أسامة علي
كشفت مصادر ليبية متطابقة النقاب عن أن المشروع الأميركي بشأن ليبيا، الذي يسعى البيت الأبيض إلى تمريره بهدف بناء سلطة موحدة، لا يزال عالقاً في إطار المشاورات بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ولم يصل حتى الآن إلى مرحلة التفاهمات العملية، وسط خلافات عميقة حول شكل القيادة السياسية العليا للبلاد.
ووفق معلومات المصادر، وهي دبلوماسية من طرابلس وأخرى برلمانية من بنغازي، التي أدلت بها لـ“العربي الجديد“، فإن التصور الأميركي الذي يقوده المستشار الرفيع للرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية، مسعد بولس، والذي طرحه خلال زياراته لطرابلس وبنغازي، يقوم على ضرورة بناء سلطة سياسية عليا تشرف على قيادة المؤسسات السيادية كالمصرف المركزي ومؤسسة النفط والمؤسسة العسكرية، إلا أنه اصطدم بعسر التفاهمات بين طرابلس وبنغازي.
وأوضحت المصادر أن المشاورات التي نظمها بولس بشكل مباشر في روما، في سبتمبر/ أيلول الماضي، وفي باريس يوم الأربعاء الماضي، بين صدام حفتر ممثلاً لوالده، وإبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، اتفقت على مبدأ توحيد الحكومتين، حكومة الوحدة الوطنية وحكومة مجلس النواب، لكنها فشلت في التوافق حول صيغة محددة لشكل الهيئة السياسية العليا للبلاد التي تشترط واشنطن قيادتها للمؤسسات السيادية.
وقبيل انخراط بولس بشكل مباشر في الملف الليبي، كان قد أدلى بتصريحات في مايو/ أيار الماضي كشف فيها ملامح الرؤية الأميركية حيال ليبيا، حين قال إن إدارة الرئيس ترامب تطور “تصوراً للحل في ليبيا يشمل جميع الأطراف“، ضمن “مشروع حكم موحد يقوم على شراكة فعلية بين جميع الفرقاء“.
وفي هذا السياق، قام بولس بزيارتين إلى ليبيا شملت طرابلس وبنغازي، الأولى في يوليو الماضي، ناقش خلالها سبل توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار، والثانية يوم 24 من الشهر الجاري، حملت طابعاً اقتصادياً وأمنياً واضحاً، إذ وُقعت عقود استثمارية مليارية، إلى جانب إشادته بتجاوب معسكري البلاد، شرقاً وغرباً، بالمشاركة في التدريبات العسكرية الأميركية المزمع إجراؤها في سرت، وسط شمال البلاد، على تحركه في إطار رؤية بلاده لبناء سلطة موحدة وإشراف مشترك على المؤسسات السيادية.
وتشرح المصادر أن المقترح الأميركي بشأن السلطة السياسية يقوم على إنشاء مجلس رئاسي مختلط مستنسخ من فكرة المجلس الرئاسي الحالي، مشيرة إلى أن المقترح واجه تأزيماً من جانب معسكر حفتر.
وذكرت المصادر بأن ذهاب حفتر، بعد اجتماع روما، إلى استقبال وفود قبلية من مختلف أنحاء البلاد لتفويضه برئاسة ليبيا، جاء في سياق التأزيم، لتقابله طرابلس بإعلانها، في العشرين من نوفمبر الماضي، تشكيل “الهيئة العليا لرئاسات ليبيا“، التي ضمت رئاسة المجلس الرئاسي ورئاسة المجلس الأعلى للدولة ورئاسة حكومة الوحدة الوطنية.
غير أن الزخم حول هذه الخطوة تراجع لاحقاً، عقب فشل حملة “جمعة التفويض” التي أطلقها حفتر في الثلاثين من الشهر نفسه، بخروج أعداد محدودة من أنصاره في بنغازي، رغم محاولة رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، منحها زخماً سياسياً بدعوته المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى “العمل الفوري على إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن“.
وبحسب المصادر، فإن اجتماع باريس، الأربعاء الماضي، فشل هو أيضاً في التقارب حول فكرة إنشاء مجلس الرئاسي، وظهر فشله بوضوح في الطرفين، ما يعكس عمق الخلافات فيهما وتباعد التوافق داخل كل طرف، لافتة إلى أن اجتماع حفتر بنحو تسعين نائباً في بنغازي، حيث أبلغهم رفضه أي تغيير في الوضع القائم، في موقف جاء بدفع من خالد، شقيق صدام اللذين ينافسان على المناصب والمواقع العسكرية.
وفي جانب طرابلس، أكدت المصادر وقوع خلافات عميقة، كان مظهرها إجراء رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي زيارة مفاجئة، الخميس الماضي، إلى مدينة الزاوية غرب طرابلس، ولقائه عدداً من الفاعلين السياسيين والعسكريين المعارضين لسلطة حكومة الوحدة الوطنية.
وتعد مدينة الزاوية من مراكز الثقل المعارضة لسلطة حكومة الوحدة الوطنية، إذ تنتشر فيها فصائل مسلحة موالية لحكومة مجلس النواب، وينحدر منها وزير الداخلية بتلك الحكومة، عصام أبو زريبة.
ووصل المنفي إلى المدينة، حيث استقبله عدد من شخصياتها، أبرزهم محمود بن رجب وحسن أبو زريبة، شقيق وزير الداخلية بحكومة مجلس النواب، وخلال كلمته أعلن تشكيل لجنة مختصة لضبط الإنفاق العام، تهدف إلى وقف ما وصفته بـ“الإنفاق غير المحكوم” وإغلاق منافذ هدر أموال الدولة.
وقال المنفي إن ليبيا تواجه “مفترق طرق” في ظل عالم سريع التغير، تتراجع فيه فاعلية القانون الدولي، وتتوسع الأزمات الاقتصادية، ويشتد التنافس على الموارد والممرات، محذراً من أن الخطر لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى الداخل، حيث يمثل التعايش مع الفوضى والفساد أخطر التحديات.
وبالتزامن مع اجتماع باريس، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات، تسلم قرار مجلس النواب بتخصيص ميزانية لتغطية مصروفات الانتخابات “المزمع عقدها خلال الفترة المقبلة“، من دون أن يتم تحديد موعد رسمي لإجرائها.
وكانت المفوضية قد أعلنت في الثلاثين من نوفمبر الماضي جهوزيتها لإجراء الانتخابات في إبريل/ نيسان المقبل، شريطة توفر التمويل، في رد على دعوة عقيلة صالح للمفوضية، بالتزامن مع ما عرف بـ“جمعة التفويض” في نوفمبر الماضي، لإجراء الانتخابات الرئاسية، غير أن هذا الإعلان سرعان ما تراجع عملياً، مع دخول المفوضية في جدل سياسي وقانوني ناجم عن استمرار الخلافات بين مجلسي النواب والدولة بشأن الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وهو ما انتهى إلى انتخاب رئيس جديد للمفوضية، في الخامس من يناير الجاري، خلفًا لعماد السائح، الذي يُنظر إليه على أنه مقرّب من عقيلة صالح.
وفي عام 2014، أصدر مجلس النواب قانون انتخاب رئيس الدولة، إلا أن الانقسام الحاد الذي شهدته البلاد أجل إجراء الانتخابات الرئاسية، فيما انقسمت الجهة التشريعية إلى مجلسين، مجلس النواب في الشرق، ومجلس الدولة في طرابلس. ورغم أن ملتقى الحوار السياسي نجح في توحيد السلطة بهدف إجراء الانتخابات
الرئاسية والبرلمانية، وحدد موعدها في ديسمبر 2021، فشلت العملية بسبب الخلافات حول شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، بعد أن أصدر مجلس النواب القوانين الانتخابية سمحت للعسكريين والمزدوجي الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية.
___________
