يواجه الطوارق في ليبيا تهميشًا متزايدًا حرمهم من الجنسية والحقوق المدنية وإمكانية الوصول إلى الخدمات، وهو ما بات عاملًا من عوامل عدم الاستقرار الإقليمي.

«كنا دائمًا على هامش الدولة، لكننا لم نكن يومًا خارج وطننابهذه العبارة يلخّص عبدالباقي حمدي، وهو شاب طارقي في أوائل العشرينات من عمره، المفارقة التي تحدد حياته. فمثل آلاف غيره في إقليم فزّان جنوب غربي ليبيا، وُلد في ليبيا ونشأ فيها دون أن يحصل يومًا على اعتراف رسمي من الدولة.

قال حمدي لموقع ميدل إيست آي: «حاولنا، كما حاول آباؤنا وأجدادنا من قبلنا، كل السبل الممكنة للحصول على بطاقة هوية أو جواز سفر. كانت الإجراءات متاهة لا تنتهي».
وأضاف: «كل محاولة تنتهي بالرفض أو التأجيل إلى أجل غير مسمى، بذريعة “مراجعة الملف الأمني” أو “عدم كفاية الأدلة”».

بالنسبة لطوارق ليبيا، فإن غياب الجنسية ليس خطأً إداريًا عابرًا، بل هو نتيجة تاريخ طويل من الوعود غير المنجزة، والتهميش السياسي، وانهيار المؤسسات، وقد تفاقم ذلك منذ انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بالحاكم المستبد معمر القذافي.

الطوارق شعب أمازيغي أصيل في شمال أفريقيا، تقليديًا رحّل، وينتشرون عبر خمس دول: ليبيا ومالي والنيجر والجزائر وبوركينا فاسو. وقد عانوا من سياسات ترى فيهم جماعات يصعب التحكم فيها.

منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، استقرت عائلات طارقية كثيرة قادمة من مالي والنيجر في جنوب ليبيا هربًا من الجفاف في الساحل والتمردات المسلحة. وخلال حكم القذافي، جرى التسامح مع وجودهم، بل وتشجيعه أحيانًا.

قال محمد، وهو مرشد سياحي سابق أصبح وسيطًا مجتمعيًا للمنظمات غير الحكومية في فزّان، ويقيم اليوم لاجئًا في فرنسا، مستخدمًا اسمًا مستعارًا لأسباب أمنية:
«
جُنّد كثيرون منهم في الجيش أو في معسكرات شبه عسكرية، مع وعود بالحصول على الجنسية لاحقًا. لكن تلك الوعود لم تُنفّذ أبدًا».
وأضاف: «تعمد القذافي الإبقاء على هذا الغموض للسيطرة على هذه الفئات، عبر نوع من الابتزاز الإداري».

وهكذا، وُلدت أجيال عدة على الأراضي الليبية دون جوازات سفر أو أرقام وطنية، وبالتالي دون حقوق مدنية.

شكّل سقوط القذافي عام 2011 نقطة تحوّل قاسية. فقد سُرعان ما وُضع طوارق فزّان موضع الشبهة، بسبب مشاركة بعضهم في جيش القذافي.
قال محمد: «دفعوا الثمن مرتين: أولًا بخدمة الدولة من أجل البقاء، ثم بوصمهم بعد سقوطها».

ومنذ عام 2014، انقسمت ليبيا بين إدارتين متنافستين تسعيان للشرعية والسيطرة على الأرض: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها أمميًا في طرابلس، وحكومة موازية مدعومة من القائد العسكري في الشرق خليفة حفتر ومقرها بنغازي.

أضعف هذا الانقسام الحوكمة في جنوب البلاد على نحو دائم، حيث يكاد حضور الدولة ينعدم. وتقع معظم المناطق التي يقطنها الطوارق في الجنوب الغربي—بما في ذلك غات وأوباري وسبها ومرزق—تحت سيطرة قوات حفتر.

في مدينتي سبها وأوباري، لا تزال أحياء كاملة – مثل تلاقين أو الطيوري- محرومة من الخدمات العامة.
طرق شبه معدومة، غياب شبكات الصرف الصحي، وانعدام شبه كامل للمرافق الصحية: تعمل هذه المناطق كجيوب منسية.

قال محمد: «يعيش الناس محاصرين في مناطق لم يعودوا يجرؤون على مغادرتها. يمكن اعتقالهم في أي لحظة ومعاملتهم كمهاجرين غير نظاميين، رغم أنهم وُلدوا هنا»، في سياق يواجه فيه المهاجرون في ليبيا الاعتقال التعسفي والعنف والتعذيب.

مأزق إداري

بحسب مجدي بوهانة، الناشط الحقوقي والمقرر في المجلس الاجتماعي الأعلى لطوارق ليبيا، وهو الهيئة التمثيلية الرئيسية للمجتمع، فقد بلغ عدد العائلات المتضررة نحو 14 ألف عائلة وقت آخر تعداد رسمي عام 2005، ويُقدّر اليوم بين 16 و17 ألف عائلة.

تظهر هذه العائلات في سجلات مدنية «مؤقتة» تعود لتشريعات قديمة، كان من المفترض أن تتيح تسوية أوضاعها لاحقًا—وهو ما لم يحدث.

قال بوهانة: «من الناحية القانونية، الملف مكتمل. صدرت القرارات اللازمة، وانقضت آجال الطعن».
ويعود الجمود إلى تراكم قرارات إدارية سابقة لم تُنفّذ بالكامل. ففي عهد القذافي، كُلّفت لجنة بحصر وتسجيل العائلات الطارقية التي تفتقر إلى الوثائق، وصادقت رسميًا على ملفاتها.

لاحقًا، تباطأت إجراءات التسوية بسبب اختلالات إدارية، دون أن تُلغى قانونيًا.
وأوضح بوهانة أن لجانًا متعاقبة أكدت لاحقًا صحة هذه الملفات، وأن قرارات نقلها إلى السجل المدني الدائم تجاوزت آجال الطعن، ما يجعلها نهائية قانونًا.

وعلى خلاف الاعتقاد السائد في الجدل العام الليبي، لا يقتصر هذا المأزق على عائلات قادمة من دول مجاورة.
قال بوهانة: «المشكلة تطال جميع الطوارق، بمن فيهم السكان الأصليون. فأسلوب الحياة الصحراوي والتنقل العابر للحدود وغياب إجراءات تسجيل مدني واضحة أثّر في كل المجتمعات بغض النظر عن الأصل».

وأوضح أن النزوح من الريف، وفرض الاستقرار القسري، وتوسع الإدارة الحديثة، حوّلت هذا الغموض التاريخي إلى مشكلة قانونية كبرى.
وأضاف: «لم تظهر المشكلة بحدتها إلا عندما أصبح التسجيل المدني شرطًا للعمل والدراسة والحصول على الرعاية الصحية».

وفي عام 2014، جعل القانون رقم 8 الخاص بالرقم الوطني وضع الطوارق أكثر هشاشة وعرضة للتمييز. فبدون هذا الرقم، يستحيل الحصول على جواز سفر، أو التصويت، أو تملك الأرض، أو الوصول إلى المساعدات الاجتماعية. ورغم وجود رقم إداري مؤقت، فإنه يمنح حقوقًا محدودة جدًا.

قال بوهانة: «حتى أداء فريضة الحج يصبح مستحيلًا لبعضهم لغياب جواز السفر».
وأضاف: «ومؤخرًا، تكاثرت الممارسات التمييزية: رفض تسجيل الزيجات، أو فتح حسابات مصرفية، أو الحصول على شرائح هاتف، بل وحتى إصدار شهادات وفاة».

وأشار محمد إلى أن المشكلة لا تقتصر على الطوارق، بل تطال أيضًا التبو، وهم شعب رحّل في وسط الصحراء الكبرى.
وذكّر بأنه خلال نزاع تشاد–ليبيا حول شريط أوزو (1978–1987)، وبعد حكم محكمة العدل الدولية بإعادة الإقليم إلى تشاد، وجّه القذافي التبو إلى «العودة» إلى تشاد.
وقال: «لكن كثيرين منهم وُلدوا في ليبيا وعاشوا فيها طوال حياتهم. لا يملكون شيئًا في تشاد. وحتى اليوم يُحرمون من الجنسية الليبية». وأضاف أن كثيرًا من الطوارق والتبو اضطروا لاستخدام أوراق مزورة للسفر أو تلقي العلاج أو الدراسة.

«نعيش كالأشباح»

بالنسبة للعائلات المعنية، فإن العواقب يومية وملموسة. في التعليم، يُسمح للأطفال بالالتحاق بالمدارس، لكنهم يُحرمون من الشهادات الرسمية. وفي الصحة، يخضع الوصول إلى العلاج لتعقيدات وإجراءات إدارية كثيرة تجعل الحصول على الخدمات القليلة المتاحة أمرًا بالغ الصعوبة.

قال حمدي: «الصعوبات اليومية تشكّل جدارًا من الإحباط. لا أستطيع فتح حساب بنكي، أو تملك أرض رسميًا، أو السفر. نحن نعيش كالأشباح». وأضاف: «أنا ليبي بالدم، وبالتاريخ، وبالانتماء إلى هذه الأرض. لكنني لست ليبيًا في نظر القانون».

وفي أوباري، تفتقر خديجة أنديدي، مهندسة معمارية وناشطة إنسانية تبلغ 40 عامًا، أيضًا إلى الرقم الوطني. وبعد نزاع دموي بين الطوارق والتبو عام 2016، أسست مركز «نور العلم» التطوعي.
قالت لموقع ميدل إيست آي: «حرب 2014–2015 كانت جرس إنذار، لأنها كشفت أنه تلاعب متعمّد: فرّق تسُد».

بين عامي 2014 و2015، تحولت أوباري إلى ساحة حرب قبلية بسبب التنافس على السيطرة الإقليمية، وطرق التهريب، والموارد المحلية. وأسفر النزاع عن مئات القتلى وتشريد آلاف المدنيين، وكان إلى حد كبير نتيجة تدخلات خارجية، وتحالفات متغيرة مع جماعات مسلحة، ومحاولات تلاعب سياسي.

وأضافت أنديدي: «هذا أقنعني بضرورة الدفاع عن حقوقنا والعمل من أجل السلم الاجتماعي».
يوفر مركزها رعاية صحية أساسية، وتدريبًا للنساء والشباب، ومساعدات طارئة، لكنه يعمل كليًا خارج القنوات الرسمية.

وقالت: «لا أستطيع حتى تسجيل جمعيتي قانونيًا لعدم امتلاكي رقمًا وطنيًا. هذا عبث كامل. نحن لا نطلب امتيازات، بل مساواة. أن نُرى ونُسمع ونعيش بكرامة على أرضنا».

وترى أنديدي أن الطوارق يُهمّشون عمدًا بسبب تصوّر راسخ في المخيال الجمعي مفاده أنه «إذا مُنحت هذه المجتمعات جنسية مشروعة، فستستعيد شكلًا من القوة وقد تتمرد».

ويرفض بوهانة الاتهامات الأمنية الموجّهة إلى مجتمعه.
قال: «خلال عدة اجتماعات أخيرة، أكد لنا رئيس حكومة الوحدة الوطنية أن القرار النهائي لا يزال بيد الأجهزة الأمنية. بعض هذه الجهات تتذرع بمخاوف الأمن القومي وضبط الحدود في الشرق والغرب لتبرير موقفها، لكن هذه الحجج لا أساس لها».
وأضاف: «الطوارق جزء لا يتجزأ من ليبيا. لقد حموا حدودها ودافعوا عنها في كل مراحل تاريخها. وبالتالي فإن الاتهامات الموجهة إليهم لا سند لها».

تغذية انعدام الأمن

في منطقة لم تستعد فيها الدولة الليبية سيطرتها منذ 2011، يتجاوز هذا الإقصاء إطار حقوق الإنسان.
وفي تقرير صدر عام 2018، أبرزت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كيف أن إنكار الجنسية يغذي التهميش المزمن ويُعد عاملًا مفاقمًا للنزاعات والنزوح القسري وعدم الاستقرار طويل الأمد.

يشقّ إقليم فزّان طرق الهجرة وممرات التهريب وشبكات الاتجار العابرة للصحراء، حيث تنشط ميليشيات محلية وجماعات مسلحة ومنظمات إجرامية. ويخلق تهميش آلاف الطوارق ثغرة أمنية كبرى.

ومع حرمانهم من التعليم والعمل النظامي والحماية المؤسسية، يتجه كثير من شباب الطوارق إلى الاقتصاد غير الرسمي أو الهياكل المسلحة، وغالبًا ما يُجنّدون كمقاتلين أو مساعدين للميليشيات.

قال محمد: «بإقصائهم، تعيد الدولة إنتاج نموذج عهد القذافي نفسه: استخدام هذه الفئات كقوة بالوكالة دون منحها حقوقًا».
وأضاف: «عندما يُحرم جيل كامل من التعليم والعمل والاعتراف، تتوافر شروط استغلاله».

ويرى بوهانة أن الحاجة إلى التحرك باتت ملحّة. قال: «يُقال لنا إن الوقت غير مناسب، وإن الوضع السياسي هش للغاية. لكن تأجيل هذا الملف لا يزيده إلا سوءًا».

وبحسب محمد، يتصاعد الغضب بين الطوارق، مع تزايد الدعوات إلى التعبئة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال: «هناك خطر انفجار وشيك».
وأضاف: «معًا، تحولت قضيتي الطوارق والتبو إلى كابوس بيروقراطي للدولة. وإذا لم تُسوَّ أوضاع هذه الفئات، فقد ينفجر الوضع في أي لحظة، في بلد هش أصلًا».

________________

مقالات مشابهة