د. مصطفى عمر التير

ـ تهريب النفط المكرر

لا تكفي طاقة محطات تكرير النفط المحلية الاستهلاك المحلي، لذلك يتم استيراد النفط المكرر من الخارج، ويباع للمستهلك مدعوما، بحيث يدفع لشراء لتر البنزين أقل مما يدفعه لشراء لتر من الماء.

لذلك ينشط عدد من الليبيين ومواطني دول الجوار في أعمال تهريب النفط إلى كول كثيرة أهمها تونس والنيجر ومالي وحتى مالطا. وقد أسهم غير القانوني في زيادة الضغط على رصيد البلاد من العملة الصعبة.

ـ استمرار نمو القطاع العام

منذ إلغاء القطاع الاقتصادي الخاص في أواخر سبعينيات القرن العشرين تحول الليبيون القادرون على العمل إلى موظفين في القطاع العام. وبذلك أصبحت نسبة العاملين في القطاع العام بالنسبة إلى حجم السكان كبيرة مقابلة بأي بلد آخر.

ثم أعيد القطاع الخاص، لكن عدد الذين يتقاضون رواتب لم ينخفض، ما يعني أن نسبة الناشطين في القطاع الخاص لم يتخلوا عن مرتباتهم في الدولة، وهو أمر عادي في البلاد التي ترتفع فيها معدلات الفساد. لكن ومع هذا بلغ ما رصد في ميزانية عام 2010 لبند المرتبات 8,5 مليار دينار.

وعندما بدأت الانتفاضة انضم عدد من العاطلين عن العمل إلى المجموعات المسلحة. ولأن هذه المجموعات لم تتوقف بعد نهاية نظام القذافي، بل أعطيت للأفراد مكافآت شهرية مجزية، انتهز الفرصة حتى من لم يشارك في الحرب ضد كتائب القذافي الأمنية وأنشأ فرقا جديدة.

وهكذا بدأ عدد أفراد الميليشيات العسكرية يكبر، وبعد أن قدر العدد أيام الانتفاضة بحوالى 30 ألف مسلح، فقد وصل فيما بعد إلى حوالى ربع مليون.

وفي غياب الرقابة واستعداد البعض إلى نهب المال العام قام عدد من زعماء الميليشيات بتضخيم أعداد فرقهم المسلحة بأسماء وهمية. كما أن البعض سجل اسمه في أكثر من ميليشيا. وعليه ارتفع حجم بند المرتبات في ميزانية السنة الأولى بعد الانتفاضة إلى 19 مليار و أو ما يعادل 32% من حجم الميزانية.

ارتفع المبلغ في السنة التالية إلى 35 مليارا ووصل في ميزانية 2014 إلى 27 مليا أو معادل 61% من الميزانية. وبعد أن وضعت بعض القيود، انخفض البند في ميزانية 2015 إلى حوالى 20 مليارا أو ما يعادل 44% من حجم الميزانية.

ب ـ المؤشرات ذات الطبيعة الاجتماعية

المجتمع الليبي من بين أجزاء الوطن العربي، حيث لا يزال للقبيلة دور هام في انتساب الفرد وفي ولاءاته، وتوجيه علاقاته الاجتماعية، وبالتالي في رسم النسيج الاجتماعي. وبدون الدخول في تفصيلات الأصول البعيدة للقبائل الليبيةن يمكن القول إن القبائل الليبية كثيرة ولكل منها حدود جغرافية يعترف بها الآخرون. لذلك يمكن التمييز بين توزيع القبائل على مختلف أجزاء الأرض الليبية.

كما توجد مناطق فيها قبائل مختلفة كالمدن مثلا. وتاريخيا دخلت القبائل في تحالفات، كما دخلت في صراعات قبلية كان معظمها بسبب التنافس على ومصادر المياه. ومع ما مرت به البلاد من تحولات اجتماعية لا يزال الليبيون يذكرون قبيلة الانتساب، فهوية الفرد قبلية في المقام الأول.

عندما بدأت الانتفاضة رفع المنتفضون شعارا هاما: “الليبيون قبيلة واحدة، لكن بمجرد موت القذافي نسي المنتفضون هذا الشعار، ودخلوا في سلسلة من الصراعات بسبب اقتسام السلطة والاستحواذ على المال العام، كما استحضر البعض أحداثا تاريخية يفترض أن الزمن عفى عليها.

لذلك عرف المجتمع خلال السنوات الخمس الأخيرة حروبا بين المدن، وحروبا في داخل المدن، أي بين الأحياء، وانشقاقات في داخل الأسرة الممتدة بسببطرف الانحياز إلى طرف في نزاع ضد آخر.

نتج من هذه الصراعات عملية إغلاق للطرقات العامة بين المدن واستهدفت أجزاء من الطريق الدولي الرئيس الذي يربط بين مدن الساحل الليبي. وحدثت عملية تهجير قسري لم تعرفها البلاد منذ بداية الغزو الإيطالي بلغت بحسب بيانات 2014 حوالى 435 ألفا إلى جانب آخرين توزعوا بين بلدان الجوار، وخصوصا في تونس ومصر.

وعرفت ليبيا لأول مرة مدن الأشباح، هجر جميع سكان المدينة وبقيت المباني قائمة، والأبواب مفتوحة، وخالية من أي مظهر من مظاهر الحياة. ثم شهد النصف الثاني من 2014 حربا رئيسة في الشرق الليبي وأخرى في الغرب قادت

إلى انقسام البلاد إلى شطرين رئيسيين لكل شطر هيئته التشريعية وحكومته، وانقسمت المؤسسات إلى قسمين وأصاب الانقسام حتى المصرف المركزي، وهو ما لم يحدث في لبنان المنقسم إلى طوائف وشيع عندما مرت البلاد بحرب أهلية دامت 17 عاما.

ثانيا: عوامل البناء

نقصد بها تلك التي من شأنها أن تعيد الأمن والاستقرار في ظل نظام سياسي تختاره الأغلبية، ويتمكن من إعادة ضخ وتصدير النفط المصدر الرئيس للدخل، ووضع وتنفيذ خطط لانتعاش الاقتصاد وإعمار البلاد، وخصوصا أن الحرب التي زهاء الثمانية أشهر بين شباب الانفاضة بمساندة جوية من حلف الناتو وكتائب القذافي الأمنية، تركت دمارا كبيرا على الأرض.

شهدت الأشهر الأولى بعد انتهاء الحرب حراكا اجتماعيا نشطا في اتجاه بناء نظام سياسي جديد. أُعلن عن تكوين المئات من مؤسسات المجتمع المدني، ونشأت أحزاب سياسية وظهرت وسائل الإعلام المستقلة، ونشط البعض في التعبير عن الرأي بغض النظر عن اتجاهه، ونُظمت أول انتخابات لاختيار هيئة تشريعية واختيرت حكومة مؤقتة.

وعلى الرغم مما شاب بداية هذه المرحلة من شوائب، بدا المشهد وكأن البلاد تسير في طريق الاستقرار. لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، وبدا واضحا أن السلطة الفعلية في يد الميليشيات وليست بيد السلطتين التشريعية والإدارية. بدأ التغيير بسن تشريعات تقود إلى الاقصاء ولا تصب في مصلحة بناء الدولة المدنية.

وكثرت الصدامات المسلحة، وتعاظمت أنشطة هدر المال العام وما يتعلق بها من فساد، وتعددت أعمال التعدي على الحرمات ومخالفة قواعد حقوق الانسان، ودخلت البلاد في دوامة من الفوضى العارمة.

الخاتمة

في ضوء ما ذكر آنفا، إلى أين تقود الرياح التي تعصف بهذا البلد الذي حصل على الاستقلال في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، وأصبح ثامن دولة عربية مستقلة.

وفي ضوء انحسار حقبة الاستعمار بالمفهوم الذي ساد قبل بداية الحرب الكونية الثانية، لن تستعمر ليبيا مرة أخرى من قبل دولة غربية، لكن بالمفهوم المعاصر للاستعمار، بمعنى فقدان المسؤولين المحليين حرية اختيار القرار عندما يتعلق الأمر بالقضايا الرئيسة، فهذا البلد دخل تحت هذه المظلة منذ الاسبوع الأول للانفاضة.

لم تكن الانتفاضة ليبية صرفة، وإنما كانت بالمشاركةبدأ التدخل الخارجي مبكرا، واتخذ مظاهر متعددة.

كانت البداية بوسائل إعلام انحازت إلى جانب الانتفاضة، تلتها زيارة مسؤولين وناشطين سياسيين لبنغازي، التي أُعلنت مدينة محررة. بمعنى خرجت عن سلطة النظام في وقت مبكر، ثم جاءت المساعدات مرتبطة بإملاءات وإن بدت في مظهرها الخارجي كنصائح، ثم وصل التدخل العسكري الذي لولاه لما أمكن القضاء على القذافي وقوته العسكرية خلال فترة الأشهر الثمانية.

الدول التي تدخلت ولا تزال تتدخل في الشأن الليبي كثيرة، تضم دول الجوار، ودولا عربية أخرى، ودولا أوروبية، وكذلك أمريكا وكندا وحتى استرالياففي هذا البلد يطمح كل متدخل أن يحصل منها على نصيب يرضيه.

وفي حين ترنو عيون جميع المتدخلين إلى الثورة التي في باطن الأرض اللييبة، فإن البعض يهمه شكل النظام السياسي الجديد ويرغب أن يراه متوافقا مع أيديولوجيته.

وقد أسهم هذا التدخل في تعميق حدة الإنقسام لأن دولا معينة تؤيد الوضع الموجود في الغرب الليبي، وأخرى تساند الوضع الموجود في الجزء الشرقي.

ودخل عدد من المسؤولين في كل طرف في حرب كلامية مع الطرف الآخر شملت توجيه مختلف التهم فما فيها التخوين والعمالة وحتى التفكير.

فهل بعد كل هذا يمكن القول إن ليبيا ستعود بلدا متماسكا؟ قد يعتقد البعض أن هذا الأمر ممكن، ولكنني أرى أن التقسيم إلى قسمين هو أقل ما سيؤول إليه الأمر في النهاية.

وإذا حدث هذا فإن العلاقة بين الدولتين حديثي الولادة لن تأخذ شكل التعاون والتعاضد.

ثم إنه إذا حدث وتحقق هذا السيناريو فإن الخلافات الداخلية لن تنتهي، بل ستبرز خلافات بين أجزاء كل طرف، ولن يكون ما حدث في جمهورية جنوب السودان ببعيد.

فحجم التمزق الذي حدث في النسيج الاجتماعي الليبي كبير وصعب، لكي لا أقول يستحيل، رتقه، ما لم تحدث معجزة في زمن قلّت فيه المعجزات.

***

د. مصطفى عمر التير ـ استاذ علم الاجتماع، أكاديمية الدراسات العليا ـ ليبيا

______________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *