عمر الكدي

لا أعرف بدقة كيف أشعل محمد البوعزيزي النار في جسده، هل استخدم عود ثقاب احترق معه؟

أم أشعل النار بولاعة سقطت من يده، ثم عثر عليها أحدهم واستخدمها حتى نفد غازها فرماها غير آسف، دون أن يدري أنه كانت بحوزته أغلى ولاعة في التاريخ، أطاحت دفعة واحدة بخمسة طغاة، بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح وعمر حسن البشير، وقلصت من حكم طاغية سادس هو بشار الأسد، فجعلت مساحة حكمه لا تتجاوز مساحة باب الحارة.

ترى لو عُرضت الولاعة في مزاد علني بكم كان سيشتريها هؤلاء الطغاة، وكم سيكسب البوعزيزي وهو الذي لم يكن يطمح إلى أكثر من السماح له ببيع الخضروات على عربة يجرها بنفسه في أحد شوارع سيدي بوزيد.

مفارقة من مفارقات التاريخ المضحكة أليس كذلك؟

وبعد انتخاب الرئيس الباجي قائد السبسي قال أحد الظرفاء التوانسة، ثورة تبدأ بولاعة وتنتهي بسبسي هذه مش ثورة“.

فماذا يقول الليبيون عن ثورة فبراير؟

الثورة التي بدأت بالتكبير وانتهت بخطاب مصطفى عبد الجليل وتوصيته لليبيين بالزواج من أربعة.

قبل أسبوع من ثورة فبراير نَصحتُ الليبيين في غرفة بالبالتوك كان يفتحها في نهاية الأسبوع المناضل حسن الأمين، بعدم الخروج للشوارع للمطالبة بإسقاط النظام، وإنما المطالبة بإصلاح النظام، لأن ليبيا لا توجد بها مؤسسات مثل تونس ومصر وفي مقدمتها الجيش، لكني ووجهت بمعارضة شديدة حتى إن هناك من اتهمني بالعمالة لنظام القذافي، وقال أحدهم، وأغلبهم من المتأسلمين، إن القذافي أرسلني للمنفى لأحبط الليبيين إذا فكروا في الثورة.

ولكن ما إن قامت الثورة حتى انضممت لها دون أي حسابات في جبهتها الإعلامية بقناة ليبيا لكل الأحرار، وبعد زيارتي لليبيا عام 2012 تأكدت من أن الثورة ستسرق وأننا مقبلون على حرب أهلية، وأن هذا السلام المخادع الذي رأيته في طرابلس وغريان ومصراته وبنغازي ودرنة هو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فيما بعد علمت أن بعض الذين كانوا تلك الليلة في غرفة البالتوك قد تبدلت أحوالهم.

أحدهم كان يوصل الطلبات للبيوت في مانشستر أصبح مدير الإعلام الخارجي، بفضل انتمائه للجماعة الإسلامية المقاتلة.

وآخر عاد من أفغانستان سيطر على منظمات المجتمع المدني في بنغازي، ثم أصبح بوقا إعلاميا للماريشال.

وثالث عاد من كندا وأصبح مقربا من المفتي قبل أن يرسل ابنه لسوريا حيث لقي حتفه، الأمر الذي جعله مطلوبا في كندا.

وقس على ذلك سواء عاد من المنفى بدبل شفرة أو بقي في ليبيا بشفرة واحدة، مثل سائق الإفيكو وصاحب ورشة تصليح التلفزيونات، فاحتل القنوات الفضائية، أو مهرب السلاح بين ليبيا وتشاد الذي نجح في السيطرة على المؤانيء النفطية، أو الولد الذي كان رأسماله برويطة في سوق الخضروات، وما إن تدخل السوق حتى يظهر أمامك قائلا عمو نوصلك الخضرة.

وغيرهم من المعتوهين في مقدمتهم طباخ الأعراس الذي أصبح مديرا لمطار طرابلس، قبل أن يحرقه معتوه آخر وهو يصرخ الله أكبر مطار طرابلس يحترق“.

خلال أيام الثورة خرج رجل عجوز من بيته فرأى الشباب يضعون الأسلحة على سيارات الدفع الرباعي، فسألهم إلى أين، فقالوا له بنمشوا نشدوا القذافي، فقال لهم ولما تشدوا القذافي أنتم من مازال بيشدكم؟، ويبدو لي أن هذا العجوز لخص كل شيء بأبلغ العبارات.

هل كان التوانسة يعتقدون وهم يخرجون احتجاجا على ما جرى للبوعزيزي، أنهم سينتخبون رئيسا يتحدث بلغة منقرضة وكأنه حنَّ بعل يعود لحكم قرطاجنة، وأن الفريق حميدتي سيحكم السودان وقد وصل إلى هذه الرتبة الرفيعة دون أن يمر بالكلية العسكرية، ولم يكن إلا تاجر حمير بين دارفور وكردفان.

فشلت كل أنواع الأنظمة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، من القذافي الذي كان يقول أنه يسار اليسار فاتضح أنه يمين اليمين، وفشل البعث بشقيه العراقي والسوري، وتحول حزب ميشيل عفلق والبيطار إلى حكم عائلي لعشائر تكريت والقرداحة، ويبدو لي أن سبب الفشل هو عدم القدرة على بلورة هوية وطنية.

جميع هذه الأنظمة كانت تروج لأمة ما غير تلك التي تحكمها.

أحيانا أمة عربية من المحيط إلى الخليج،

وقد شاهدنا على الهواء مباشرة غزو العراق للكويت،

وكيف نهب الجيش العراقي المحافظة التاسع عشرة دون رحمة،

وكيف استولى شمال اليمن على جنوبه،

وكيف أقفلت الحدود بين المغرب والجزائر بعد عدة أشهر من إعلان قيام الاتحاد المغاربي،

أما الإسلاميون فقد روجوا لأمة إسلامية يحكمها خليفة المسلمين،

بينما فضل الماركسييون الأممية التي تمتد من موسكو إلى نيكاراغوا.

فشل القذافي في كل أنواع الوحدة العربية، فاتجه إلى الوحدة الأفريقية ولم ينظر يوما إلى ما تحت قدميه.

والآن إذا لم ننظر إلى ما تحت أقدامنا ونبدأ في بناء الأمة الليبية فإننا سنقامر بالمستقبل والماضي.

أمة تكون لبنتها الأولى المواطنة وليس العرق أو القبيلة ولا الطائفة.

لعل ذلك كان مشروع المرحوم عبد الحميد البكوش، عندما تجرأ بعد هزيمة 67 وتحدث عن الشخصية الليبية، لكن الشعبوية الناصرية وتردد الملك أطاحا بمشروعه، ليأتي القذافي ويعرب كل شيء ويسمح للمرحوم علي فهمي خشيم بتعريب العالم بعد أن أصدر سفر العرب الأمازيغ، وبحثا عن الفرعون العربي وآلهة مصر العربية، والقبطية العربية والآكادية العربية بل واللاتينية العربية..

لابد من إعادة بناء الأمة الليبية وطبعا سوف لن ننسلخ عن محيطنا العربي والأفريقي وسنظل جزءا من العالم الإسلامي، ولكن أن نبني عشنا أولا ثم نتجه نحو الاتحاد المغاربي الذي يشبهنا أكثر من المجتمعات العربية المشرقية بطوائفها وتعدد دياناتها أفضل من قفزات في الهواء، وها هم الأوروبيون أفضل حالا بعد أن بنوا الدولة القومية ثم تكتلوا في الاتحاد الأوروبي انطلاقا من المصالح وليس الشعارات.

وفروا ولاعاتكم وإلا سيحترق ما تبقى من هذا الهشيم.

نحن في حاجة إلى مطر يغسلنا من الأحقاد والانتقام والجشع والطمع والحقد، ولسنا في حاجة إلى مزيد من النيران بعد أن اكتوينا بها جميعا.

___________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *