مختار غميض

بعد الهدوء النسبي السنوات الأخيرة، عاد فجأة التوتر الأمني إلى إقليم فزان، في علاقة بعوامل محلية، وغير بعيدة أيضا بأمور خارجية إقليمية نتيجة ما يجري في دول مجاورة من إعادة ترتيب أمور عسكرية خاصة في السودان.

لذلك شهدت مجددا مناطق بفزان توترًا في أقصى الصحراء الجنوبية مع النيجر، عقب هجوم تشكيل مسلح على معبر التوم الأيام الماضية، تلاه هجوم دموي آخر في وضح النهار بمدينة القطرون، طال مسؤولا يتبع مكتب الاستثمار العسكري لمعسكر شرق ليبيا.

 لا شك أن هذه التطورات ليست بمنأى عن قضايا اقتصادية وتنموية وتعثر للعملية السياسية خاصة بعد اغتيال سيف الإسلام نجل معمر القذافي، وإنشاء اللواء 18 مشاة خفيف وتكليفه بالتمركز بمنطقة حوض مرزق، كأحد مظاهر التغيرات الطارئة، ضمن التحرك ضد الهجمات الحدودية المتكررة.

كما أعلنت قوات شرق ليبيا تفعيل دور الطيران بتنسيق مع القوات التشادية لتأمين الحدود، في مقابل عودة نشاط ثوار تحرير الجنوب الذين ينسبون أنفسهم لسكان محليين من التبو خاصة، في رد على اتهامات بأنهم من المعارضة التشادية، بالتزامن مع حديث أوساط محلية وخارجية عن تراجع قوات حفتر، التي زودت الجانب التشادي بأسلحة وعتاد، وفق ما تم تداوله، كما تم مع أطراف سودانية وفق المصادر ذاتها.

كل ذلك، يعزز التكهنات من عودة فزان كـقاعدة خلفية لجماعات مسلحة في الساحل الأفريقي (النيجر ومالي)، مع محاولات السيطرة على معابر حدودية بغرض تهريب السلاح والمهاجرين، وحتى الوقود الذي تؤكد جهات بالجنوب أنه لا يصل بالكمية التي تحقق الاكتفاء المحلي.

غير أن هذه المتغيرات التي تبدو مفاجئة، لا يمكن فصلها عن تداعيات القرار الإقليمي بالقضاء على التمرد العسكري والنعرات الانفصالية التي أدت إلى تقسيم وتأزيم دول عربية عدة، رغم تأكيد فصيل ثوار في فزان أنه ظهر بدوافع محلية بحتة، من أجل الوطن، ولا يحظى بأي دعم أجنبي.

ومهما يكن من أمر فإن ما سبق لا يعني أن البلاد منقسمة إلى شرق وغرب، مما سيزيد المخاوف من تقسيم ثالث يوتر الوضع العام ويربكه أكثر مما هو مرتبك حاليا، وقد تمحورت هواجس البعض حول من سيحكم الإقليم محليا، وهو الغني بالثروات، والذي تعتبره قوى استعمارية، خاصة فرنسا “ورثة طبيعية لها”.

ولا يخفي كثيرون خشيتهم من البعض الروح الانفصالية والعرقية من التلويح بعلم بعض القبائل، دون رفع علم الوطن، ما اعتبره البعض تحديا للسلطة المركزية نتيجة ضعفها، مما قد يمس بالتركيبة الديموغرافية للبلاد ويهدد الأمن الاجتماعي والجماعي.

كل ذلك قد يهدد المنافذ مع دول جنوب الصحراء، مما يوفر مناخا لنشاط المتطرفين بمنطقة الساحل الأفريقي، بحيث تغذي نفوذ المتمردين بكامل الحزام الصحراوي الممتد من غرب السودان إلى تشاد والنيجر وحتى مالي، مما يزعزع الأمن الإقليمي بأسره.

وعموما لا يعني أن التهميش الذي يعانيه الجنوب حسب كثيرين وحقه في تنمية مستدامة، لا يعني تحوله إلى مضمار تنافس إقليمي (إماراتي سعودي ومصري تركي)، يضاف إلى تداعيات الوضع السوداني والساحل الإفريقي.

فحتى إن لم تكن هناك حرب كبيرة مفتوحة، إلا أن التصعيد الحدودي الجديد والاغتيالات والتهريب تضع المنطقة أمام حالة غير مستقرة، فالوضع قابل للتدهور والهدوء على حد السواء، وهو رهين توازنات في كل من بنغازي وطرابلس.

__________

مقالات مشابهة