تحاول ليبيا منذ سنوات استرجاع أموال البلاد في عدد من الدول تم تجميدها بموجب القرار 1973 الصادر في مارس 2011، عن مجلس الأمن الدولي في إطار العقوبات التي فرضها على نظام القذافي.

وفي حين لا يوجد رقم رسمي عن حجم تلك الأموال، غير أن مسؤولين ليبيين يقدرون قيمتها بـ 200 مليار دولار موزعة على عدد كبير من الدول الأوروبية بشكل أصول ثابتة وودائع وأسهم وسندات مالية واستثمارات عينية.

لم تجنِ جهود الحكومات الليبية المتعاقبة ثمار محاولاتها في هذا الصدد، حيث يتذرع الغرب بمسألة انعدام الاستقرار السياسي والأمني في البلاد من جهة، وعدم وجود رئيس وحكومة ليبية منتخبة من قبل الشعب من جهة أخرى، وهذا يعني فعليًا انتهاء الأزمة الليبية إذا تم، على الرغم من أن هذه الدول نفسها تعرقل المساعي الليبية للوصول إلى الانتخابات، حيث تمرر كل دولة أجنداتها على نخبة سياسية معينة في البلاد، وتفرض إرادتها على الساحة السياسية.

وحذّر مراقبون من خطورة عدم استعادة هذه الأموال، فوجودها بهذه الحالة في البنوك الغربية لا يُلغي فرص الاستيلاء عليها سواء بذرائع سياسية واهية، أو بقرارات أحادية الجانب من قبل الدول المعنية.

تجدر الإشارة إلى تقرير أممي صادم، كشف فيه فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة عن انتهاكات جسيمة تتعلق بالأصول الليبية المجمدة، وسلّط الضوء على عدم امتثال عشر دول و16 مؤسسة مالية للعقوبات المالية المفروضة على ليبيا، الأمر الذي أدى إلى تآكل تلك الأصول المجمدة بفعل ممارسات مالية غير منضبطة.

هذه الحقائق، التي حملها التقرير النهائي المؤرخ في 6 ديسمبر 2024، بالإضافة إلى بدء الدول الأوروبية بالاستحواذ الغير قانوني على الأموال الروسية المجمدة، تزيد من ضرورة استرداد ليبيا لأموالها وأصولها، خصوصًا وأن القوانين الدولية والمؤسسات الليبية غير قادرة على حماية هذه الأصول من التلاعب الخارجي أو من الاستحواذ الكامل عليها.

مليارات الدولارات المجمدة في بنوك دول الغرب بينما مصرف ليبيا المركزي يُعاني

التقى محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، مؤخرا بمكتبه بطرابلس، بالممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيته، حيث تم بحث عدد من الملفات الاقتصادية والمالية، وفي مقدمتها جهود المصرف في الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي رغم التحديات والمخاطر المتعددة.

جاء هذا اللقاء بعدما أظهر كشف المصرف المركزي إجمالي النفقات والإيرادات في الدولة خلال شهري يناير وفبراير من العام الجاري، ووجود عجز بقيمة 2.5 مليار دولار في النقد الأجنبي خلال هذه الفترة القصيرة، متخطياً الخطوط الحمراء التي لم يبلغها عجز النقد الأجنبي منذ فترة طويلة.

هذا التقرير بعد أيام قليلة منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي والذي أقر السماح للمؤسسة الليبية للاستثمار بإعادة استثمار أصولها المالية في الخارج مع بقائها مجمدة، استجابة لطلب المؤسسة لاستثمار الأرصدة النقدية غير المستثمرة، للمحافظة على قيمتها وتجنب الخسائر. قرار وصفه البعض بالمحاولة الدولية لخلق بلبلة بين مؤسسات الدولة الليبية.

حيث أن تعامل دول الغرب، والتي كانت بالأساس سبباً وراء النكسة الاقتصادية والسياسية في ليبيا، مع الأموال الليبية المجمدة أثار العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأموال لا تزال موجودة في البنوك الأجنبية أو تم التصرف فيها كما حدث مع الأموال والأصول الروسية المجمدة.

هذا حيث أعلن رئيس الوزراء الأوكراني، دينيس شميهال، يوم الجمعة الماضية عن استلام بلاده أول دفعة من عائدات الأصول الروسية المجمدة. جاء ذلك في إطار مبادرة مجموعة السبع التي تهدف إلى دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا مستخدمين عائدات الأصول الروسية المجمدة لدى الغرب.

وأوضح شميهال، عبر منشور على منصة “تيليجرام”، أن بلاده تلقت مبلغ 752 مليون جنيه إسترليني من بريطانيا، على أن يتم توجيه هذه الأموال لتعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا.

تعليقا على ما سبق، قال الخبير والباحث السياسي، أحمد خلدون، انه على مدار 14 عاماً تسعى الحكومات الليبية المؤقتة للتعاون مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي، لاستعادة الأموال المجمدة إلى ليبيا، لكن جميع المحاولات بات بالفشل.

دول الغرب أوضحت أن رفضها لإعادة الأموال المجمدة إلى ليبيا سببه الانقسامات الداخلية وغياب السلطة الموحدة للبلاد، لكن خلدون يرى أن هذه الحجج هي مجرد عراقيل يفتعلها الغرب للاستفادة من الأموال الليبية المجمدة في البنوك الأجنبية. والدليل على ذلك أنهم قرر استخدام الأصول الروسية لدعم أوكرانيا، وكان بإمكانهم تنفيذ الأمر ذاته في ليبيا واستخدام فوائد الأصول الليبية لإعادة إعمار البلد.

على صعيدٍ أخر يرى خلدون أن تعويض وإعادة إعمار ليبيا يجب أن يتم على حساب من دمر البلاد وهي دول حلف الناتو ، التي قامت بتوجيه الضربات الجوية على الثكنات العسكرية والأحياء المدنية وأسفرت عن مقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية وخلقة فوضى أمنية وسياسية حتى يومنا هذا. بحسب قوله

واستند الباحث السياسي في حديثه إلى تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والتي أكد فيها أن روسيا هي من ستقوم بإعادة إعمار أوكرانيا، لأنها هي من شنت الحرب ودمرت كييف. وبالنظر إلى هذا التصريح فمن المفترض أن تقوم روما وباريس بإعادة إعمار ليبيا على حسابهم الخاص لانهما من قامتا بشن الضربات الجوية على ليبيا.

_____________

المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

مقالات مشابهة