صلاح الهوني

الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.
لسنوات طويلة ظل الجنوب الليبي خارج اهتمام الدولة أكثر مما يقع في قلبها. مساحة صحراوية شاسعة، مدن متباعدة، حدود طويلة مع تشاد والنيجر والجزائر والسودان، وكثافة سكانية محدودة جعلت فزان في المخيال السياسي الليبي أقرب إلى الأطراف منها إلى المركز. لكن ما يحدث اليوم يقول العكس تمامًا.
الجنوب لم يعد هامشًا في الجغرافيا السياسية الليبية، بل أصبح واحدًا من أكثر المواقع حساسية في الصراع على ليبيا، وربما في التنافس الأوسع على شمال أفريقيا والساحل.
التطورات الأخيرة تقدم دليلًا واضحًا على ذلك. فبحسب تحليل استخباراتي مفتوح المصدر نشره مشروع “تيرلاين” التابع لجامعة تكساس، جرى رصد أعمال تطوير في عدد من القواعد الجوية الليبية التي توجد فيها عناصر مرتبطة بـ”فيلق أفريقيا” الروسي، بينها تمرهند وبراك الشاطئ والسارة والجفرة.
وخلص التحليل إلى أن تطوير البنية التحتية في هذه القواعد يرجح أن يخدم تثبيت الوجود العسكري الروسي في شمال أفريقيا والساحل.
الأكثر دلالة أن تقارير لاحقة تحدثت عن إعادة تموضع بعض الأصول العسكرية الروسية من منطقة سرت باتجاه الجنوب، خصوصًا الجفرة وبراك الشاطئ. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة تتجاوز مجرد تحريك قوات داخل الجغرافيا الليبية.
إنها تشير إلى أن الجنوب أصبح بالنسبة إلى موسكو جزءًا من شبكة أوسع تمتد من المتوسط إلى الساحل، وتمنح روسيا مجالًا للحركة في منطقة تشهد أصلًا تحولات أمنية عميقة. وهنا يصبح السؤال مختلفًا.
لم يعد السؤال فقط:
من يسيطر على طرابلس أو بنغازي؟ بل من يملك القدرة على التحكم في المساحات التي تربط ليبيا بجوارها الأفريقي؟
ومن يستطيع مراقبة الحدود والمسارات الصحراوية والقواعد الجوية وممرات الطاقة والهجرة؟
ومن يملك، في النهاية، ورقة الجنوب عندما تبدأ مفاوضات إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة الليبية؟
فالجنوب ليس مجرد صحراء. إنه منطقة تتقاطع فيها الحدود مع الأمن، والأمن مع الاقتصاد، والاقتصاد مع الهجرة، والهجرة مع السياسة الأوروبية، والسياسة الأوروبية مع التنافس الدولي. ومن هنا تأتي أهميته.
ليبيا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في أفريقيا، وجزء مهم من ثروتها الهيدروكربونية يوجد في مناطق الجنوب والوسط أو يرتبط بشبكات نقل تمر عبر هذه المناطق. وفي الوقت نفسه، فإن الجنوب هو بوابة ليبيا إلى الساحل، وهي منطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، مع تمدد الجماعات المسلحة، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي، وتصاعد الحضور الروسي، وانهيار أو ضعف بعض ترتيبات الأمن الإقليمي.
وهذا يجعل فزان بالنسبة إلى القوى الخارجية أكثر من منطقة ليبية نائية. إنها منصة.
- روسيا تنظر إلى ليبيا ضمن حسابات أوسع تتصل بالمتوسط والساحل.
- والولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا من زاوية مكافحة الإرهاب ومراقبة التحركات الروسية وتعزيز الشراكات الأمنية.
- وإيطاليا تنظر إليها من خلال الطاقة والهجرة وأمن المتوسط.
- وتركيا بنت خلال السنوات الماضية حضورًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا قويًا في غرب ليبيا،
- فيما حافظت دول إقليمية أخرى على علاقات مختلفة مع القوى الموجودة في الشرق.
ولذلك فإن الجنوب أصبح نقطة التقاء لهذه المصالح، حتى عندما لا تتطابق أهداف أصحابها.
المفارقة أن كل طرف يدخل ليبيا تقريبًا بلغة مختلفة. هناك من يتحدث عن مكافحة الإرهاب، ومن يتحدث عن حماية الحدود، ومن يتحدث عن مكافحة الهجرة غير النظامية، ومن يتحدث عن حماية الاستثمارات والطاقة، ومن يرفع شعار دعم الاستقرار. لكن النتيجة العملية قد تكون واحدة إذا لم تكن هناك دولة ليبية قادرة على إدارة هذه المصالح: يصبح الجنوب مساحة مفتوحة للتنافس.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالتدخل الخارجي لا يبدأ دائمًا بإنزال جنود أو إنشاء قاعدة معلنة. يمكن أن يبدأ بالمعلومات الاستخباراتية، ثم التدريب، ثم السلاح، ثم المستشارين، ثم الشراكات الأمنية، ثم يصبح وجود القوة الخارجية جزءًا من المعادلة المحلية.
وعندما يصبح لكل طرف ليبي تقريبًا شريك خارجي يحميه أو يدعمه، يتحول الدعم الخارجي من عامل مؤقت إلى جزء من بنية الصراع.
وهذا ما يجعل الحديث عن “السيادة الليبية” أكثر تعقيدًا من مجرد الدعوة إلى خروج القوات الأجنبية.
فالسيادة لا تتجسد بالتصريحات وحدها. إنها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة، وجهاز أمني واحد، وإدارة موحدة للحدود، وقرار مركزي في السياسة الخارجية، ونظام مالي لا تستطيع الجماعات المحلية أو القوى الخارجية اختراقه عبر شبكات المصالح.
وقد أدركت الأمم المتحدة نفسها أن الجنوب لا يمكن أن يبقى خارج عملية بناء الدولة. ففي شباط/فبراير 2026، ناقشت مسارات الحوار الأمني الليبي ضرورة دمج الجنوب في الآليات الوطنية وتحسين أمن الحدود وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة عندما تسمح الظروف، باعتبار ذلك جزءًا من بناء السلام المستدام.
لكن المشكلة أن الجنوب ليس فراغًا يمكن للدولة أن تستعيده بقرار إداري.
هناك مجتمعات محلية وقبائل وتوازنات تاريخية ومصالح اقتصادية وشبكات تهريب وقوى مسلحة. وفي فبراير ومارس 2026، ظهرت بوضوح توترات حول السيطرة على طرق الصحراء ونقاط التفتيش وموارد الاقتصاد غير الرسمي، فيما أعادت القيادة العسكرية في الشرق تنظيم قواتها في المنطقة الجنوبية.
ثم جاءت تطورات أكثر إثارة للقلق في يوليو، عندما تعرضت قاعدة قرب العوينات، في الجنوب الغربي على مقربة من حدود النيجر وتشاد، لهجوم من مجموعة مسلحة جديدة عرفت باسم “غرفة عمليات تحرير الجنوب”.
وقد كشفت التطورات هشاشة السيطرة على بعض المناطق الحدودية، وأهمية هذه المناطق بالنسبة إلى شبكات تهريب الوقود والسلاح والمخدرات.
وهذا هو الوجه الآخر للمشكلة.
عندما تضعف الدولة، لا يأتي الخارج وحده لملء الفراغ. تظهر أيضًا قوى محلية قادرة على التفاوض مع الخارج، أو استخدامه، أو التحرك في المساحة التي تركتها الدولة. وهكذا تصبح الحدود سلعة، والسلاح مصدر نفوذ، والتهريب اقتصادًا، والولاء السياسي قابلًا للتفاوض.
حتى الهجرة، التي تبدو في الخطاب الأوروبي قضية أمنية بامتياز، تكشف حجم هذا التعقيد. فبيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 تظهر أن الجنوب لا يزال جزءًا مهمًا من مسارات الحركة عبر الحدود، فيما تأتي أعداد كبيرة من المهاجرين من السودان والنيجر وتشاد ومصر.
لكن اختزال الجنوب في الهجرة سيكون خطأ استراتيجيًا.
فالجنوب أكبر من ملف الهجرة، كما أن فزان أكبر من كونها منطقة أمنية. هناك النفط، والمعادن، والمياه، والطرق العابرة للصحراء، والمطارات، والحدود، والمجتمعات المحلية، والموقع الذي يجعل ليبيا متصلة مباشرة بأزمات الساحل.
ولهذا فإن الصراع على الجنوب قد يكون في السنوات المقبلة أكثر أهمية من الصراع على بعض المدن الساحلية.
ولعل المفارقة الأكبر أن القوى الدولية نفسها تقول إنها تريد ليبيا موحدة. الولايات المتحدة، مثلًا، شاركت في تمرين فلنتلوك 2026 الذي استضافته سرت، بمشاركة ليبيا وإيطاليا وأكثر من ثلاثين دولة، وقدمت المناورات بوصفها دعمًا لبناء قدرات عسكرية ليبية موحدة وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.
لكن السؤال الذي يجب أن تطرحه ليبيا على جميع شركائها هو: هل يساعد وجودكم على بناء مؤسسة ليبية، أم يصبح بديلًا عنها؟
ليس المطلوب من ليبيا أن تطرد العالم. ذلك غير واقعي وغير ضروري. ليبيا تحتاج إلى التعاون مع أوروبا وأميركا وتركيا ودول الجوار، وتحتاج إلى الاستثمار والخبرة والتدريب والتكنولوجيا. لكن الفرق كبير بين التعاون الدولي والاعتماد على الخارج في إدارة الدولة.
التعاون يبني قدرة الدولة. أما الاعتماد فيبني وكلاء داخلها. والجنوب يمكن أن يكون الاختبار الأكبر لهذا الفرق.
فبدل أن يكون فزان منطقة تتنافس عليها القوى الخارجية، يمكن أن يتحول إلى منطقة تعاون إقليمي حقيقية. يمكن بناء منظومة مشتركة لحماية الحدود، ولكن تحت قيادة ليبية. ويمكن تطوير البنية التحتية والمطارات والطرق، ولكن ضمن خطة وطنية.
ويمكن مكافحة الهجرة والتهريب، ولكن بالتوازي مع خلق اقتصاد قانوني يوفر لسكان الجنوب بدائل عن الاقتصاد الموازي. ويمكن استثمار الموارد، ولكن بطريقة تجعل السكان المحليين شركاء في التنمية لا مجرد حراس لمنشآت النفط والحدود.
المعادلة ليست مستحيلة. لكنها تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: أن يصبح الجنوب جزءًا من الدولة، لا ورقة تستخدمها الدولة أو القوى المتنافسة داخلها.
الجنوب ليس ورقة ضغط في يد الخارج، ولا جائزة للقوى المحلية، ولا منطقة عازلة بين ليبيا والساحل. إنه جزء من ليبيا، وربما الجزء الذي سيحدد أكثر من غيره ما إذا كانت ليبيا قادرة على استعادة سيادتها الفعلية.
________________
