تهاني المقرْبي

استعراض الاستقرار الباذخ في طرابلس يخفي التضخم وتدهور الخدمات وفشل الحوكمة، كاشفًا التنمية بوصفها أداءً لا واقعًا معيشًا.

شهدت طرابلس في 12 ديسمبر/كانون الأول 2025 احتفالات باذخة، تخللتها مشاركات لنجوم ومشاهير وفعاليات ثقافية، إلى جانب إعادة تأهيل المتحف الوطني الليبي.

وقد قدّمت هذه المشاهد صورةً عن الاستقرار تتناقض بحدّة مع الحياة اليومية لغالبية الليبيين. فبينما أُنفقت ملايين الدولارات على الاستعراض، يواصل التضخم نحت القدرة الشرائية، ويظل سعر الصرف في السوق الموازية متقلبًا، وتشتد أزمة السيولة، وغالبًا ما تتأخر أجور العاملين في القطاع العام. كما تتدهور منظومتا التعليم والصحة العامتان، ما يدفع الأسر للاعتماد على بدائل خاصة مكلفة لا تستطيع تحمّلها.

ويغدو هذا التباين أوضح ما يكون عند هطول الأمطار، حين تشلّ الفيضانات وطفح الصرف الصحي المدن، كاشفةً عقودًا من الإهمال والفساد وسوء توجيه الموارد.

لقد صار «الاستقرار» أداءً متزايدًا، تتنافس فيه سلطات الشرق والغرب على استعراض الشرعية عبر فعاليات لامعة بدل تقديم حوكمة فعّالة، أو إصلاح للقطاع الأمني، أو تعافٍ اقتصادي.

وتستهدف هذه العروض في الأساس جمهورًا دوليًا، رغم إدراك واسع لهشاشة المؤسسات الليبية وهيمنة المليشيات وضعف سيادة القانون.

في 12 ديسمبر/كانون الأول 2025، تحولت طرابلس إلى مسرح للاحتفالات الفخمة، وظهور المشاهير، والعروض المنسّقة بعناية لإسقاط صورة عن الاستقرار والحياة الطبيعية.

وقد أُنفقت الحكومة عدة ملايين من الدولارات على إعادة تأهيل المتحف الوطني الليبيقطعة الاحتفال المركزية إلى جانب أموال إضافية لاستضافة مشاهير دوليين، وتنظيم أمسيات إعلامية رفيعة، والترويج لفعاليات ثقافية تحت شعار «طرابلس الآمنة والمستقرة».

غير أنّ واقعًا أقسى بكثير يختبئ تحت الأضواء والموسيقى ولقطات وسائل التواصل الاجتماعي المصقولة واقع يعيشه معظم الليبيين يوميًا ولا فكاك لهم منه.

هذا الشكل من «الاستقرار» مصطنع إلى حدّ مؤلم. وهو يطرح سؤالًا جوهريًا حول أولويات الحكومة:

  • هل يُقاس الاستقرار ببناء ملاعب كرة قدم وتجهيز المتاحف بتقنيات متقدمة واستضافة فعاليات ثقافية؟

  • أم يُقاس بالاستثمار في مدارس قادرة فعلًا على التعليم، ومستشفيات تعالج المرضى، وطرق وأنظمة تصريف لا تنهار عند أول هطول للمطر؟

التنمية ليست عرضًا. والاستثمار الحقيقي ليس تجميليًا. والحوكمة ليست أداءً.

في عموم ليبيا، يواصل التضخم تقويض القدرة الشرائية، ويظل سعر صرف الدولار في السوق السوداء مرتفعًا ومتقلبًا، والسيولة شحيحة، ويكافح كثير من المواطنين للوصول إلى رواتبهم رغم تسجيلها «على الورق».

وتتأخر أجور القطاع العام، التي يعتمد عليها معظم الليبيين. ويعجز الآباء عن تأمين تعليم جيد لأبنائهم مع تدهور المدارس العامة. أما قطاع الصحة فحاله لا يقلّ خطورة، مع مستشفيات ناقصة التمويل، ونقص في الأدوية، وبنية تحتية متهالكة، واعتماد متزايد على الرعاية الخاصة التي لا يقدر عليها أغلب المواطنين.

ربما لا شيء يفضح الفجوة بين السرديات الرسمية والواقع بوضوح مثل المطر. ففي ليبيا، صار المطر المؤشر الأكثر صدقًا على الفساد وفشل المؤسسات.

كل عام، ومع هطول الأمطار، تغرق المدن الكبرى: الشوارع تفيض، وشبكات الصرف تطفح، والأحياء تُشلّ.

هذا ليس كارثة طبيعية، بل حصيلة عقود من الإهمال، وسوء تخصيص الميزانيات، وإنفاق الأموال على المظاهر بدل البنية التحتية. ولا يمكن لأي قدر من الألعاب النارية أن يخفي حقيقة أن مدن ليبيا لا تصمد أمام أبسط الظروف المناخية.

وما يجعل هذه اللحظة أكثر إزعاجًا هو أنها ليست مجرد استعراض داخلي. بل منافسة. إذ يبدو أن سلطات الغرب والشرق منخرطة في سباق متوازٍ لتجاوز بعضها بعضًا:

  • من يجذب المشهور الأكبر،

  • ومن يستضيف الحدث الأبهى،

  • ومن يحصد اهتمامًا دوليًا أوسع.

يحاول كل طرف إثبات الشرعية والاستقرار عبر مهرجانات غير ضرورية، بينما لم يقدّم أيٌّ منهما حوكمة مستدامة، أو إصلاحًا ذا معنى للقطاع الأمني، أو تعافيًا اقتصاديًا حقيقيًا.

لقد تحوّل الاستقرار إلى تمرين في «العلامة التجارية» بدل أن يكون واقعًا معيشيا.

ويطرح هذا سؤالًا آخر غير مريح:

لمن تُقام هذه الفعاليات حقًا؟

ليست موجهة للشعب الليبي الذي يكابد يوميًا شح السيولة، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، وانعدام الأمن.

يبدو أن الهدف هو المجتمع الدولي الدبلوماسيون والمستثمرون والمراقبون الأجانب. غير أن هذا المسعى في غير محلّه. فالمجتمع الدولي يدرك بالفعل واقع ليبيا. ولا أمسية إعلامية، ولا ظهور لمشاهير لبضعة أيام، ولا افتتاح متحف يمكنه إخفاء غياب سيادة القانون، أو هيمنة الجماعات المسلحة، أو هشاشة الاقتصاد.

ولعلّ اللحظة الأبلغ في ذلك الحدث لم تأتِ من المنصة، بل من داخل الحشد. وسط الاحتفالات، اخترق صوت امرأة هادئ الضجيج قائلة:

«نريد أموالنا. نريد سيولة. نريد تعليمًا وصحة».

كلماتها لخّصت الحقيقة بقوة تفوق أي شعار رسمي.

الاستقرار الحقيقي لا يُستورد لليلة، ولا يُستأجر عبر ظهور المشاهير، ولا يُفبرك للكاميرات. إنه يُبنى بمؤسسات خاضعة للمساءلة، وبنية تحتية فاعلة، وعدالة اقتصادية، واستثمار حقيقي في الإنسان ـ لا في الأوهام.

وإلى أن تعيد قيادات ليبيا ترتيب أولوياتها نحو تنمية حقيقية، سيظل كل احتفال تذكيرًا لا بالتقدم، بل بمدى تجاهل الواقع.

_______________

مقالات مشابهة