خالد الهوني

لست بعالم نفس ولا متخصص في معرفة طباع الرجال، ولا خبير بما يُعرف بالفراسة عند العرب، لكنني مواطن ليبي تجولت كثيراً في ربوع بلادي وخالطت وصادقت الكثير من أبنائها، ذلك بحكم الدراسة والعمل والزيارات الاجتماعية المُختلفةِ الغايات (زواج، عزاء، معايدة، سلام.. الخ)، كذلك لشغفي بالسفر والترحال والاكتشاف.

وقد  خالطت أيضاً وصادقت أُناساً من شعوب وأمم أخرى من العرب والعجم وغيرهما، لسببٍ أو لأكثر من الاسباب التي ذكرتها آنفاً.

فصرت تبعاً لذلك، أعرف الكثير من لهجات أهلنا ولكناتهم، حتى لصرت أعرف لهجة من يتحدث من بنغازي عن من هو من درنة عن أهل طبرق، كما أميز لَكنة من يتحدث معي  مِن أي من مدن الجفرة هو، أو إذا كان المتحدث من سبها أو من قرضة وادي  الشاطيء أم من مرزق.

أما عن أهلنا في غرب ليبيا، فمن السهل التفريق بين لهجات من هو من مصراته مثلا عن الطرابلسي عن الصبراتي عن الغدامسي، وأنا حقيقة أحب هذا التنوع وأستمتع به، كما أحب أهلي جميعاً وأعتز بأنني منها.

والليبيون بصفة عامة يشتركون  في خصال عربية حميدة عديدة، كالكرم والشجاعة والشهامة والمروءة ولديهم الكثير من الكبرياء، أحياناً أكثر مما يجب، كما هم بصفة عامة طيبون، ومتدينون ويخافون الله، كما يخافون العيب ويخجلون من فعله.

هذا ما أكده لي أيضاً كل من عاشر الليبيين وعرفهم عن  قرب من الأجانب الذين عرفتهم في حياتي  أو قابلتهم في رحلاتي.

لكنني اليوم أود تسليط الضوء على بعض الطباع، والتي لمستها منهم بحكم المعاشرة والاختلاط، والتي لا أراها من الخصال الحميدة، وإن كنت أتفهم بعضاً من  جوانبها وجذورها القديمة عندنا، إلّا إن حِدَّتها قد ازدادت  لدينا في الآونة الاخيرة،  حتى لكأنها أصبحت السمة الغالبة علينا وهذا ما لا يجب أن يكون.

أولها: عدم بشاشة الليبين بصفة عامة، حيث لا تراهم يبتسمون إلا فيما ندر، ولربما سبب ذلك ربط التجهم والعبوس بقوة الشخصية والهيبة، وأنا عموماً لا أشاركهم في ذلك، وتلاحظ ذلك حتى على مستوى حُكَّامهم ومسؤوليهم، كملكهم السابق والذي لم أر له صورة قط وهو مُبتسم.

ثانيهما: العناد والتمسك بالرأي، وأحياناً تغييره من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فقط لأن الآخر غير رأيه ووجب عليه معاكسته.

ثالثهما:  أسلوب الحديث وعن ما يدور فيه، خاصة حينما تقابل أحد منا لأول مرة، فالحديث في الغالب يرتكز حول ثلاثة أهداف:

التقييم: يحاول محدثك بسيل من أسئلته لك أن يُقَيِّمك، من أنت ومن أين هي منطقتك أو مدينتك أو قبيلتك وما مدى قوتها، وما هي توجهاتك السياسية والفكرية ومن تناصر ومن تعادي، وما إلى ذلك، وقد إزداد هذا بشكل واضح بعد 17 فبراير.

الفائدة: ما هي إمكانية الاستفادة من علاقته معك؟، وماهو حجم هذه الاستفادة؟، وبالتالي سيحاول تطوير هذه العلاقة تبعاً للفائدة المرجوة.

الانتصار: بعد إجابتك على أسئلة محدثك عن أصلك و فصلك وعدد أفراد أسرتك وأين تسكن وما هو عملك ومصدر رزقك، وما هي ممتلكاتك وما قيمتها وأحياناً حتى قيمة مرتبك وما في حسابك المصرفي، سيبحث محدثك عن نشوة الانتصار عليك في داخله، والتي قد يكون مصدرها أن عدد أطفاله أكثر من عدد أطفالك، خاصة الذكور منهم، أو أنهم يرتادون مدارس أفضل من المدارس التي يرتادها أبناؤك، أو أن بيته أكبر من بيتك.

أو أن لديه استراحة  أو مزرعة وأنت لا تملك ذلك، والتي يصر أن يدعوك إليها ويتجول بك في أرجائها ليستمتع هو أكثر بانتصاره المُبين عليك.

كما أن الليبيين بصفة عامة عاطفيون ومتسرعون  في قراراتهم واندفاعيون في أفعالهم، والتي هي في الغالب لا تنجم عن تعقُّل وتفكير، بل تجدها في معظمها ردود أفعال لتصرفات وأفعال الاخرين تجاههم، مما يجعلهم إنفعاليون وسريعي الغضب، كما إنهم  أيضاً متسامحون وسريعي النسيان متقلبي المزاج:، مما  يجعل من الصعب تفاهمهم أو عملهم ضمن فريق عمل واحد.

في مقابل ذلك لا يبدو لك أن الليبيين بصفة عامة شعب سعيد، لا الآن ولا  قبل ذلك، بل يغلب على طابعهم الضيق والتوتر والتبرُّم والشكوى، والتصرفات الغريبة والمرتبكة، حتى لأصبحت في سفراتي خارج ليبيا، أستطيع أن أميز الليبي من غيره  وبمجرد مشاهدتي له، وذلك من مشيته المرتبكة ونظراته القلقة.

هذا ناهيك عن أصوات حديث لقاءاتنا المرتفعة والتي أصبحت سمة غالبة لنا في أي مكان، لربما لأن محدثك منا لا يستطيع أن ينتصر عليك أو يقنعك بحجته، إلا بهذا الاسلوب.

أرى أن الشخصية الليبية إيجابية وجيدة بصفة عامة، كما أرى أن هذه الطباع السيئة ليس من الصعب معالجتها والتخلي عنها، وذلك بقليل من الفهم والادراك لفلسفة الحياة ومعانيها، وببعض من التمهل والتنازل وإستخدام العقل وسعة الصدر، وبتقبل وجود الاخر ووجهة نظره ومحاولة فهمها.

كذلك بمعرفة أن السعادة الحقيقية هي في العطاء وليست في الاخذ والتملك، كما أن السعادة تنبع من داخل الانسان ولا تأتي من خارجه، وأنها تتأتى بالبساطة والتلقائية، لا بالمظاهر والتكلُّف، بإنتصارك على شهواتك وبرضاك عن نفسك وباحترامك لها وللآخرين، لا بانتصارك الوهمي علي غيرك ودخولك في مقارنات أساسها الارقام، لن تكون أبداً في صالحك، لأن الارقام ببساطة ليس لها نهاية.

تظل هذه بعض من مشاهداتي ، وآراءي، ولكم حق التعليق عليها.

______________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *