أمين أيوب
على مدى أكثر من عقد، نظر المجتمع الدولي إلى ما يُسمّى «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر بوصفه سدًّا محتملًا، وإن كان معيبًا، في وجه تمدد التطرف الإسلامي في شمال أفريقيا.

غير أنّ عام 2026 جاء ليبدّد ما تبقّى من هذه الأوهام؛ إذ تلاشت صورة جيش حفتر كمؤسسة وطنية مهنية، وتحولت ليبيا بدلًا من ذلك إلى مشروع أمني عائلي تُديره أسرة واحدة «سلالة حفتر» وتقوم بشكل منهجي ببيع السيادة الليبية لمجموعة خطرة من المخرّبين العالميين، من الكرملين إلى باكستان النووية.

تحت لافتة «تحقيق الاستقرار الإقليمي»، حوّل نجلا خليفة حفتر، صدام وخالد، شرق ليبيا إلى أكثر رقعة شطرنج بالوكالة تقلبًا في حوض المتوسط.

فالحراك الدبلوماسي الراهن، الذي برز فيه لقاء صدام حفتر في 16 يناير مع القيادات العسكرية الفرنسية في باريس، تلاه اجتماع دفاعي رفيع المستوى مع رئيس أركان الأردن في بنغازي، ليس مؤشر شرعية، بل بحث يائس عن رعاة جدد لإدامة نظام يقوم على نخر مؤسسي عميق وتسليع الندرة.

مقامرة باكستان: قتل الحظر

أخطر التطورات يتمثل في صفقة التسليح الأخيرة للجيش حفتر مع باكستان بقيمة 4.6 مليارات دولار. هذه الصفقة، التي أُبرمت في أواخر 2025 بين صدام حفتر ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، تمثل النهاية غير الاحتفالية لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

فباقتناء 16 مقاتلة متعددة المهام من طراز JF-17 Thunder و12 طائرة تدريب، نجحت عائلة حفتر في إنشاء قناة صناعية–عسكرية «جنوب–جنوب» تعمل كليًا خارج الرقابة الغربية أو شروطها.

بالنسبة لباكستان، التي تسوّق جيشها على نحو متزايد باعتباره سلعة جيوسياسية تمثل ليبيا ساحة اختبار مربحة لمعدّاتها المحلية. أما بالنسبة للحفتريين، فهي وسيلة لتحقيق تفوق جوي على مستوى الدول من دون «إزعاج» مطالب الغرب المتعلقة بحقوق الإنسان. وتحمل هذه الصفقة أيضًا ظلّ نفوذ صيني، إذ تتيح منصة JF-17 لبكين إسقاط نفوذها في شمال أفريقيا مع الحفاظ على قدر معقول من الإنكار.

إن ترسّخ قوة جنوب آسيوية نووية عسكريًا في قلب المتوسط يجب أن يكون جرس إنذار للجناح الجنوبي لحلف الناتو.

بوابة روسيا إلى أفريقيا

بينما يغازل صدام حفتر الغرب وباكستان، يتولى شقيقه خالد دور حلقة الوصل الأساسية مع «فيلق أفريقيا» الروسي، الوريث المؤسسي لمجموعة فاغنر. وقد انتقلت موسكو من الارتزاق المؤقت إلى ترسيخ حصص دائمة، موقّعة بروتوكولًا ثلاثيًا لمدة 25 عامًا مع جيش حفتر وبيلاروسيا. ونتيجة لذلك، جرى فعليًا التنازل عن 11.7 كيلومتر مربع من ميناء طبرق للسيطرة الروسية، بما يشمل لوجستيات بحرية ومنصات إطلاق للطائرات المسيّرة.

أُعيد تموضع ليبيا الآن كمحور عسكري رئيسي لروسيا لإسقاط نفوذها في الساحل، عبر دعم المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو وتهديد أمن الطاقة الأوروبي.

وتؤكد صور الأقمار الصناعية تحديث قواعد مثل الجفرة و معطن السارة لاستخدام طويل الأمد، بما يسمح للكرملين بتسليح تدفقات الهجرة واستخدامها أداة ضغط ضد الاتحاد الأوروبي. وبدعم الأخوين حفتر، تؤمّن روسيا منصة لإطلاق عدم الاستقرار العالمي تمتد من المتوسط إلى البحر الأحمر.

زعزعة الجوار: الحلقة السودانية

منطق البقاء لدى عائلة حفتر جعلها أيضًا محركًا مركزيًا للصراع في السودان. فعلى الرغم من الضغوط المكثفة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حوّل صدام حفتر جنوب شرق ليبيا إلى شريان حياة لقوات الدعم السريع وقائدها حميدتي.

عبر منطقة الكفرة والمعبر المُنشأ حديثًا المعروف بـ«معبر 17» على الحدود التشادية، يسهل جيش حفتر تحويل الوقود المدعوم والأسلحة بشكل منهجي إلى قوات الدعم السريع مقابل عوائد اقتصادية من مناجم ذهب دارفور.

وهذا الدعم، الذي غالبًا ما يُدار بوساطة الإمارات، يتعارض مباشرة مع مصالح الأمن القومي المصري، ويخلق «حربًا رباعية» مهددة بالامتداد إلى مثلث الحدود بين مصر وليبيا والسودان.

إن استعداد الحفتريين لتغذية إبادة إقليمية طمعًا في المكاسب المالية يبرهن أنهم ليسوا شركاء سلام، بل محفزات للفوضى.

تسليح المياه كأداة للهيمنة

داخليًا، يعتمد نظام حفتر على «تسليح المياه» لترسيخ قبضته. فقد جرى تحويل منظومة النهر الصناعي، شبكة المياه الحيوية الممتدة لنحو 4 آلاف كيلومتر، إلى أداة إكراه سياسي. إذ تقتحم مجموعات مسلحة موالية لجيش حفتر محطات التحكم لإغلاق إمدادات المياه عن طرابلس، محتجزة سكان العاصمة رهائن لمطالب بنغازي السياسية.

ويبرز هذا الاستغلال لحاجة إنسانية أساسية الطبيعة «الزومبية» للمؤسسات الليبية، حيث تتنافس السلطات لا على الحكم، بل على التحكم في تدفق موارد الحياة لضمان البقاء الفئوي.

سلالة الفوضى

إن التنافس بين صدام وخالد حفتر، الأول يميل إلى الغرب وتركيا، والثاني إلى روسيا والساحل، ليس خلافًا عرضيًا، بل استراتيجية «تحوّط» متعمدة تضمن ألا تستطيع قوة واحدة محاسبة العائلة. غير أن هذا التنافس الداخلي لا يزيد إلا من تفتيت ليبيا، محولًا البلاد إلى إقطاعيات تديرها قوى احتلال أجنبية متنافسة.

سعي عائلة حفتر إلى وضع «قوة مرتزقة» يشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي. ومن خلال إضفاء الشرعية على هذه السلالة، تموّل العواصم الغربية، دون قصد، طموحات روسيا المتوسطية ودخول باكستان سوق السلاح في شمال أفريقيا.

إن الطريق إلى ليبيا ذات سيادة لا يمر عبر الغرف المغلقة في بنغازي؛ بل يتطلب تفكيكًا جذريًا للنموذج العسكري ـ الصناعي الذي بناه الحفتريون. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى ليبيا «قنبلة موقوتة إرهابية»، لا بسبب المتطرفين الذين تحاربهم، بل بسبب النظام الذي يتغذّى على الفوضى.

___________

مقالات مشابهة