صلاح الهوني

التسوية التي تنجح في طرابلس وبنغازي وتفشل في سبها و مرزق و الكفرة لن تكون تسوية وطنية؛ ستكون مجرد هدنة بين مركزين.
السياسة في ليبيا مباراة بين مدينتين: طرابلس وبنغازي. تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتعثر الانتخابات، لكن الخريطة السياسية تبقى أسيرة هذا الخط الساحلي. أما الجنوب، فيظهر غالبًا في الأخبار عندما يحدث إغلاق لحقل نفطي، أو اشتباك حدودي، أو أزمة هجرة، أو تحرك لجماعة مسلحة. وهذا غريب، لأن فزان ليست هامش ليبيا؛ إنها أحد مفاتيحها.
تقرير للأمم المتحدة صدر في 2025 وصف الجنوب الليبي بأنه غني بالموارد الطبيعية لكنه مهمّش سياسيًا واقتصاديًا. وفي 2026، واصلت الأمم المتحدة دفع مسار سياسي يركز على توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات ومعالجة جذور الصراع، لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل ذلك هو: أين الجنوب في هذه المعادلة؟
المشكلة ليست أن المجتمع الدولي لا يعرف بوجود فزان. المشكلة أنه يتعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها ملفًا تابعًا لملفات أخرى: الأمن حين يتعلق الأمر بالحدود، والطاقة حين يتعلق الأمر بالنفط، والهجرة حين يتعلق الأمر بأوروبا. أما أن تكون فزان شريكًا سياسيًا كاملًا في صياغة مستقبل ليبيا، فهذه فكرة لم تحصل بعد على ما يكفي من الاهتمام. وهذا خطأ في الحساب.
فالجنوب هو المكان الذي تلتقي فيه ثلاثة أشياء يصعب فصلها عن مستقبل الدولة الليبية: الموارد، والحدود، والتنوع الاجتماعي.
حقل الشرارة النفطي وحده يكفي لتذكير الجميع بأن الصحراء الليبية ليست فراغًا جغرافيًا. الحقل، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 300 إلى 320 ألف برميل يوميًا، كان في مارس الماضي عرضة لحريق أدى إلى إعادة توجيه التدفقات عبر مسارات بديلة، في مشهد يعكس هشاشة البنية النفطية أمام الاضطرابات التقنية والسياسية والمحلية.
لكن النفط ليس سوى نصف القصة.
النصف الآخر هو أن فزان تقع عند تقاطع ليبيا مع فضاء الساحل والصحراء. الحدود مع الجزائر والنيجر وتشاد تجعل الجنوب جزءًا من منظومة أمنية تمتد إلى ما وراء ليبيا نفسها. وفي هذه المساحة تتحرك التجارة المشروعة وغير المشروعة، وتتشابك مصالح المجتمعات الحدودية مع شبكات التهريب والهجرة والجريمة المنظمة، بينما تحاول قوى إقليمية ودولية فهم ميزان القوة المحلي والتأثير فيه.
النظر إلى الجنوب باعتباره “مشكلة أمنية” فقط هو نوع من الكسل الاستراتيجي. فالمشكلة الأمنية نفسها ناتجة جزئيًا عن غياب الدولة السياسية والاقتصادية.
تتمحور التسوية الليبية منذ سنوات حول السؤال: كيف يمكن جمع المؤسسات المنقسمة بين شرق وغرب؟ وهذا سؤال ضروري، لكنه ليس كافيًا.
الأمم المتحدة نفسها جعلت توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية أحد أهداف خارطة الطريق الحالية، إلى جانب الانتخابات والمصالحة الوطنية. كما أن الحوار المُهيكل الذي اختتم أعماله في حزيران/يونيو قدم أكثر من 525 توصية لمعالجة جذور الأزمة.
لكن الوحدة المؤسسية لا تعني فقط أن يجلس ممثلون عن طرابلس وبنغازي إلى طاولة واحدة. الوحدة تعني أن يشعر سكان مرزق وسبها وغات وأوباري والكفرة بأن المؤسسات التي يجري توحيدها تخصهم هم أيضًا.
والمفارقة أن الجميع يتحدث عن “توزيع عادل للموارد”، لكن المناطق التي تنتج جزءًا أساسيًا من هذه الموارد لا تتمتع بالضرورة بالنفوذ السياسي الذي يسمح لها بالمشاركة في تحديد كيفية توزيعها.
فإذا كان النفط يُستخرج من الجنوب، بينما تُتخذ القرارات المتعلقة بالميزانية والاستثمار في مراكز سياسية بعيدة عنه، فإن الحديث عن دولة موحدة سيظل ناقصًا. وإذا كانت الحدود الجنوبية تتحمل أعباء الهجرة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، بينما تُناقش سياسات الأمن والهجرة من منظور طرابلس أو من منظور العواصم الأوروبية، فإن الجنوب سيظل ينظر إلى الدولة باعتبارها مستهلكًا لأمنه أكثر منها منتجًا له.
هناك طريقة أخرى للنظر إلى فزان: ليس بوصفها خزينة ينبغي اقتسامها، بل بوصفها منطقة تحتاج إلى عقد اقتصادي جديد مع الدولة.
ذلك يعني الاستثمار في البنية التحتية، والطرق، والطاقة، والمياه، والتعليم والصحة، وربط مدن الجنوب بشبكات التجارة الوطنية والإقليمية. ويعني أيضًا تحويل الحدود من خطوط أمنية إلى بوابات اقتصادية منظمة.
فالاقتصاد الموازي يزدهر عندما يفشل الاقتصاد الرسمي في تقديم بديل.
وحين لا يجد شاب في مدينة جنوبية وظيفة أو مشروعًا أو مسارًا واضحًا للحياة الاقتصادية، فإن السوق غير الرسمية تصبح أكثر جاذبية. وحين تصبح الدولة بعيدة، يصبح المهرب أو الوسيط أو صاحب النفوذ المحلي أقرب إلى المواطن من الموظف الحكومي.
لهذا فإن مكافحة التهريب لا يمكن أن تنجح بالوسائل الأمنية وحدها. يمكنك أن تغلق طريقًا صحراويًا اليوم، لكن إذا بقيت أسباب الاقتصاد الموازي غدًا، فسيفتح طريق آخر.
المطلوب هو أن تصبح الدولة نفسها البديل الاقتصادي.
وهذا يمكن أن يبدأ من إنشاء مناطق لوجستية وتجارية في الجنوب، وتطوير المعابر الحدودية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وربط فزان بالأسواق الجزائرية والنيجرية والتشادية ضمن أطر قانونية، بدل ترك العلاقات التجارية تتحرك في الظل.
وهناك سبب آخر يجعل إشراك الجنوب في التسوية أكثر تعقيدًا، وأكثر ضرورة في الوقت نفسه.
فالجنوب ليس كتلة اجتماعية متجانسة. إنه فضاء تتعايش فيه مكونات عربية وتبو وطوارق ومجتمعات محلية ذات تاريخ ومصالح مختلفة. وقد نبه تقرير الأمم المتحدة إلى أن التبو والطوارق والأمازيغ، بوصفهم المكونات الأصلية غير العربية المعترف بها في ليبيا، لا يحظون بتمثيل كافٍ في مؤسسات الدولة.
أي تسوية تتجاهل هذه الحقيقة ستعيد إنتاج المشكلة على مستوى آخر.
لا يكفي أن يُقال إن الجنوب “ممثل”. السؤال هو: من يمثل الجنوب؟ وهل التمثيل سياسي فقط، أم اجتماعي أيضًا؟ وهل تشعر المجتمعات الحدودية، بأن صوتها مسموع عندما تُصاغ السياسات الوطنية؟
الدولة الحديثة لا تحتاج إلى إذابة التنوع. تحتاج إلى تنظيمه داخل مؤسسات عادلة.
وهنا قد يكون الجنوب فرصة لا مشكلة. فبدل أن تتحول التعددية المحلية إلى مصدر صراع، يمكن أن تصبح نموذجًا لنظام إداري أكثر لامركزية، يمنح البلديات والمناطق قدرة أكبر على إدارة شؤونها، مع إبقاء الموارد السيادية الكبرى مثل النفط والجيش والسياسة الخارجية ضمن إطار الدولة الوطنية.
ثمة طرف آخر يجب أن يعيد النظر في مقاربته للجنوب: أوروبا.
بالنسبة إلى بعض العواصم الأوروبية، يبدو الجنوب الليبي في كثير من الأحيان كجزء من معادلة الهجرة غير النظامية والأمن الحدودي. لكن اختزال فزان في هذا الملف يضر بالمصالح الأوروبية نفسها.
فإذا أرادت أوروبا تقليص الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة، فإن أفضل استثمار طويل الأمد ليس فقط في الحواجز الأمنية، بل في الدولة الليبية.
الدولة التي تمتلك حدودًا مراقبة ومؤسسات محلية شرعية واقتصادًا قانونيًا نشطًا تكون أكثر قدرة على ضبط حدودها من دولة تعتمد على تفاهمات مؤقتة مع مجموعات مسلحة أو شبكات محلية.
وهذا يتطلب من الأوروبيين التعامل مع الجنوب باعتباره جزءًا من الحل الليبي لا مجرد خط دفاع متقدم عن أوروبا.
المسار السياسي الليبي الحالي يقترب من لحظة حاسمة. فالأمم المتحدة تعمل على إعادة تفعيل العملية الانتخابية وتوحيد المؤسسات، وقد انتهت في يونيو إلى توصيات واسعة تتعلق بالحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة. كما أن الخطوات الأخيرة ركزت على إصلاح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطار القانوني للانتخابات.
لكن الانتخابات نفسها لن تحل مشكلة الجنوب إذا لم تُطرح أسئلة فزان داخل التسوية الوطنية.
من يملك الأمن في الجنوب؟ ومن يدير الحدود؟ وكيف توزع عائدات الموارد؟ وكيف يتم تمثيل المكونات المحلية؟ وكيف تدمج القوات والتشكيلات المسلحة في مؤسسة وطنية؟ وكيف تحصل البلديات الجنوبية على موارد كافية كي لا تبقى الدولة مجرد علم مرفوع فوق مبنى إداري؟
هذه ليست أسئلة جنوبية فحسب. إنها أسئلة الدولة الليبية.
لذلك، فإن أي اتفاق على حكومة موحدة يجب أن يترافق مع عقد تنموي للجنوب، وأي اتفاق عسكري يجب أن يتضمن ترتيبات واضحة للحدود الجنوبية، وأي اتفاق مالي يجب أن يربط توزيع الموارد بمؤشرات شفافة للسكان والحاجة والإنتاج والتنمية.
قد يكون من المفيد قلب المعادلة كلها. بدل أن نسأل: كيف نُخضع الجنوب للدولة؟
علينا أن نسأل: كيف نجعل الدولة حاضرة في الجنوب؟
إنه الفرق بين دولة ترى مواطنيها باعتبارهم مشكلة أمنية، ودولة ترى مواطنيها باعتبارهم شركاء في السيادة.
إذا نجحت ليبيا في ذلك، فقد يتحول الجنوب من أضعف حلقات الدولة إلى إحدى أقوى نقاطها. فالموقع الجغرافي الذي جعل فزان عرضة للتهريب يمكن أن يجعلها مركزًا للتجارة العابرة للصحراء. والموارد التي غذت الصراع يمكن أن تمول التنمية.
لكن ذلك يتطلب التخلي عن فكرة أن ليبيا يمكن أن تُبنى من الساحل إلى الداخل.
ليبيا تحتاج إلى أن تُبنى من الأطراف إلى المركز أيضًا.
فالجنوب ليس صندوقًا نفطيًا، ولا منطقة عازلة، ولا ممرًا للمهاجرين، ولا مساحة فارغة. إنه جزء من الدولة له مصالحه وذاكرته ومكوناته وموارده.
والتسوية التي تنجح في طرابلس وبنغازي وتفشل في سبها ومرزق والكفرة لن تكون تسوية وطنية؛ ستكون مجرد هدنة بين مركزين.
أما التسوية التي تضع فزان في قلب معادلة المال والأمن والانتخابات، فقد تكون أول تسوية تفهم ليبيا كما هي.
الطريق إلى ليبيا الموحدة لا يمر فقط بين طرابلس وبنغازي. بل يمر، على نحو أكثر أهمية، عبر الصحراء.
________________
