرف واحد أو مجموعة بعينها، بل هي نتاج تراكمات طويلة من الانقسامات الداخلية، وتدخلات خارجية متعددة، ومصالح متشابكة.

استمرار الصراع يهدد بشكل مباشر استقرار ليبيا ومستقبل شعبها، ويضع على عاتق كل الأطراف مسؤولية العمل بجدية وشفافية لإيجاد حل دائم يعيد الأمن والاستقرار، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح الخاصة التي تقوض بناء دولة موحدة.

ما الذي حدث مؤخرا؟

شهدت العاصمة طرابلس خلال شهر مايو اشتباكات عنيفة في إطار تفكيك الأجهزة الأمنية الموازيةالتابعة لحكومة الوحدة الوطنية، بين قوات اللواء 444 قتال بقيادة محمود حمزة، وقوات جهاز الردع التابع للمجلس الرئاسي بقيادة عبد الرؤوف كارة، مدعومة بقوات من مدينة الزاوية.

تعكس هذه الاشتباكات غياب بنية أمنية موحدة بين الحكومة والمجلس الرئاسي، وتعدد مصادر الشرعية بين الأطراف، التي يستقوي بعضها بالخارج على بعض، مما يولد دائرة صراع مستمرة على النفوذ السياسي والاقتصادي.

في ليلة الاثنين، انتشرت صور لعبد الغني الككلي، قائد جماعة مسلحة قوية من طرابلس، وهو ملقى على الأرض ميتاً. كان الككلي، المعروف شعبياً باسم غنيوة، قد توجه إلى معسكر التكبالي يوم الاثنين (12 مايو) للاجتماع مع قادة الجماعات المسلحة المتحالفة مع رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة. لا تزال تفاصيل ما حدث غامضة، ولكن يبدو أن اشتباكاً مسلحاً أدى إلى مقتل غنيوة وحراسه الشخصيين.

يكشف هذا التصاعد في العنف هشاشة ما يسمى بالاستقرار في ليبيا، ويبرز عدم جدية الجهود المبذولة لتحسين الحكم في البلاد.

تشكل الخارطة السياسية لليبيا اليوم أربعة أقطاب رئيسية:

حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، والقيادة العامة للجيش بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في الشرق، بالإضافة إلى المجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب.

تتركز القوة في الشرق في الجيش النظامي والدعم الإقليمي، بينما تتجلى قوة الغرب في الاعتراف الدولي والسيطرة على المؤسسات المالية، مثل البنك المركزي الليبي والشركات القابضة.

بين هذه المناطق، لا تعتمد مصادر القوة الفعلية على شرعية القانون، بل على شرعية القوة وامتلاك أدواتها من السلاح الذي تموله قوى أجنبية، لتعزيز السيطرة الميدانية.

وهكذا يعتقد الليبيون المتقاتلون على قطع جغرافيةفي بلد أصبح، بقوة الأمر الواقع، مقسماً، أنهم يتصارعون من أجل بسط نفوذ هذه القوى الأجنبية، التي لا تتردد في التخلص منهم عندما تنتهي مهمتها، أو تتغير موازين القوى، أو تلتقي المصالح.

وألا يقال: “المصالح هي الدائمة، في ليبيا التي تشير خرائط الجيولوجيا إلى أن خيراتها من الثروات الباطنية قد تكفي أوروبا لعقود طويلة قادمة؟

_______________

مقالات مشابهة