حاوره طاهر مولود

قبل أن يجيب الأستاذ حسام الدين العبدلي على أسئلة الأيام نيوزحول الوضع في ليبيا، أكد أن الاهتمام الجزائري بالشأن الليبي واضح وصريح، وهو دعم صادق للوحدة الوطنية الليبية.

الجزائر لم يكن لها يومًا أي تدخل سلبي في ليبيا، بل كانت دائمًا الدرع الحامي والداعم الصادق لليبيا وشعبها في كل المحافل الدولية والإقليمية والعربية.”

وأضاف المحلل السياسي: “الجزائر تقف إلى جانبنا في أصعب اللحظات، ولم تتراجع لحظة عن دورها في لم الشمل الوطني الليبي. نحن نشد على يد الجزائر وشعبها الشقيق، الذي تربطنا به روابط دم وتاريخ لا يمكن كسرها.

ولهذا نرفع تحية احترام وإجلال للرئاسة الجزائرية والشعب الجزائري الحر والمناضل، الذي يكاد يكون الشعب العربي الوحيد الذي يقف بثبات مع الليبيين، ويدافع عن حقهم في دولة موحدة ومستقلة وحرة. في مواجهة التدخلات الأجنبية التي تحاول زرع الفتن والفساد في ليبيا، وتسعى لتفتيت الشعب الليبي إلى أعراق وقوميات متعددة. لذلك أؤكد وأشدّد، أن الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تقف معنا بصدق وإخلاص

***

نص الحوار:

الأيام نيوز: منذ عام 2011، لم تتمكن ليبيا، للأسف، من الخروج من متاهتها نحو برّ استقرار سياسي حقيقي أو دولة دستورية موحدة، بل تحولت إلى ساحة لصراعات نفوذ داخلية وخارجية.

منذ عام 2011، دخل الشعب الليبي مرحلة تحوّل جذرية، كانت تحمل في طياتها أملًا جديدًا، لكنّها في الوقت ذاته، شهدت تحديات جسيمة. فليبيا، رغم ثروتها النفطية وتاريخها العريق، لم تكن بالضرورة جاهزة لنظام ديمقراطي مستقر بمعناه الحقيقي.

إن فشل البلاد في إقرار دستور موحّد، أو في بناء جيش وطني موحّد، أو حتى في تأسيس نظام سياسي متماسك، لا يمكن فصله عن عامل جوهري وحاسم: التدخل الأجنبي.

وللأسف، بدأ هذا التدخل بشكل رئيسي من بعض الدول العربية، وبخاصة الخليجية منها، التي لم تكتفِ بالتأثير بل تدخلت بشكل مباشر في الشأن الليبي، مما أعاق مسيرة البناء الوطني.

أما العقبة الثانية التي أعاقت ليبيا عن المضي نحو دستور موحّد فهي، كما أرى، كانت الإعلام الموجه، المدعوم من الخارج. فمن خلال قنوات ووسائل إعلامية تحمل في ظاهرها المصداقية، إلا أنها في باطنها تعمل بأجندات خارجية، سواء عربية أو دولية، تُغذي الانقسامات وتغيب الحقيقة عن الرأي العام.

والأكثر إيلامًا هو ما آلت إليه النخبة السياسية في ليبيا، التي وصلت إلى مراكز السلطة، لكنها لم تستطع أن تخدم وطنها. بل بالعكس، استغلت مواقعها لتحقيق مكاسب مادية، وحافظت على ولاءاتها لدول أجنبية على حساب مصلحة الليبيين.

وهذا السلوك كان السبب الأساسي في تفتيت وحدة الشعب، وتحويله إلى كيانات متناحرة، لا تزال ليبيا تعاني من آثارها حتى اليوم.

وإذا نظرنا إلى الواقع الأمني في السنوات الأخيرة، سنجد أنه، رغم بعض التحسّن الطفيف مقارنة بفترة 2014 وحتى 2021، لا تزال ليبيا تعيش في حالة أمنية هشة، تتعرض لانهيارات متكررة بسبب استمرار التدخلات الخارجية، التي يُعززها وجود طبقة سياسية مرتبطة بمصالح أجنبية.

في النهاية، لا يمكن إغفال الحقيقة التي تظل واضحة: التدخل الأجنبي، المدعوم من ولاءات داخلية، هو السبب الأساسي والعميق وراء الأزمة التي تمر بها ليبيا حتى اليوم.

الأيام نيوز: إلى أي مدى تعتقدون أن غياب بنية أمنية موحدة بين الحكومة والمجلس الرئاسي، وتعدد مصادر الشرعية بين الأطراف السياسية الليبية، قد يعقد المسارات السياسية المستقبلية؟

ليبيا اليوم تعيش واقعاً معقداً من الانقسام السياسي والجغرافي بين الشرق والغرب، حيث يسيطر على كل منطقة قوى عسكرية لها أهدافها وتصوراتها المختلفة لنظام الحكم في البلاد. وفي هذا السياق، يبرز غياب البنية الأمنية الموحدة تحت مظلة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي يجعل السؤال عن الوضع الأمني في العاصمة طرابلس تحديدا ذا أهمية كبيرة.

يتألف المجلس الرئاسي من ثلاثة أعضاء هم السيد محمد النفر، وعبد الله اللافي، وموسى الكوني، الذين يشكلون القيادة العليا للجيش الليبي. ويُعترف دولياً بهذا المجلس باعتباره القائد الأعلى للجيش الليبي، ويُعتبر أعضاؤه بمثابة الرئاسة الجماعية لليبيا. إلا أن المجلس الرئاسي يفتقر إلى وجود قوات نظامية تحت إمرته في طرابلس أو في المناطق الغربية، وهو ما يفسر بشكل كبير عجزه عن فرض الأمن والسيطرة على المشكلات الأمنية المتكررة في العاصمة، والتي تصاعدت مؤخراً مع تجدد المواجهات المسلحة.

أما حكومة الوحدة الوطنية، التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، فقد اتخذت مساراً مختلفاً في التعامل مع الواقع الأمني المتردي في طرابلس. فقد حاولت هذه الحكومة التأقلم مع وجود الميليشيات والمجموعات المسلحة غير المنظمة من خلال إقامة تحالفات مؤقتة معها.

ومع ذلك، فإن هذه التحالفات لم تثمر عن حلول دائمة، إذ فشلت محاولات الحكومة في القضاء على بعض هذه الميليشيات أو الحد من نفوذها، مما أدى إلى بقاء الوضع الأمني غير مستقر وضبابي، مع غياب رؤية واضحة وأهداف محددة على المدى الطويل.

هذا الواقع يعكس ضعف حكومة الوحدة الوطنية بشكل عام، حيث تتركز السلطة الفعلية في يد عبد الحميد الدبيبة، في حين أن الوزراء الآخرين يُعرف عنهم ضعف الأداء والتأثير. ويُضاف إلى ذلك تدهور الوضع الاقتصادي والأمني، الذي جعل من الصعوبة بمكان تحقيق أي تقدم حقيقي على الأرض.

في ظل هذه الظروف، تجددت الاشتباكات المسلحة التي شهدتها العاصمة طرابلس مؤخراً، مما يهدد بعرقلة المسارات السياسية المستقبلية، رغم الجهود التي تبذلها لجنة العشرين التابعة للأمم المتحدة والتي انتهت من إعداد مقترحات من شأنها أن تساهم في صياغة دستور موحد وحكومة موحدة. إلا أن هذه الجهود ستصطدم في واقع الأمر بسلطة الأمر الواقع، المتمثلة في الفاعلين العسكريين والسياسيين في كل من الشرق والغرب.

وبعيداً عن المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، هناك واقع أكثر تعقيداً يتمثل في وجود حكومة موازية في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد، إلى جانب برلمان منتهي الولاية ومجلس أعلى للدولة يعاني من الانقسام والشلل، مما يجعل المشهد السياسي الليبي مشحوناً ومجزأً.

وهكذا، تعيش ليبيا حالة انقسام سياسي حادة، حيث تتصارع مجموعة من المؤسسات المتنازعة: حكومة الدبيبة والمجلس الأعلى للدولة في الغرب، وحكومة حماد مع برلمان المنطقة الشرقية، مما أدى إلى تفكك الوضع الأمني والعسكري، وخلق حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يتضح أن الدور الدولي، خصوصاً دور بعثة الأمم المتحدة، لم يكن محايداً، بل ساهم في تعميق الأزمة بدلاً من حلها. فبعد اعتراف مجلس النواب بحكومة موازية، حاولت البعثة الأممية برئاسة السيدة ستيفاني ويليامز بناء حوار بين الأطراف المتنازعة، إلا أن هذه المحاولات لم تكن ناجحة، بل زادت من تفاقم الانقسام السياسي.

لذا، ورغم أن حكومة الدبيبة ليست نموذجاً مثالياً، إلا أن الطريقة التي تعاملت بها البعثة الأممية مع الأزمة الليبية ساعدت على ترسيخ الانقسام السياسي والأمني، مما يستدعي ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجية الدولية تجاه ليبيا، والبحث عن حلول جذرية تُخرج البلاد من هذا النفق المظلم.

الأيام نيوز: شهدت ليبيا انفلاتًا أمنيًا متزايدًا في الفترة الأخيرة، ما دفع بعض السياسيين إلى المطالبة بتدخل دولي فعال للسيطرة على الوضع. برأيكم، هل التدخل الدولي هو الحل الحقيقي الذي تحتاجه ليبيا في هذا الوقت؟

أعتقد أن الكثير من السياسيين الليبيين يشيرون في تصريحاتهم إلى ما حدث في العاصمة طرابلس من اشتباكات ومواجهات أمنية متكررة، ولكن للأسف، ما شهدته طرابلس ليس حادثًا استثنائيًا أو جديدًا على الواقع الليبي.

وعلى الرغم من ذلك، هناك بعض السياسيين الذين لا يتحلون بالمسؤولية الكاملة عند الإدلاء بخطاباتهم وتصريحاتهم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواضيع حساسة كطلب التدخل الأجنبي في الشأن الليبي. وفي رأيي، هؤلاء السياسيون لا يملكون رؤية واضحة عما تحتاجه ليبيا فعلاً لحل أزماتها ومشاكلها العميقة.

الواقع أن ليبيا لديها ما يكفيها من تدخلات أجنبية، بعضها واضح ومباشر، خاصة التدخلات العسكرية التي زادت من تعقيد الوضع وأدت إلى تأزيم الأوضاع الداخلية. من المهم أن نتذكر أن الليبيين أنفسهم كانوا يخوضون صراعات مسلحة دامية في أعوام 2019 و2020، إلى أن جاء وقف إطلاق النار عبر تفاهمات خارجية بين تركيا وروسيا، تم توقيعهما بعيدًا عن الأراضي الليبية، على لسان الرئيسين أردوغان وبوتين. وهذا يثبت بشكل جلي أن التدخل الأجنبي في ليبيا ليس أمرًا افتراضيًا، بل واقع ملموس.

في الحقيقة، رغم أن التدخلات الأجنبية أوجدت حالة من التجاذب والصراع، إلا أن هذا التدخل التركيالروسي بالتحديد كان إيجابيًا إلى حد ما، لأنه أوقف نزيف الدماء بين الليبيين وفرض حالة من الهدنة المؤقتة التي سمحت بالتراجع عن الحرب المباشرة. وهذا دليل واضح على أن أطراف الصراع داخل ليبيا مرتبطة بشكل مباشر بولاءات خارجية تدفعها وتوجهها، مما يعقد المشهد السياسي والأمني بشكل أكبر.

أما بخصوص الدور الأمريكي، فلا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تلعب دورًا مهمًا في الملف الليبي، سواء على الصعيد السياسي أو الأمني والعسكري، ولكن ما يلاحظ هو أن هذا الدور لم يكن إيجابيًا أو بناءً على مصلحة ليبيا، بل بالعكس، كان تدخلًا سلبيًا ساهم في تعميق الأزمة وتأجيج الخلافات بين الأطراف المختلفة. الأمر نفسه ينطبق على عدد من الدول العربية التي لا تزال تتدخل بشكل سلبي في الشأن الليبي، وتقدم دعمًا متزايدًا لفصائل متصارعة، مما يغذي الحروب ويطيل أمد الصراع.

الوضع في ليبيا اليوم يمكن وصفه بأنه سيء للغاية ومعقد ومتشعب. ليبيا بلد غني ومترام الأطراف، ولكنه في الوقت نفسه هدف للعديد من القوى التي تطمح لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الشعب الليبي. كل هذه القوى تتآمر على ليبيا، وتستغل انقساماتها لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، دون الاكتراث بآلام ومعاناة الليبيين.

وللأسف، لا يمكن كسر هذا الجمود السياسي أو تحسين الوضع الأمني المتردي إلا من خلال إرادة الشعب الليبي نفسه، من خلال وعيه وثقافته وتحمله لمسؤولياته التاريخية تجاه وطنه. إن الحل الحقيقي يبدأ من الداخل وليس من الخارج، فاعتمادنا على التدخلات الأجنبية لن يؤدي إلا إلى المزيد من التدهور والانهيار، وزيادة معاناة الليبيين بدلاً من تخفيفها.

الأيام نيوز: أثارت المواجهات الأخيرة دعوات سياسية لإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. هل هناك بدائل سياسية أخرى لحلحلة الوضع؟

صحيح أن هناك أصواتًا تطالب بإسقاط حكومة الدبيبة، والتي كما أشرت سابقا، تتحمل أخطاء جسيمة، لكنها حتى الآن تبقى هامشية. إذا كانت هذه الأصوات جادة في مطلبها، فعليها أن تنادي أيضًا بإسقاط حكومة حماد، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة. حينها فقط ستكتسب شرعية كافية لإسقاط هذه المؤسسات المنتهية صلاحيتها، التي أثرت الفساد، وأخّرت الاقتصاد، وأضعفت الوضع الأمني والسياسي.

الليبيون يعيشون اليوم تحت إكراهات سياسية معقدة وانفلات أمني. لذلك، يجب أن تكون الأصوات التي تطالب بالإسقاط محايدة وشاملة. وإذا استدعى الأمر، عليها المطالبة برحيل الجميع. المطالبة بإسقاط طرف دون الآخر لن تؤدي إلا إلى المزيد من الشبهات، التي قد تنبع من دوافع سياسية أو ولاءات لأطراف معينة، أو من إعلام ممول خارجيًا.

لا نريد تخوين بعضنا البعض، بل نريد المصداقية في مطالب رحيل الفاعلين السياسيين. فقط حينها نكون أحرارًا ومستقلين، ونقود بلادنا إلى الطريق الصحيح. خلاف ذلك، سنجد أنفسنا أمام مشكلة أكبر مما نحن فيه اليوم.

ليبيا تمر بظروف تدهورت فيها أسس الدولة وسيادتها، وضاقت طرق العيش بالمواطن الليبي، فأصبح يبحث عن مشروع وطني جامع ينقذ ما تبقى من مقومات الحياة، ويعيد الدولة المنهارة، في ظل المآسي والكوارث والانتهاكات الفظيعة التي شهدتها خلال السنوات الماضية.

_______________

مقالات مشابهة