أدت الخلافات الحادة حول إدارة البنك المركزي في عامي 2024 و2025 إلى مزيد من تآكل الثقة في النظام المصرفي.
وحث محافظ البنك المركزي الليبي رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، عبد الحميد دبيبة، على التدخل الفوري لتنظيم الواردات، محذرًا من أن استمرار الثغرات التي تسمح بتمويل التجارة الخارجية خارج النظام المصرفي الرسمي قد يعرض البلاد لعزلة مالية دولية.
وفي سلسلة من الرسائل، سُرّبت على نطاق واسع إلى وسائل الإعلام الليبية، قال محافظ البنك المركزي الليبي، ناجي عيسى، إن البنك غير قادر على تطبيق سياسة نقدية فعّالة في ظل استمرار تداول جزء كبير من المعروض النقدي، بالدينار والعملات الأجنبية، خارج القنوات الرسمية.
وربط عيسى دعوته بتزايد المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي والأمني، وعلى رأسها ما وصفه بـ“الواردات غير الممولة مصرفيًا“. وتعتمد هذه التجارة كليًا على شراء العملات الأجنبية من السوق الموازية، مما يزيد الطلب على العملات الصعبة ويؤدي إلى انخفاض قيمة الدينار.
كما حذر مما أسماه “التحويل” في استخدام العملات الأجنبية المخصصة للأغراض الشخصية، أو التسريبات من خطابات الاعتماد المفتوحة، حيث تُعاد تدوير الأموال لتمويل تجارة موازية تُقوّض الاقتصاد ككل.
وقال عيسى في رسائله: “الوضع كارثي“، محذراً من أن ليبيا ستفقد السيطرة على مواردها من العملات الأجنبية ولن تتمكن من حماية القدرة الشرائية لمواطنيها ما لم تُوحّد جميع قنوات الاستيراد تحت مظلة القطاع المصرفي.
وحذّر من أن أخطر ما في الأمر هو خطر فرض قيود مالية دولية صارمة. وأضاف أن الهيئات الرقابية العالمية، بما فيها فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF)، تراقب عن كثب التدفقات المالية عبر الحدود.
وحذّر عيسى من أنه إذا استمر الاضطراب الحالي، فقد تقطع البنوك المراسلة في الخارج علاقاتها مع البنوك الليبية، مما يُغرق البلاد في عزلة مالية ويجعلها عاجزة عن استيراد حتى المواد الغذائية الأساسية والأدوية.
وقال إن ليبيا تقف الآن على مفترق طرق:
-
إما أن تُرسّخ الفوضى المالية وتصطدم بالعقوبات الدولية والانهيار الاقتصادي،
-
أو أن تمتثل لقواعد البنك المركزي التي تُفرض الشفافية والحوكمة الرشيدة.
وصف المحافظ النظام المالي الليبي بأنه يعاني من ازدواجية مدمرة، حيث يتوسع الاقتصاد الخفي على حساب القطاع الرسمي.
وأوضح أن إساءة استخدام مخصصات العملات الأجنبية الشخصية، مثل المخصص السنوي البالغ 4000 دولار أو البطاقات المرتبطة بالرعاية الاجتماعية، تحولت من وسيلة لمساعدة المواطنين إلى قناة تهريب غير مشروعة، حيث تُجمع العملات وتُباع للتجار لتمويل دخول البضائع إلى البلاد دون رقابة.
وتعني التسريبات من خطابات الاعتماد أن الأموال المخصصة رسميًا لاستيراد سلع محددة تُحوّل إلى صفقات موازية أو تُحتفظ بها في الخارج كأرصدة خاصة، مما يستنزف الخزينة العامة من العملات الأجنبية بعائد اقتصادي ضئيل.
وأكد عيسى أن الأزمة المالية في ليبيا هيكلية وليست ناتجة عن نقص الموارد فحسب، بل متجذرة في تداخل معقد بين السياسة والاقتصاد والأمن.
وقد أدت الحكومات المتنافسة إلى تفتيت السياسة النقدية ومنع اعتماد ميزانية دولة موحدة، مما خلق ما وصفه بـ“الهيمنة المالية“، حيث تواجه المؤسسات ضغوطًا إنفاقية متنافسة.
قال إن الخلافات الحادة حول إدارة البنك المركزي في عامي 2024 و2025 زادت من تقويض الثقة في النظام المصرفي وقدرته على تطبيق سياسة نقدية فعّالة.
ونتيجةً لذلك، يُفضّل العديد من الليبيين والشركات الاحتفاظ بأموالهم خارج البنوك، خشية عدم قدرتهم على سحبها لاحقًا، مما يُفاقم نقص السيولة في النظام المصرفي الرسمي.
وفي المراسلات المُسرّبة، وجّه عيسى رئيس الوزراء وجهاز الأمن الداخلي ووزارة الداخلية وجهاز الحرس الوطني بإغلاق مكاتب الصرافة غير المرخصة التي تعمل بدون تراخيص.
كما حثّ رئيس الوزراء على توجيه وزارة الاقتصاد لإصدار مرسوم يحظر الاستيراد والتصدير إلا من خلال المعاملات المصرفية.
وجدد البنك المركزي دعوته إلى “إصلاحات اقتصادية حقيقية” تهدف إلى تحسين مستويات المعيشة، بما في ذلك تدابير لتقوية الدينار، وضمان توافر السيولة النقدية، وكبح التضخم، وخفض الأسعار.
حذّرت من ارتفاع حاد في أنشطة تجار السوق السوداء غير المرخصين، مشيرةً إلى تحويلات مالية محلية وعابرة للحدود غير خاضعة للرقابة، وتمويل أنشطة غير مشروعة في انتهاك للوائح التجارية وقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل وضع هش. فقد انخفضت أسعار النفط العالمية إلى حوالي 55 دولارًا للبرميل، مما أضرّ بالمصدر الرئيسي لإيرادات ليبيا. وفي الأسبوع الماضي، انخفض الدينار لفترة وجيزة إلى 8.40 دينارًا للدولار في السوق الموازية، مما زاد من ضغوط الأسعار، في حين لا تزال البنوك تعاني من نقص السيولة.
وكان عيسى قد تعهّد في أغسطس/آب بأن الدينار سيرتفع إلى أقل من 7 دينارات للدولار في السوق السوداء، وأن أزمة السيولة ستنتهي.
___________