مجلة شمال أفريقيا
عبر عدة أقاليم، تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة احتكاكات دبلوماسية وسياسية واضحة مع دول عربية محورية.
وتمتد هذه التطورات من السودان وليبيا إلى اليمن، وتبرز كذلك في المغرب العربي، بما يشير إلى مرحلة من الضغط على التموضع الإقليمي الإماراتي، مدفوعة بصراعات تباينت فيها اصطفافات أبوظبي مع مواقف قوى إقليمية مجاورة.
السودان وممر ليبيا
منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023، تركز التدقيق الدولي على قوات الدعم السريع والشبكات الخارجية التي تسندها. وقد وثّقت تقارير خبراء الأمم المتحدة ظهور مسارات إمداد جديدة لقوات الدعم السريع، بما في ذلك ممرات تمر عبر شرق ليبيا.
وأسهمت هذه النتائج في ترسيخ موقع ليبيا كعقدة لوجستية ذات صلة بالنزاع، وزادت من تسليط الضوء على الجهات الخارجية المتهمة بتمكين عمليات قوات الدعم السريع.
في هذا السياق، حظي الدور الإماراتي بتدقيق خاص.
فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قيادة قوات الدعم السريع، وربطت وسائل إعلام دولية كبرى على نحو متكرر بين تعاظم القدرات العسكرية لهذه القوات وبين دعم مالي ومادي خارجي.
وبينما نفت أبوظبي أي مخالفة، فإن الأثر التراكمي لهذه المعطيات كان وضع الإمارات في قلب انتقادات دولية مستمرة مرتبطة بحرب السودان. وأصبح مركز القوة في شرق ليبيا جزءًا من هذه الصورة.
إذ يُنظر على نطاق واسع إلى خليفة حفتر، الذي يسيطر على معظم شرق ليبيا ويقيم علاقات طويلة الأمد مع أبوظبي، بوصفه قناة محتملة ضمن شبكات الإمداد هذه.
وأفادت تقارير في مطلع عام 2026 بوجود ضغوط من أطراف إقليمية على حفتر للنأي بنفسه عن قنوات دعم قوات الدعم السريع المرتبطة بالإمارات. وتستند هذه الروايات إلى مصادر مجهولة ولم تُؤكَّد بشكل مستقل، لكنها تتسق مع جهود إقليمية أوسع للحد من إعادة تزويد قوات الدعم السريع.
حسابات مصر والسعودية الاستراتيجية
لمصلحة مصر في استقرار السودان بعدٌ مباشر، بحكم الحدود المشتركة ودعم القاهرة للجيش السوداني.
كما سعت السعودية إلى ترسيخ دورها كوسيط مع الحد من التدخلات الخارجية المزعزِعة للاستقرار. وفي هذا الإطار، ظهرت مؤشرات على انزعاج البلدين من سياسات إماراتية يُنظر إليها على أنها تتعارض مع أولوياتهما الإقليمية.
حتى حيث تبقى بعض الادعاءات غير مؤكدة، فإن المنطق الاستراتيجي واضح. فبالنسبة إلى القاهرة والرياض، يشكل تمكين قوات الدعم السريع دون ضوابط تهديدًا للأمن الإقليمي واستقرار البحر الأحمر ولمبادراتهما الدبلوماسية. ومن ثم، فإن الدور المتصوَّر للإمارات في إسناد هذه القوات يعقّد علاقاتها مع العاصمتين.
اليمن كسابقة للاحتكاك العلني
يتجلى التباين السعودي–الإماراتي بوضوح أكبر في اليمن. ففي أواخر 2025 ومطلع 2026، قيّدت قوات مدعومة من السعودية تقدّم المجلس الانتقالي الجنوبي المتحالف مع الإمارات. وأكدت تقارير لاحقة حصول تقليص إماراتي للوجود العسكري وتراجعات سياسية لحلفاء مدعومين من أبوظبي.
وأظهر هذا التطور أن السعودية مستعدة لمواجهة وكلاء إماراتيين مباشرة عندما تتباين المصالح. كما يبيّن أن الشراكات الإقليمية للإمارات لم تعد محصّنة من ردود الفعل من دول خليجية شريكة، لا سيما عندما تكون السيطرة على الأرض والنفوذ موضع تنافس.
إعادة تموضع عسكري استراتيجي للسعودية
تشير تقارير حديثة، من بينها تقارير بلومبرغ ووسائل إعلام أخرى، إلى أن السعودية تتفاوض على إطار تعاون عسكري جديد مع مصر والصومال، يهدف إلى تعزيز الروابط الدفاعية وأمن البحر الأحمر. ويُقدَّم هذا الترتيب من قبل مسؤولين سعوديين باعتباره جزءًا من مسعى أوسع لموازنة النفوذ الإقليمي الإماراتي في ظل منافسة استراتيجية مستمرة بين الرياض وأبوظبي.
توترات المغرب العربي والبُعد الجزائري
في شمال أفريقيا، برزت الجزائر كأحد أكثر المنتقدين صراحةً للسلوك الإقليمي الإماراتي. فمنذ 2024، أشارت بيانات رسمية جزائرية إلى «أعمال عدائية» من دولة عربية لم تُسمَّ، فُسِّرت على نطاق واسع في التغطيات الإقليمية على أنها تشير إلى الإمارات.
كما اتهمت وسائل إعلام قريبة من مؤسسات الدولة الجزائرية أبوظبي مرارًا بأنشطة مزعزِعة للاستقرار في الساحل وتدخلات تصبّ في مصلحة المغرب.
وعلى الرغم من عدم حدوث قطيعة رسمية، فإن الطابع العلني لهذه الإشارات يمثل خروجًا عن فترات سابقة من التعاون البراغماتي. وتعكس هذه التوترات خلافات أعمق حول ليبيا والسودان وأمن الساحل، وأسئلة أوسع تتعلق بالنفوذ الخارجي في شمال أفريقيا.
تقييم الاتجاه العام
ما يمكن استخلاصه من هذه التطورات ليس وجود إجماع عربي موحّد ضد الإمارات، بل نمط من الاحتكاك عبر مسارح متعددة.
-
ففي السودان وليبيا، استقطب اصطفاف الإمارات تدقيقًا دوليًا وإقليميًا مستمرًا.
-
وفي اليمن، قيّدت السعودية علنًا الجهات المدعومة إماراتيًا.
-
وفي المغرب العربي، سمحت الجزائر بخروج الخلافات مع أبوظبي إلى العلن.
إن تراكم النزاعات الموثّقة يوحي بأن النهج الإقليمي النشط للإمارات يواجه مقاومة متزايدة من دول ترى تدخلاتها مزعزِعة للاستقرار أو غير منسجمة مع مصالحها.
وفي الوقت الراهن، تظل الإمارات فاعلًا إقليميًا محوريًا وقادرًا. غير أن المرحلة الحالية تتسم بخلافات علنية، بما يشير إلى بيئة أكثر تنافسية لنفوذ الإمارات عبر العالم العربي.
_____________