الحبيب الأسود

حكم العائلة قد يكون الحل الأمثل للخروج من المأزق التاريخي الليبي؛ فهو نموذج ينسجم مع الخصوصيات الحضارية والثقافية، ويتجاوز حالة السيولة والتشظي التي أصابت الدولة منذ 2011
هل يمكن أن تتحول ليبيا إلى مملكة على غرار ما كانت عليه عند تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في العام 1951 على يد الملك إدريس السنوسي أمير برقة، الذي استجاب لنداء الاتحاد ثم الوحدة وقاد مسيرة تكريس الكيان الليبي المنبثق عن توافقات الحلفاء إثر هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية؟ قد يتوقف المشير خليفة حفتر عند سيناريو وصول إدريس السنوسي إلى قيادة الدولة الوليدة، انطلاقًا من توليه إمارة الحركة السنوسيّة في عام 1916 خلفًا لابن عمه أحمد الشريف، ونجاحه في تسجيل حضوره وتكريس دوره كزعيم روحي واجتماعي وكقائد سياسي وعسكري للمقاومة التي قادها ضد الغزاة الإيطاليين سواء من داخل برقة أو من خارجها، وصولًا إلى اعتراف روما به أميرًا من خلال اتفاقية الرجمة في الخامس والعشرين من تشرين الأول – أكتوبر 1920 ومنحه حكمًا ذاتيًا وراثيًا في برقة، مع منح السنوسيين إدارة واحات الجغبوب وأوجلة وجالو والكفرة، وذلك قبل أن يتولى موسوليني الحكم في إيطاليا ويتنكّر للمعاهدات المعقودة مع الزعماء الليبيين.
في العام 1949، اعترفت بريطانيا بإمارة برقة وبإدريس السنوسي أميرًا عليها، تقديرًا لدوره العسكري والسياسي ولوجاهته الاجتماعية وزعامته الروحية. ومن هناك بقيت البلاد تحت الإدارة العسكرية البريطانية حتى عام 1950 حينما وافقت الأمم المتحدة على استقلال الأقاليم الثلاثة في 24 كانون الأول – ديسمبر 1951، وإعلانها دولة اتحادية تحت حكم الملك إدريس السنوسي الأول.
من إدريس السنوسي إلى حفتر ظلّ حكم العائلة جزءًا من تاريخ ليبيا حيث تتقاطع الشرعية السياسية مع الزعامة الاجتماعية والخصوصيات القبلية
يعتقد منتقدو دور ومواقف القيادة العامة للجيش أنهم يسجلون هدفًا في مرمى “الرجمة” إذا تحدثوا عن إمكانية الدفع نحو العودة إلى الحكم الوراثي في ليبيا، بينما التاريخ يثبت أن ليبيا كانت دائمًا تحت حكم العائلة، بما في ذلك عائلة القذافي وخلفيتها القبلية المغرقة في بداوتها غير القابلة للانسجام مع متطلبات العصر وشروط الاندماج فيه، وعائلة الدبيبة التي وصلت إلى الحكم بالاعتماد على قوة المال وسلطة المساومة السياسية، فيما وصلت أسرة حفتر إلى بسط نفوذها على أغلب مناطق البلاد ومنابع الثروة انطلاقًا من براغماتية سياسية بُنيت عمدانها على قوة التأثير الاجتماعي وجرأة القرار العسكري الميداني الذي اتخذه الأب المؤسس في مايو 2014 عندما استجاب لطلب زعماء القبائل بإطلاق الشرارة الأولى لعملية الكرامة، التي اكتسبت فيما بعد امتيازات الثورة بما حققته من منجزات على الأرض، سواء بنجاحها في تفكيك الجماعات التكفيرية وإحباط خطط إفراغ ليبيا من سكانها والسيطرة على ثرواتها وتحويلها إلى موئل لشبكات الإرهاب العالمي في سياق إعادة تشكيل خارطة الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، أو بإعادة تأسيس الجيش الوطني الذي يرتبط تأسيس نواته الأولى في المنفى بمصر عام 1940 باسم الملك إدريس السنوسي حتى أنه عُرف آنذاك باسم جيش التحرير السنوسي. ومنذ العام 2014 نجح المشير حفتر في جمع شتاته وترميم بنيانه وتطوير أدائه وتحويله إلى مؤسسة عسكرية يُشار إليها بالبنان إقليميًا ودوليًا.
اليوم، يعتمد المشير خليفة حفتر على أبنائه في قيادة مشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن ورائهم على كوادر متخصصة في مجالات عملها. وإذا كان الفريق صدام حفتر يتقدم المشهد بوضوح كنائب للقائد العام للقوات المسلحة، ومن هناك كمرشح لمنصب رئيس المجلس الرئاسي في البلاد، فإن للمسألة أبعادًا تتعلق بقراءة الوالد لشخصية ولده وقدرته القيادية ومواهبه في فهم التحولات والتعامل مع المستجدات، وفي اكتساب جملة من الصفات التي لا غنى عنها، ومنها ما يتعلق بالزعامة الاجتماعية والقيادة العسكرية والرؤية السياسية والعلاقات الذكية المتوازنة، وبالتعامل مع الطموح على أنه ضرورة، ومع الحلم على أنه واقع قيد التحقيق، ومع ما يراه الآخرون مستحيلاً على أنه أمر ممكن لا يحتاج إلا إلى النظر إليه برؤية مختلفة.
هل يعني ذلك أن هذا الواقع سيستمر؟ من يتأمل المشهد الليبي يدرك أن القيادة العامة نجحت في اكتساب شرعية التحرير والتعمير، وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة سيادتها في مناطق نفوذها، وفي تحويل سلطتها المادية والمعنوية إلى أمر واقع تأكد بتحييد الخصوم وإزالة العوائق، وبفرض منوال للحكم وإدارة الشأن العام ينسجم مع خصوصيات البيئة الاجتماعية، ويتقدم بقوة على أي مشروع يسعى إلى منافسته في ليبيا.
يضاف إلى ذلك أن مشروع القيادة العامة يحظى بعلاقات إقليمية ودولية واسعة، وقد نجح في تأسيس توازنات محسوبة بمعايير المصلحة الوطنية تعتمد على إيجابيات رصيد الدولة منذ تأسيسها وتتلافى سلبيات تشددها الأيديولوجي، واستطاع أن ينقل الأعداء المتآمرين إلى خانة الأصدقاء الداعمين، وأن يحظى بثقة القوى الكبرى التي تتفق على احترام الخيارات التي تأسست عليها ثورة الكرامة، والاعتراف بذكاء المشير حفتر في احتواء القوى الاجتماعية الفاعلة والتباينات القبلية المتوارثة، وفي تحقيق مصالحة عملية مع نظامي الملك والعقيد، وبسلاسة الانتقال من معركة التحرير إلى معركة التعمير، ثم بتهيئة نموذج سياسي وتنموي يمكن اعتماده بنجاح ودون المساس بخصوصيات المجتمع الليبي المتنوع ضمن ثوابته والمتعدد في وحدته.
الجدل حول حكم العائلة يعكس أزمة الشرعية لكن التجارب الإقليمية تشير إلى أن الوراثة قد تُقدّم نموذجًا للاستقرار إذا انسجم مع خصوصيات المجتمع
على الضفة الأخرى، يخشى عبدالحميد الدبيبة من وصول الفريق صدام إلى منصب القائد العام للقوات المسلحة في كامل أرجاء ليبيا من وراء إمساكه بمقاليد المجلس الرئاسي. بعض المقربين منه يتحدثون عن مخاوف من تغيير كامل في المشهدين السياسي والميداني، ويحذرون من أن القيادة العامة يمكن أن تحقق بواسطة الاتفاق المنتظر ما لم تحققه بالحرب والمواجهة. وذلك انطلاقًا من جملة معطيات على الأرض، من أبرزها اقتناع الشارع الليبي في المنطقة الغربية وأغلب الأجهزة الحكومية وعدد من الميليشيات المؤثرة في طرابلس ومصراتة والزاوية بأن لا مجال لبقاء الوضع على ما هو عليه، وأن الحل يكمن في استعادة الدولة لسيادتها المنتهكة منذ العام 2011، وفي توحيد مؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وتعميم مشاريع إعادة الإعمار، وتحقيق المصالحة، ثم الانطلاق في تحديد ملامح الوضع النهائي ومنها كتابة الدستور والإعلان عن طبيعة النظام السياسي، وهو النموذج الذي تعتمده القيادة العامة.
غير أن أهم ما يطرحه مناوئو الرجمة هو الحديث عن التأسيس لحكم العائلة في ليبيا من خلال شرعنة دور أسرة المشير حفتر والاعتراف بها دوليًا. بينما يغيب عن هؤلاء أن العالم بات يجمع على أن أفضل نماذج القيادة والتنمية والحوكمة في المنطقة العربية هي تلك التي تمثلها الدول المحكومة بأنظمة وراثية تتعامل مع أوطانها بمعايير اجتماعية صارمة في تجاوب وانسجام مع الخصوصيات الحضارية والثقافية لشعوبها. وسواء كان ذلك ضمن نظام الوحدة أو الاتحاد، فإن حكم العائلة قد يكون الحل الأمثل للخروج من المأزق التاريخي الذي تعاني منه ليبيا منذ سنوات.
لقد تولى إدريس السنوسي منصب أمير برقة ثم ملك ليبيا ليس فقط نزولًا عند رغبة الشعب، وإنما تلبية لمتطلبات اللحظة التاريخية والخصوصيات الثقافية ولحاجة اجتماعية ملحة لملء الفراغ الذي تركه تنازل الخلافة العثمانية رسميًا عن الإقليم لإيطاليا تنفيذًا لمعاهدة أوشي بين الطرفين. وهي تقريبًا المسوغات ذاتها التي شرعنت دور المشير حفتر وفسحت أمامه المجال لقيادة مشروع يراه واقعيًا وعقلانيًا ومجديًا في حلحلة أزمة الشرعية السياسية والصراعات الاجتماعية والتباينات القبلية والمناطقية التي اتسعت رقعتها بعد العام 2011.
__________________
