البدري الشريف 

تمرّ ليبيا اليوم بإحدى أخطر المراحل في تاريخها الحديث، مرحلة لا تهدّد استقرارها السياسي فحسب، بل تمسّ وجودها ذاته كدولة واحدة مستقلة بحدودها المتعارف عليها تاريخيًا.

فما تشهده البلاد من أزمات متراكمة لم يعد مجرّد خلافات سياسية عابرة، بل تحوّل إلى مسار خطير ينذر بانهيار فكرة الدولة ذاتها.

لقد تعمّقت عوامل التشظّي داخل المجتمع الليبي بصورة غير مسبوقة، وبدأت ملامحها تتجلّى بوضوح في انهيار اللُّحمة الوطنية، وتفشّي العصبيات القبلية والجهوية، وطغيان المصالح الضيقة، إلى جانب الاستشراء الواسع للفساد في مؤسسات الدولة.

ونتيجة لذلك، تغيّر مفهوم الدولة من كيانٍ وُجد لخدمة المواطنين ورعاية مصالح المجتمع وتعزيز قيم المواطنة والانتماء، إلى غنيمةٍ يتقاسمها أصحاب النفوذ والسطوة.

ولا تقتصر المخاطر على العوامل الداخلية وحدها، بل تتجاوزها إلى مصالح دولية متشابكة جعلت من ليبيا ساحةً مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

فقد تحوّلت البلاد إلى هدفٍ لسياسات تسعى إلى توطين المهاجرين غير الشرعيين، وربما إلى مشاريع أخطر تهدف إلى تقسيم ليبيا إلى كيانات ضعيفة ومجزّأة، تضيع فيها الدولة الليبية وتختفي من الخارطة السياسية.

وإذا ألقينا نظرةً على ما يجري في محيطنا الإقليمي، سنجد مؤشرات مقلقة لا يمكن تجاهلها؛ من محاولات تقسيم واقعية في السودان، إلى ما يجري في جنوب اليمن، مرورًا باعترافات سياسية مثيرة للجدل بما يُسمّى «أرض الصومال»، فضلًا عن التحالفات السياسية والعسكرية في شرق المتوسط، التي تهدف إلى فرض السيطرة على ثروات الغاز، والتي تُعدّ ليبيا جزءًا أصيلًا من معادلتها.

كل هذه التطورات تشكّل إنذارًا واضحًا بحجم التحديات التي تواجهها البلاد.

وفي هذا السياق، من الضروري التنبيه إلى أن تحالف بعض القوى المحلية مع أطراف خارجية، أو السماح بوجود عسكري أجنبي على الأراضي الليبية، لا يمثّل ضمانةً لحماية تلك القوى أو لمستقبل البلاد.

فالقوى الخارجية لا تتحرّك بدافع دعم الاستقرار أو الحفاظ على وحدة ليبيا، بل بدافع تأمين مصالحها وحصصها في أي ترتيبات قادمة، حتى لو كان ذلك على حساب الدولة ووحدتها.

إن خطورة المرحلة تفرض على الليبيين العمل بإرادة وطنية صادقة لاسترداد دولتهم، وبأساليب جديدة تتجاوز الحلول التقليدية واللقاءات الشكلية التي تُعقد بين الحين والآخر.

فهذه اللقاءات، التي تُسوَّق على أنها مساعٍ للحل، تبدو في حقيقتها أدوات لإدارة الأزمة وإطالة أمدها، في ظل رعاية أممية لا يظهر أنها جادّة فعليًا في إنهاء الأزمة بقدر ما تسعى إلى إبقائها تحت السيطرة.

وربما يكون الخيار الأكثر واقعية اليوم هو تأجيل الخلافات الثانوية، ووقف سيل المبادرات المتنافسة، والتخفيف من الطموحات الكبرى المؤجّلة، والعودة إلى القواسم الوطنية التي توافق عليها الليبيون عند استقلال دولتهم.

فالأولوية في هذه اللحظة التاريخية ليست لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤى متباينة، بل لإنقاذها أولًا من الانهيار.

إن استرداد الدولة الليبية هو المهمة العاجلة، أما تطويرها وبناؤها وفق تطلعات أوسع، فيمكن تركه للأجيال القادمة عندما تنضج الظروف وتتهيأ البيئة السياسية والاجتماعية لذلك.

__________

مقالات مشابهة