انتخب مجلس النواب في ليبيا في سنة 2014. وإذ عمد إلى تجديد ولايته لنفسه مرّتين تبعا لاتّفاق سياسي، اتًّفق أنّ السلطة التشريعية الممنوحة له بعد التجديد  هي سلطة مقيّدة ومحصورة فقط في كل ما يتعلّق بما هو ضروري للوصول بالبلاد إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تنتج سلطات تشريعية وتنفيذية جديدة.

إلا أنه ورغم ذلك، ما انفكّ المجلس يصدر التشريع تلو الآخر من دون أن تكون هناك أية ضرورة أو مصلحة مباشرة لإصداره. كما أنه ليس لمجلس النواب دورة برلمانية محدّدة ولا خطة تشريعية واضحة الأوليات من شأنها أن تبيّن الحكمة من إصدار هذا القانون أو ذاك.

ومن خلال المتابعة لعملية صناعة التشريع داخل المجلس يظهر بوضوح التخبط والعشوائية في إصدار القوانين. فمثلا، يصدر قانون للجرائم الإلكترونية يتبعه قانون النقابات وبعدها قانون المحكمة الدستورية وغيرها.

وكل هذه التشريعات غير مرتبطة بالمرحلة الانتقالية وكذلك لا تخضع إلى أي مشاركة مجتمعية. إلا أن هذا التخبّط بلغ أوجّه مع إقرار مشروع قانون أعمال السحر والشعوذة والكهانة المقدّم من الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في حكومة الوحدة الوطنية في 2021.

محتوى ونصوص قانون أعمال السحر والشعوذة والكهانة

أقرّ مجلس النواب قانون تجريم أعمال السحر والشعوذة والكهانة وما في حكمها، في جلسته المنعقدة بتاريخ 9/1/2024. وقد صدر القانون من دون رقم ولم ينشر حتى الآن في الجريدة الرسمية وإن تمّ الإعلان عنه في موقع مجلس النواب.

وقد احتوى القانون على 17 مادة صيغت بطريقة مختلفة وغريبة عن التشريع الجنائي الليبي حيث أفردت المادة الأولى تعريفات لبعض المصطلحات المستحدثة  مثل السحر الذي عرفته بالعمل المخالف للشريعة ويقصد به التأثير في البدن والقلب والعقل باستخدام التمائم والطلاسم وغيرها.

كما عرف الكهانة بأنها ادّعاء علم الغيب ومحاولة التبصّر بما تكنّه الضمائر بأية وسيلة كانت وتدخل فيه العرافة والتنجيم. ثم عرّف الشعوذة بأنها استعمال الحيلة أو خفّة اليد في أفعال عجيبة يظنّها من يراها حقيقة وهي ليست كذلك لمحاولة استغلال الناس. وأخيرا عرّف الطلسم بأنه أسماء وجمل وحروف يكتبها السحرة وتكون مجهولة المعنى.

واعتبر القانون في مادته الثانية أن أعمال السحر والشعوذة والكهانة وما في حكمها أفعال مجرّمة معاقب عليها. ولم يكتفِ المشرّع بذلك بل وسّع نطاق الأفعال المجرّمة حيث أضفى وصف التجريم على أفعال ادّعاء القدرة على السحر وتعلّم السحر وتعليمه وطلب القيام بالسّحر وكذلك دعم السحرة والمشعوذين وجلبهم والتستّر عليهم وأيضا الترويج ونشر أعمال السحر والشعوذة واستيراد أدواته وحيازتها والتحريض على الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون.

ورغم عدم وضوح الجريمة التي تحدّث عنها هذا القانون كونها ليست فعلا أو سلوكا ماديا محدّدا، إلا أن القانون تشدّد في العقوبات لتصل إلى حدّ الإعدام في حالات عدة، علما أن القانون لم يستخدم مصطلح الإعدام (وهو المصطلح المستخدم في التشريع الجنائي الليبي)، إنما مصطلح القتل.

فقد نصّت المادة 5 على عقوبة القتل للساحر إن تضمّن سحره كفرا أو ترتّب عليه قتل نفس مع إمكانية أن يحكم القاضي بالقتل أوالسجن المؤبد أوالسجن لمدة لا تقلّ عن خمسة عشر عاما في غير ما  ذكر في هذه المادة.

بعدها انتقل القانون لمعاقبة الكاهن بالسجن مدة لا تقلّ عن عشر سنوات وغرامة مالية لا تقلّ عن خمسين ألف دينار والمشعوذ بالسجن مدة لا تقلّ عن ثلاث سنوات وبغرامة مالية لا تقلّ عن خمسة عشر ألف دينار. كما وردت عقوبة السجن بمدد مختلفة وبالغرامة المالية في المواد 9/10/11/12 لجرائم تعلّم السحر وطلب أعمال السحر ودعم السحرة وجلبهم والترويج لهم واستيراد الأدوات الخاصة بالسحر.

لم يكتفِ الابتداع القانوني بما تقدّم، حيث أناط بهيئة خاصة (غير قضائية) تنشئها وزارة العدل بالتنسيق مع الهيئة العامة للأوقاف مهمة اعتبار الفعل من أعمال السحر والشعوذة والكهانة، مما ينذر بسلب اختصاص القضاء ومنح دور أكبر لهيئة الأوقاف. ومؤدى ذلك عمليا هو إشراك السلطة الدينية من خلال الهيئة المذكورة في تحديد الجريمة وإثباتها.

هذا مع العلم أن المادة 15 نصّت على تطبيق مذهب الإمام مالك فيما لم يرد به نصّ في القانون. وختامها مسك، حيث نصّت المادة 16 أن من يحكم عليه لتضمن سحره كفرا لا يجوز الصلاة عليه ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين.

لم ينص القانون على إجراءات  رفع الدعوى مما يعني العودة للقواعد العامة والنيابة العامة باعتبارها الأمينة على الدعوى العمومية تمارس اختصاصاتها، لكنها اختصاصات ستكون مقيّدة عمليا بالرأي الفنّي للهيئة والخضوع لتفسيرات فقهية ممّا يجعل النيابة العامة مجرد أداة لإيصال الدعوى التي تقررها هذه الهيئة للمحكمة.

جدل وردود أفعال حول صدور قانون السحر والشعوذة

يعيد هذا القانون إحياء قواعد قديمة جدا، ارتبطت في حينه بالبيئة السائدة ثقافيا ودينيا، حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية والسلطات الدينية تعتبران السحر تحالفًا مع الشيطان ويعملان معا ضدّ الدين. وقد شهدت أوروبا في القرون الوسطى عمليات محاكمة للسحرة.

وفي بعض الحالات، كانت هذه المحاكمات تستند إلى اعترافات يتمّ الإدلاء بها تحت التعذيب. ومع تطوّر الفكر القانوني والتحرر من قيود رجال الدين، تمّ إلغاء  تجريم السحر. وعليه، من الغريب أن مجلس النواب في ليبيا اختار العودة قرونًا الى الوراء من خلال تبنّيه هذا القانون.  

ومن أجل الإحاطة بالموضوع، علينا أن نقرّ للأسف أنّ السّحرة والمشعوذين يحظون بقبول كبير لدى شريحة ليست بالقليلة من المجتمع الليبي، وأن ثمّة من يتردّد عليهم لطلب السحر مقابل مبالغ باهظة. وقد شهدنا تنفيذ العديد من الحملات التي استهدفت السحرة والمشعوذين بهدف مكافحة هذه “الآفة”.

وقد سبق صدور القانون عمليّة تهيئة للرأي العام  منذ يناير 2021 قامتْ بها هيئتا الأوقاف، في شرق وغرب ليبيا، والتي يسيطر عليهما بوضوح التيار المدخلي السلفي. وقد تمثلت هذه العملية في إطلاق حملة بهدف الوقاية من السّحر والشعوذة، أطلق عليها اسم “حصين”، وتشمل ترويج عدد من الأدعية والتعويذات. وقد طالبت المواطنين بالحرص على الوقاية “من شرور السحرة والمشعوذين”.

وعليه، حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات الفيديوهات التي يظهر فيها سلفيون يدهمون مقابر في مختلف أنحاء البلاد، ويعرضون تمائم عثروا عليها داخل المقابر، لكن تلك الحملة قوبلت بانقسام شعبي كبير.

وبعد ما يقارب عاميْن، صدر القانون الذي أثار ردود أفعال متعددة في المجتمع السياسي والقانوني في ليبيا، حيث أوضحتْ النائبة أسماء الخوجة ظروف إصدار القانون “نوقش القانون في ظلّ جدل واسع ومخاوف متعدّدة من قبل النواب. وقد كانت هناك مخاوف مشروعة من أن يُستغلّ القانون للتدليس واستغلال بعض الفئات لتحقيق مصالح غير مشروعة”.

كما صرّح النائب علي أبوزريبة أنّ مشروع القانون اقترح منذ عام وقدّم من هيئتي أوقاف بنغازي وطرابلس وتمّ التصويت عليه من غالبية الأعضاء بعد ورود عدد كبير من الشكاوي بالخصوص. كما يرى المحامي أنيس بو شعالة  أنّ من المسلّم به أنّ التجريم المُوجب للعقاب يفترض وجود سلوك ماديّ واضح ومحدّد وأن يكون سببا للنتيجة الإجرامية، إلا أن السحر يُعدّ من قبيل الغيبيّات التي لا يمكن تحسّس شكلها على نحو جامع مانع غير قابل للتأويل

بينما يرى د. حسين سحيب أن فكرة تجريم أفعال السحر والشعوذة بتشريع خاصّ ومن منطلق أن تجريم الظواهر السلبية علامة صحيّة في النظام القانوني. وهو يضيف أن هذا لا يعني التحرّر من القواعد  والمبادئ العامة التي تضبط عملية التشريع في مجال التجريم و العقاب. وهو يعلّق من ثم على نصوص القانون بأنها كارثية ولا تمتّ للعمل القانونيّ بصلة.

أهم الملاحظات على القانون

لم يشرْ قانون العقوبات الليبي سابقا إلى جرميْ السحر والشعوذة كجرائم خاصّة وإن كان ورد في القرار رقم 601 لسنة 1426 هجرية بشأن تنظيم أمانة اللجنة الشعبية العامة للأمن العام ينيط بها من ضمن مهام البحث الجنائي “مكافحة الشعوذة وضبط المخالفين وإحالتهم لجهة الإختصاص”إلا أن هذا النصّ ألغي في 2012 بصدور قرار 145 بشأن إعتماد الهيكل التنظيمي واختصاصات وزارة الداخلية وتنظيم جهازها الإداري.

فقد أُعيد تنظيم اختصاصات الإدارة العامة للبحث الجنائيّ في المادة 22 منه ولم يرد ذكر الشعوذة ولا مكافحتها في تلك المادة. وهو ما أكّد عليه قرار 92 لسنة 2013 بشأن إنشاء جهاز المباحث الجنائيةوعليه، وفق التشريعات السابقة لهذا القانون، لم يكن هناك جريمة خاصة تحت مسمّى الشعوذة أو أعمال السحر، إنما كان يمكن أن يعاقب مرتكبها فقط بوصفه مرتكبا لجريمة النصب والاحتيال  متى اكتملت أركانها  وفقا لنص المادة 461 من قانون العقوبات.

ومن أبرز الملاحظات على هذا القانون، الآتية:

أولاًإنه يعرّف الجرائم المستحدثة بمفاهيم مطاطة وغامضة، عدا عن أنّها تتناول أفعالا تمتّ إلى عالم الغيب أكثر مما تمتّ إلى الواقع المعيوش

ثانيا: إنه ينشئ (هيئة من الخبراء) يوكل لهم تقدير تحديد مضمون الفعل المسند للمتهم من حيث ما إذا كان من قبيل السحر والشعوذة أم لا.

وهذا ما يعدّ سلبا لسلطة القضاء الموكل لهُ وحدة اختصاص الفصل فيما يعرض عليه من قضايا، ليصبح تقدير وقوع الفعل المجرم من اختصاص هيئة غير قضائية لم يوضح القانون معايير تشكيلها أو الخبرة المتطلّبة في أعضائها متجاوزا دور مركز البحوث والخبرة القضائية التابع لوزارة العدل.

ثالثا: إنه تضمّن مصطلحات مغايرة للمصطلحات المعمول بها في مجال القانون الجنائي الليبي

حيث نصّ على أنه (يعاقب الساحر بالقتل)، إذ أن مصطلح (القتل) مصطلح غريب عن مفردات القانون الجنائي الليبي، والذي كان يعبر دائماً عن هذه العقوبة بمصطلح (الإعدام) وهي عقوبة من العقوبات الأصلية، وفق ما سبق بيانه.

رابعا: إنه ينكر فكرة العدول عن الاعتراف، والذي سمّاه (الإقرار)

بمعنى أنّ اعتراف المتهم أمام مأمور الضبط كافٍ لوحده لإثبات وقوع هذه الجريمة، ولو عدل المتهم عن ذلك فيما بعد أمام سلطات التحقيق أو سلطة القضاء تحت أيّ مبرّر. وهذا التوسّع والتساهل في توفير أدلّة الإدانة هو أمر لا يتناسب مع جسامة العقوبة المقدّرة عن تلك الأفعال والتي تدور بين (الإعدام والسجن المؤبد والسجن).

خامسا: أخلّ مشروع القانون بمبدأ التفريد العقابيّ، وسلب القاضي حقّه في إنزال العقوبة وتقديرها بحسب ما يتراءى له من ظروف عامة وخاصة سواء بالواقعة أو بشخص مرتكبها.

حيث تنص المادة (16) من مشروع القانون على أنهُ (لا يجوز الأمر بإيقاف تنفيذ أي عقوبة منصوص عليها في هذا القانون ولا استبدالها ولا تخفيفها ولا العفو عنها).

سادسا: إنه ضمّن القانون عقوبات فرعية ذات طابع دينيّ

كمنع الصلاة على المحكوم عليه أو غسله أو دفنه في مقابر المسلمين، على نحو يظهر الخلط بين السلطة السياسية والسلطة الدينية أكثر فأكثر

خاتمة

نستطيع القول أننا أمام قانون يجرّم ظاهرة معينة بنصوص تخالف القواعد العامة في القانون الجنائي سواء أكانت قواعد موضوعية أو إجرائية، ويضع القضاء الجنائي أمام معضلة حقيقية، سواء من حيث تقدير وقوع الفعل وحرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، أو من حيث حريته في تقدير مدى كفاية العقوبة وملاءمتها في تحقيق أهدافها.

وهذا ما يعد انتهاكاً لحقوق المتهمين في محاكمة عادلة، وهو الأمر الذي من المفترض أن يتنزّه عنه المشرع الليبي احتراماً للنصوص الدستورية والمواثيق الدولية وما تضمنته من التزامات في هذا الخصوص.

لذلك، فإن إعادة النظر في هذا القانون هو أمر ملحّ درءًا لما سوف يسفر عنه تطبيقه من إخلال بحقوق أساسية للمتقاضين، وكذلك تفادياً للإشكال الذي سوف يقع فيه القضاء عند التطبيق.

وهنا نُهيب بالمشرّع الليبي أن يراجع هذا القانون مُستندا على الاتّفاقيات الدّولية المُصادق عليها من الدولة الليبية ومستأنسا بتجارب التشريعات المقارنة.

_________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *