محمود السويفي

ماذا وراء «دبلوماسي الصفقات»، أو «التاجر ذو الأصول العربية» مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس؟ وهل تجدي «دبلوماسية الاستثمارات» التي يروج لها صهر ترامب في إحداث اختراق لحل الأزمة الليبية؟
وهل سينجح هذا النهج الجديد لواشنطن في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة في الشرق والغرب الليبي أم يزيدها تعقيدًا؟
علامات استفهام كثيرة يثيرها انخراط بولس الأخير في الشأن الليبي، خصوصًا ما رشح عن لقاءاته السرية وقنواته الخلفية لجمع الفرقاء.
البعض يرى في تركيز بولس على ورقة النفط، بإعادة «إحياء وتنشيط صناعة النفط الليبية من خلال صفقات وعقود لن يضمن السلام أو الاستقرار على المدى الطويل»، على حد وصف شركة «كرايسس 24» الأميركية لإدارة الأزمات، التي تؤشر في تقرير نشرته الأسبوع الماضي إلى معوقات سياسية تتمثل في «الانقسام الشديد الذي تعانيه البلاد، واستمرار تدهور الوضع الأمني، ولا سيما في المنطقة الغربية، حيث يتكرر اندلاع اشتباكات عنيفة بين المجموعات المسلحة المتنافسة».
بل إن هناك شبهات حول محاولة بولس الاستفادة من منصبه في عقد صفقات يستفيد منها بشكل شخصي هو وعائلته بدعم مطلق من الرئيس الأميركي، خصوصًا أنه والد زوج ابنة ترامب (حماها).
جدل أميركي حول مسعد بولس
ويفتقد بولس ذو اللسان العربي والأصول اللبنانية، الخبرة السياسية اللازمة، وهو ما بدا خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس وبنغازي في يوليو الماضي؛ إذ نقلت جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية أنه لم يستطع التفرقة بين الشرق والغرب ولا يعرف أوجه الاختلافات بين المعسكرين. علمًا أنه عين دون أن يخضع إلى تدقيق مجلس الشيوخ. كما هو متبع في الولايات المتحدة.
فضلًا عن أنه يشغل مناصب عديدة في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وغير ملزم بالكشف عن مصالحه التجارية، مما يقيد «الرقابة على أنشطته الخاصة»، بحسب الجريدة الأميركية.
وفي انخراطه بالشأن الليبي، فإن بولس هو صاحب اقتراح رفع التجميد عن الأصول الليبية مقابل منح شركات أميركية عقودًا للإعمار، كما يسعى إلى توقيع عقود في مجال النفط الليبي.
مسعد بولس يعمق الانقسام الليبي لا يقرب وجهات النظر
وترى المستشارة القانونية والباحثة السياسية هديل رمضان في تصريح إلى برنامج «وسط الخبر» المذاع على «قناة الوسط» أن تحول الاستراتيجية الأميركية من الوساطة السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية قد يؤدي إلى تعميق الانقسام بين الشرق والغرب في ليبيا، في ظل انحياز واشنطن إلى حكومة الدبيبة ورؤيتها بأنها شريك اقتصادي مفضل، «مما يعكس اعترافًا أميركيًا بشرعية الأمر الواقع في طرابلس، وهو ما يزيد من حساسية العلاقة مع القيادة العامة في بنغازي».
وأضافت رمضان أن واشنطن تسعى لتعزيز مصالحها لأمد طويل خصوصا في مجال الطاقة في ليبيا، ولذلك توطد العلاقات وتنحاز لحكومة الدبيبة «في مقاربة براغماتية تامة تركز على الصفقات والاستثمارات والعقود بدلا من الإنغماس في الوساطة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة المتصدرة للمشهد السياسي».
ويحاول مسعد الوساطة في جمع الطرفين المتنازعين، إذ حضر لقاءً بين نائب قائد قوات «القيادة العامة» صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» إبراهيم الدبيبة في العاصمة الإيطالية روما قبل نحو أسبوعين.
من جانبه، يرى الباحث القانوني والمهتم بالشأن السياسي عبدالله الديباني أن ما طرحه بولس في لقاء روما مجرد محاولات «لن تؤتي أكلها لأنها مبنية فقط على الاستثمارات وهو الملف المعني به المؤسسة الوطنية للنفط».
واستبعد الديباني أن تتمكن واشنطن من تحقيق أهدافها الاقتصادية أو التجارية بالانحياز إلى حكومة الدبيبة دون التنسيق مع قوات «القيادة العامة» خصوصًا أن الأخيرة تسيطر على بعض المواقع النفطية وهو أمر «سيحتم على الإدارة الأميركية أن تتعاون مع الجيش استراتيجيًا وعمليًا»
إدارة واشنطن للصراع الأفريقي.. صفقات تجارية لا حلول دبلوماسية
وترى وسائل إعلام أميركية منها «نيويورك تايمز» أن تصرفات بولس التي ينخرط فيها نجله مايكل زوج «تيفاني» ابنة ترامب، تعبر عن حكم عائلي تمارسه إدارة الرئيس الأميركي التي كلفت «مسؤولًا غير مؤهل» لتولي ملف مهم مثل الشؤون الأفريقية دون خبرات دبلوماسية، إذ يجسد «المستشار» رؤية ترامب في النظرة التجارية للقارة السمراء ويسعى لعقد الصفقات مع دولها، دون الاهتمام بالحلول الدبلوماسية للأزمات المشتعلة سواء في ليبيا أو السودان وغيرهما من دول القارة.
وتدور شبهات حول استفادة مسعد بولس من تداخلاته في الملف الليبي، حسب «نيويورك تايمز» التي كشفت عن عشاء عمل جمعه مع إبراهيم الدبيبة في فيلا على الساحل بطرابلس، فضلا عن رحلة فاخرة أثناء زيارته ليبيا تمتع بها نجله مايكل وابنة ترامب تيفاني على متن يخت فاخر مملوك لرجل الأعمال التركي المنخرط في تجارة النفط الليبي إركومنت بايغان.
صفقات شخصية لا تعبر عن البيت الأبيض
ويعتقد المحلل السياسي خالد السكران أن مسعد بولس «رجل يسعى إلى صفقات شخصية» وليس صفقات للإدارة الأميركية، مضيفًا: «على حسب معلوماتي فالوفد الكبير الذي ذهب من حكومة الدبيبة مؤخرًا إلى واشنطن وجد رفضًا كبيرًا، مع اعتقاد واشنطن أن أي صفقات قادمة في ليبيا لا بد أن تكون عن طريق حكومة موحدة معترف بها ومستقرة».
وأضاف السكران في حديثه إلى قناة «الوسط»: واضح من حديث مسعد بولس مع قناة الجزيرة يوم الجمعة الماضي أنه ضعيف جدًا سياسيًا ولا يملك أي رؤية للملفات التي هو مسؤول عنها وليس في ليبيا فقط بل في السودان والكونغو ورواندا»، مشددًا على أنه غير قادر على فهم تعقيدات المشهد الليبي.
ونوه بأن رحلة نجل مسعد بولس وابنة ترامب في منطقة الريفيرا «إشارة أخرى أن الراجل يبحث عن الصفقات في الملف الجاهز وهو ملف النفط في ليبيا»، معتقدًا أن هناك خلافًا داخل الإدارة الأميركية وداخل الحزب الجمهوري من تحركات مسعد بولس.
المسألة أكبر من دعم حكومة الدبيبة
من جانبه، يقول أستاذ العلاقات الدولية د. مسعود السلامي إن مستشار ترامب لن يكون مؤثرًا في المستقبل السياسي لليبيا ولن ينفذ ما يسعى إليه، «فهو عديم الخبرة السياسية يحاول الانفراد بالملف الليبي لتحقيق مصالح شخصية، وهو أمر لن تسمح به الدولة العميقة في الولايات المتحدة»، على حد قوله.
ويضيف السلامي أن واشنطن تهتم بالوضع الليبي من أجل إدارة صراع دولي أكبر من ليبيا، «فهي لا تريد أن ترى روسيا أو الصين منافسين لها في العمق الأفريقي أو في البحر المتوسط، كما لا تريد تشكيل كتلة أوروبية بعيدا عن همينتها»، منوهًا بأنه لا يمكن حصر رؤية واشنطن في دعم حكومة الدبيبة فــ «الأمر أكبر من دعم طرف أو إعلان رؤية للوصول إلى الانتخابات وإنما هي مصالح طويلة الأمد أميركيًا».
____________